عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: سيّار الجميل والعولمة والمجايلة التاريخية

حوار الأجيال في زمن الانكشاف العربي الكامل

من محاسن الإنترنت، رغم كل ما جرّه على العالم من فوضى وضجيج، أنه أعاد وصل ما قطعته الجغرافيا وبدد شيئاً من عزلة السياسة. ففي لحظة واحدة يمكن لإنسان عاش عمره بين الكتب والذكريات أن يصافح صوتاً ظلّ يرافقه منذ عقود عبر الورق والحبر فقط. هكذا حدث معي وأنا أستمع، للمرة الأولى وجهاً لوجه، إلى المفكر العراقي سيّار الجميل، الرجل الذي عرفته طالباً في جامعة عدن من خلال كتاباته التي تسللت إلى وعينا الثقافي منذ تسعينيات القرن العشرين، قبل أن أراه أخيراً عبر نافذة رقمية صنعتها العولمة ذاتها التي طالما انشغل بتفكيكها ونقدها.

على مدى ثلاثة ساعات عبر منصة زوم اجتمعنا يوم الاثنين 11 مايو 2026 عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت غرينتش في ندوة حوارية هامة تحدث فيها الدكتور سيار الجميل عن تجربته الفكرية مع ظاهرة العولمة ونظرية المجايلة التاريخية؛ ادارها رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي، الدكتور خضير المرشدي بكفاءة واقتدار وحاوره الدكتور الشاب المثقف أمين اليافعي؛ندوة حملت عنواناً طويلاً ومثيراً للتأمل: «العولمة واستراتيجية تفكير: حوار حول مشروع سيّار الجميل من أجل بناء ثلاثة أجيال جديدة في القرن الحادي والعشرين». وقد بدت الندوة بالنسبة لي أكثر من مجرد فعالية أكاديمية؛ كانت أقرب إلى حوار عميق بين زمنين: جيل الكتابة الورقية الذي تربى على بطء القراءة وتأمل الأفكار، وجيل الكتابة الرقمية الذي يعيش داخل إيقاع متسارع يكاد يلتهم الذاكرة ذاتها.

حينما قرأت عنوان الندوة تذكرت مقال نظرية المجايلة التاريخية للدكتور سيّار الجميل الذي كلفنا الدكتور حازم الناصر؛ استاذ الفكر العربي المعاصر بتصويره وقراءته في السنة التحضيرية للدكتورة في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة بغداد.اعتقد إن المقال كان منشورا في مجلة الفكر العربي كان ذلك عام 2001 م إذ لم تخني الذاكرة. سعدت وأنا استمع من صاحبه مفهوم ونظرية المجايلة التاريخية مباشرة؛ يومها بدا المفهوم غريباً ومثيراً: كيف يمكن قراءة التاريخ لا باعتباره سلسلة أحداث، بل باعتباره تتابع أجيال تتداخل وتتجاور وتتنازع وتورّث بعضها بعضاً؟ لم أكن أدرك آنذاك أن تلك الفكرة ستصبح لاحقاً واحدة من أكثر المفاهيم قدرة على تفسير ارتباك العالم العربي الحديث.

“المجايلة التاريخية”. مصطلح نحته سيّار الجميل من روح اللغة العربية على غرار مفاهيم مثل “المزامنة” و”المقايسة” والكوننة لكنه لم يكن مجرد اجتهاد لغوي، بل مشروع فلسفي لفهم حركة التاريخ الاجتماعي. فالتاريخ عنده لا يتحرك فقط عبر الدول والحروب والأفكار الكبرى، بل عبر تعاقب الأجيال نفسها؛ كل جيل يحمل شروط تكوينه الخاصة، ثم يسلم العالم، أو يورث أزماته، إلى الجيل الذي يليه إذ يقسم الجميل حياة الإنسان الفاعل اجتماعياً إلى مرحلتين متكاملتين: ثلاثون سنة للتكوين، وثلاثون سنة للإنتاج. في النصف الأول يعيش الفرد داخل ظل الجيل السابق، يتلقى قيمه ومعارفه ومخاوفه وأوهامه، وفي النصف الثاني يتحول إلى منتج ومؤثر في الجيل اللاحق. ومن تفاعل هذين المستويين تتشكل “المجايلة التاريخية” بوصفها الإطار الحقيقي لفهم التحولات الكبرى في المجتمع.

ورغم إن الدكتور سيار لم يذكر ابن خلدون ابن خلدون، الا إن التخاطر معه كان واضحا في نظرية الأجيال إذ يُعد ابن خلدون من أوائل من صاغوا نظرية واضحة حول الأجيال في كتابه المقدمة فحسبه الدولة تمر غالبًا بثلاثة أجيال:

1. جيل التأسيس والقوة.

2. جيل المحافظة على السلطة.

3. جيل الترف والضعف والانهيار

فهم أو من ربط صعود الدول وسقوطها بدورات عمرانية وأجيال متعاقبة. لكن تصور الاستاذ سيار عن عمر الجيل الوحد يختلف عن تصور الفيلسوف الإمركي ألفين توفلر في كتابه الشهير صدمة المستقبل. فهذا الأخير حدد عمر الجيل 62 عاما مفترضا إن تجربة الإنسان العاقل(التي قدرها بـ 50 ألف سنة) بافتراض أن متوسط عمر الجيل الواحد 62 عاماً:أول 650 جيلاً: قضاها الإنسان بالكامل داخل الكهوف.الـ 70 جيلاً التالية: بدأت فيها القدرة على التواصل الكتابي ونقل المعرفة عبر الأجيال.الـ 6 أجيال الأخيرة: هي فقط التي عرفت المطبوعات والكتب المنتشرة على نطاق واسع.الـ 4 أجيال الأخيرة: شهدت اختراع المحرك الكهربائي وكل ما تلاه من ثورة صناعية.الجيل الـ 800 (جيلنا الحالي): هو الجيل الذي حدث فيه أكبر قدر من التغيير، حيث تم فيه إنتاج معظم السلع والخدمات التي نستخدمها اليوم، وشهد الثورة الرقمية والمعلوماتية وذلك ليبرهن على أن التغيير في التاريخ الإنساني لم يعد تدريجياً، بل صار انفجارياً ومتسارعاً بصورة غير مسبوقة. معظم ما نعتبره اليوم بديهيات حضارية ـ من الكهرباء إلى الإنترنت ـ لم يظهر إلا في الأجيال القليلة الأخيرة من عمر البشرية. وربما كان الفارق العميق بين المنظورين العربي والأمريكي أن توفلر كان يصف تسارع الزمن التقني، بينما كان سيّار الجميل يحاول فهم أثر هذا التسارع على البنية الثقافية والاجتماعية للإنسان العربي تحديداً. هنا تكمن أهمية مشروعه الفكري؛ فهو لم يتعامل مع العولمة بوصفها قدراً تقنياً محايداً، بل باعتبارها زلزالاً تاريخياً يهدد المجتمعات الضعيفة بالانكشاف الكامل.

واتذكر أنني نشرت مقال عن العولمة والعالم قبل بعد عودتي من بغداد في عدن الغد أوضحت فيه إن العالم العربي كان أكثر المناطق تعرضاً لهذا الانكشاف المؤلم. لقد جاءت العولمة إلينا لا كفرصة تاريخية للمشاركة في صناعة العالم، بل كاقتحام مباغت لبيت هشّ ومثقل بالتصدعات. فجأة وجدنا أنفسنا مكشوفين أمام الجميع: ثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، وحتى أخلاقياً. لم تعد هناك جدران عالية تخفي عيوب الداخل، ولم تعد السلطة قادرة على احتكار الصورة أو الرواية أو الوعي.

وصف مارتن هايدغر العالم ذات مرة بأنه سيغدو “في متناول اليد”، لكن هذا القرب الكوني الذي بشرت به ثورة الاتصالات لم يحمل معه بالضرورة مزيداً من العدالة أو الإنسانية. صار العالم قرية بالفعل، لكن القرية نفسها تحولت إلى ساحة صراع مفتوح، حيث تتجاور المعرفة مع العنف، والحرية مع الهيمنة، والتكنولوجيا مع الخراب.

في هذه القرية الكونية بدا العرب، مرة أخرى، آخر من يعلم. لم نشارك في إنتاج العولمة، ولم نمتلك أدواتها، بل وجدنا أنفسنا موضوعاً لها وميداناً لتجاربها القاسية. لهذا لم تكن الصدمة تقنية فقط، بل حضارية أيضاً. لقد اكتشفنا فجأة هشاشة الدولة، وضعف المجتمع، وضمور العقل النقدي، وتآكل معنى المواطنة فاذا كان الغرب قد دخل عصر العولمة من موقع القوة والإنتاج، فإننا دخلناه من موقع الاستهلاك والتفكك. لهذا تحولت العولمة عندنا إلى حالة انكشاف جماعي؛ انكشاف سياسي أمام قوى الهيمنة الدولية، وانكشاف ثقافي أمام طوفان الصور والقيم، وانكشاف أمني أمام الحروب التي صارت تدار فوق أرضنا وبأجساد أبنائنا.

فما يحدث في العالم العربي منذ عقود من الزمن يكاد يكون التجلي الأكثر قسوة لهذا المأزق التاريخي. فالقوى الكبرى جميعها تمارس صراعاتها فوق جغرافيتنا: الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وإسرائيل. الجميع يختبر أسلحته ومشاريعه وموازين قوته في هذه المنطقة المنهكة، بينما تبدو الأنظمة العربية عاجزة عن إدراك عمق الكارثة أو حجم التحول التاريخي الجاري.

إن أخطر ما في الأمر ليس فقط حجم العنف، بل اعتيادنا عليه. فالمجتمعات حين تفقد قدرتها على الحلم تبدأ بالتكيف مع الخراب بوصفه وضعاً طبيعياً. وهنا تحديداً تبرز أهمية مفهوم “المجايلة التاريخية” مرة أخرى؛ لأن الأزمة لم تعد أزمة نظام سياسي أو اقتصاد متعثر فحسب، بل أزمة انتقال حضاري بين أجيال فقدت الرابط المشترك فيما بينها فالجيل الورقي الذي تشكل وعيه عبر الكتب والأيديولوجيات الكبرى يعيش اليوم حالة اغتراب أمام عالم رقمي سريع ومتفلت. أما الجيل الرقمي فيعيش غالباً بلا ذاكرة تاريخية عميقة، يتحرك داخل عالم افتراضي مفتوح لكنه يفتقر إلى المعنى واليقين. وبين الجيلين تتسع هوة الفهم، ويضيع سؤال المستقبل.

ربما لهذا بدت الندوة التي جمعتنا بسيّار الجميل أكثر من مجرد احتفاء بمفكر عربي من الجيل الكلاسيكي؛ لقد كانت محاولة لفهم أنفسنا في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب. فالعولمة ليست مجرد تقنية أو اقتصاد أو وسائل تواصل، بل إعادة تشكيل كاملة للوعي الإنساني، ولعلاقة الإنسان بالزمن والمكان والهوية.

فالعولمة، رغم قسوتها، ليست شراً مطلقاً. لقد منحتنا أيضاً إمكانات هائلة للتواصل والمعرفة وكسر العزلات القديمة. والدليل أنني استطعت، بعد عقود من القراءة الصامتة، أن أستمع مباشرة إلى مفكر أثّر في وعي جيل كامل من المثقفين العرب وربما يكون التحدي الحقيقي أمام العرب اليوم ليس مقاومة العولمة بوهم الانغلاق، بل إنتاج موقع عقلاني ونقدي داخلها. أي الانتقال من حالة الانكشاف السلبي إلى حالة المشاركة الواعية في صناعة المستقبل.

ختام نكرر القول مع الدكتور سيار الجميل إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الخراب، بل بإنتاج وعي جديد قادر على فهم العالم وتحويل المعرفة إلى قوة تاريخية. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من مشروع سيّار الجميل الفكري: أن التاريخ ليس قدراً أعمى، بل عملية مجايلة مستمرة، وأن كل جيل يمتلك فرصة، ولو متأخرة، لكي يعيد تعريف علاقته بالعالم وبذاته وبمستقبله.

***

ا. د. قاسم المحبشي