عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: الفلسفة كقوة هدم وبناء

الفلسفة ليست كتابا يقرأ ثم يغلق، ولا نظاما معرفيا يمكن امتلاكه كما تُمتلك المعرفة التقنية أو المهارة العملية. إنها بالأحرى بنية تفكير تصطدم باستمرار مع المسلمات، وتعمل على تفكيك ما يبدو بديهيا حتى يفقد بديهته. ولذلك فإن التعامل معها كـمحتوى ثقافي يستهلك أو يستعرض هو أول أشكال إساءة فهمها. المشكلة الأساسية في الخطاب المعاصر حول الفلسفة أنها أُفرغت تدريجيا من وظيفتها النقدية، وأُعيد تشكيلها داخل قوالب تعليمية أو تحفيزية. صارت تُقدَّم بوصفها وسيلة لتوسيع الوعي أو تحسين التفكير أو تطوير الذات، بينما جوهرها الحقيقي ليس تطوير الذات بل مساءلتها. ليس الهدف أن تصبح أفضل نسخة من نفسك، بل أن تفهم لماذا تعتبر أن هناك أصلا نسخا متعددة من نفسك.

هذا التحول ليس بريئا. عندمآ تختزل الفلسفة إلى أداة تنمية بشرية، يتم تحييد خطرها الأساسي: قدرتها على تفكيك أنظمة المعنى التي يقوم عليها الاستقرار النفسي والاجتماعي. الفلسفة في أصلها ليست مريحة، بل مقلقة. لأنها لا تترك مساحة كبيرة للاطمئنان السهل، بل تفتح فراغات في كل يقين يُفترض أنه ثابت. ولهذا السبب، فإن كثيراً من الناس يقتربون من الفلسفة ثم ينسحبون منها دون وعي، لأنهم كانوا يتوقعون منها إجابات، بينما هي في حقيقتها تُراكم الأسئلة. هذا التناقض هو أول اختبار حقيقي: هل تريد معرفة تُغلق السؤال، أم تفكيرا يُبقي السؤال مفتوحا حتى على حساب راحتك؟

القراءة الفلسفية ليست عملية تراكم معلومات، بل عملية إعادة تشكيل للمعايير التي تقاس بها المعلومات نفسها. فالقارئ الفلسفي لا يخرج من النص وهو يعرف ماذا قال الفيلسوف، بل وهو يسأل: لماذا بدا هذا القول ممكنا أصلا؟ وما الذي جعل هذا النوع من التفكير قابلا للظهور في لحظة تاريخية معينة؟ هنا تتحول القراءة من تلقي إلى تفكيك، ومن فهم إلى مساءلة للفهم نفسه.لكن أخطر ما يحدث هو تحويل الفلسفة إلى هوية ثقافية. أن يصبح الشخص فيلسوفا بالمعنى الاجتماعي: يقتبس، يتحدث بلغة مجردة، يستخدم مفاهيم كبيرة، ويظن أن هذا وحده دليل على العمق. بينما الفلسفة الحقيقية لا تتجلى في كثافة المفاهيم المستخدمة، بل في قدرة الفكر على مقاومة الاستسهال. أحيانا يكون أبسط سؤال فلسفي أكثر عمقا من أطول نص مليء بالمصطلحات.

 يصبح التفكير النقدي شعارا مكررا أكثر من كونه ممارسة. لأن النقد الحقيقي لا يبدأ من نقد الآخرين، بل من نقد البنية التي تجعلنا نعتقد أننا نفهم أنفسنا والآخرين بشكل كافٍ. النقد الفلسفي ليس رفضا سطحيا، بل تفكيك جذري للطرق التي يُبنى بها الرفض نفسه.تظهر إشكالية أخرى: العلاقة بين الفلسفة والحياة اليومية. كثيرون يسألون: ما فائدة الفلسفة في الواقع؟ وكأن الواقع نفسه مفهوم بسيط وثابت. لكن الفلسفة لا تقدم فائدة مباشرة، بل تعيد تعريف ما نعنيه أصلا بكلمة فائدة. فهي لا تدخل في الحياة كأداة لتحسينها فقط، بل كقوة تعيد مساءلة معنى التحسين ذاته: من يحدد ما هو التحسن؟ وعلى أي أساس؟ وبأي كلفة؟

حتى فكرة الحرية التي تُستخدم كثيرا في الخطاب الفلسفي، تتحول أحيانا إلى شعار فارغ إذا لم تفكك. هل الحرية هي القدرة على الاختيار؟ أم القدرة على إدراك الشروط التي تصنع خياراتنا أصلا؟ تنتقل الفلسفة من مستوى السطح إلى مستوى البنية، من السؤال عن الفعل إلى السؤال عن شروط إمكانية الفعل.ولهذا فإن الدخول في الفلسفة يشبه الدخول في منطقة لا يعود فيها الإنسان قادرا على استخدام مفاهيمه السابقة بنفس البراءة. الكلمات التي كانت تبدو مستقرة تبدأ في التصدع: الحقيقة، العدالة، الهوية، العقل، المعنى. كل هذه المفاهيم لا تختفي، لكنها تفقد بساطتها الأولى، وتصبح حقولا للصراع لا أوعية للطمأنينة أن هذا الاضطراب هو ما يجعل الفلسفة ضرورية. لأنها لا تترك الإنسان في وهم الاكتمال المعرفي، بل تجبره على العيش داخل التوتر بين ما يعرفه وما لا يمكنه أن يعرفه بسهولة. وهذا التوتر ليس عيبا، بل هو الشرط الأول لأي تفكير جاد. و يمكن فهم السؤال الختامي من أكون؟ ليس كسؤال وجودي شاعري، بل كسؤال تفكيكي عن الهوية باعتبارها بناءً متغيرا. لأن الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل طبقات من اللغة والتاريخ والتجربة والسلطة. وعندما تُسأل فلسفيا، فإنها لا تُطلب لتعريف نهائي، بل لكشف مدى هشاشة كل تعريف.

 الفلسفة لا تعد بالراحة، ولا تقدم ضمانات معرفية، ولا تمنح يقينا مستقرا. لكنها تمنح شيئا أكثر قسوة وأهمية في آن واحد: القدرة على رؤية أن ما كنت تعتبره يقينا قد يكون مجرد ترتيب لغوي أو اجتماعي أو نفسي تم قبوله دون اختبار كافٍ.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا أقرأ من الفلسفة؟ ولا كيف أتعلم التفكير الفلسفي؟ بل: هل أنا مستعد لأن أفقد جزءا من يقيني كي أرى ما وراءه؟ لأن الفلسفة، حين تمارس بصدق، لا تضيف إلى الإنسان طبقة من المعرفة فقط، بل تنزع عنه طبقات من الوهم، وتتركه أكثر وعيا، لكن أقل طمأنينة، وأكثر قدرة على السؤال، لكن أقل قدرة على الادعاء باليقين.

***

زكريا نمر