عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: في ضرورة التفريق بين الحداثة والتحديث

من وحي ندوة صالون تفكير مع وائل فاروق

في ندوة البارحة بصالون تفكير عن (أزمة الشعر الجاهلي وحداثة التعايش بين المتناقضات) حدثنا الدكتور وائل فاروق أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في كلية العلوم اللغوية والآداب الأجنبية وكلية العلوم السياسية والاجتماعية بالجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس في ميلانو بإيطاليا عن الحداثة بوصفها ظاهرة تاريخية حديثة لكنه لم يوضح الفروق الدقيقة بين مفهومي الحداثة والتحديث بالنسبة فهمت قصده واعجبني في توصيف مشروع طه حسين الثقافي بوصفه تعبيرا عن لحظة ميلاد الحداثة في مصر الحديثة منذ زمن التحديث الأطلسي. كانت ندوة رائعة ادارها الاستاذ الدكتور وليد الخشاب بكفاءة واقتدار.

ولما كنت منتظرا من الاستاذ جمال عمر لفت نظر الدكتور وائل إلى اهمية التفريق بين الحداثة والتحديث لاسيما في واقعنا العربي المعاصر ولم يفعل فاضطررت إلى طلب التداخل مع المحاضر النبيه الذي تقبل الملاحظة بروح مدنية عقلانية راقية. أحييه.

القضية الحقيقية التي كانت تتحرك تحت سطح الندوة ليست الشعر وحده، بل سؤال الحداثة ذاته؛ ذلك السؤال الذي ما زال يطرق أبواب وعينا العربي منذ أكثر من قرنين دون أن نحسمه. كان الدكتور وائل فاروق يتحدث عن الحداثة بوصفها ظاهرة تاريخية كبرى، وتوقف عند مشروع طه حسين بوصفه أحد تجليات لحظة الميلاد الحداثي في مصر الحديثة، بينما أدار الندوة الدكتور وليد الخشاب بكفاءة لافتة. غير أن ما ظلّ يلحّ عليّ طوال الأمسية هو غياب التمييز الدقيق بين مفهومين كثيرًا ما يُستعملان في خطابنا الثقافي وكأنهما شيء واحد: الحداثة والتحديث.

ذلك الخلط ليس خطأً لغويًا عابرًا، بل مأزق فكري كامل. لأننا حين لا نفرّق بين الحداثة والتحديث، فإننا نتصور أن بناء الجسور وناطحات السحاب، واستيراد التكنولوجيا، وإنشاء الجامعات الحديثة، يكفي لكي نصبح حداثيين. بينما الحقيقة أن التحديث شيء، والحداثة شيء آخر تمامًا. التحديث هو تغيير الأدوات، أما الحداثة فهي تغيير العقل الذي يستخدم الأدوات. التحديث يمكن استيراده، أما الحداثة فلا تُستورد؛ لأنها ليست بضائع أو تقنيات، بل تحوّل عميق في بنية الوعي الإنساني وفي علاقة الإنسان بالعالم والتاريخ والسلطة والمعرفة.

لهذا كان من الضروري التوقف عند السؤال الجوهري: أيهما يسبق الآخر؟ هل الحداثة نتيجة للتحديث أم أن التحديث ثمرة من ثمار الحداثة؟ التجربة الغربية نفسها تكشف أن الحداثة جاءت أولًا بوصفها انقلابًا في الرؤية إلى الإنسان والعالم، ثم جاء التحديث لاحقًا كتجلٍّ مادي ومؤسساتي لذلك الانقلاب. لم تبدأ أوروبا الحديثة بالمصانع، بل بدأت بتحرير العقل من الوصاية، وبإعادة تعريف الإنسان بوصفه مركز الفعل التاريخي. منذ اللحظة التي أعلن فيها رينيه ديكارت الكوجيتو الشهير: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بدأ الإنسان الأوروبي يخرج من العالم الوسيط المغلق إلى عالم جديد يصبح فيه العقل مرجعًا والمعرفة مشروعًا مفتوحًا.

من هنا نفهم تعريف آلان تورين للحداثة حين اعتبرها قدرة المجتمعات على ابتكار ذاتها وتحويلها. فالحداثة ليست مجرد زمن تاريخي، بل إرادة واعية لإعادة تشكيل الواقع. إنها انتقال الإنسان من كائن يتلقى المعنى من الخارج إلى ذاتٍ تصنع معناها بنفسها. ولهذا قسم تورين الحداثة إلى مراحل متعاقبة: حداثة مبكرة تشكّلت مع عصر النهضة، وحداثة منتصرة ترسخت مع الثورة الصناعية والعقل العلمي، ثم حداثة مظفرة أو فائقة أصبح فيها الإنسان واعيًا بذاته بوصفه كائنًا حرًا وخلاقًا يمتلك الحق في إعادة تعريف العالم باستمرار.

لكن هذه الرحلة لم تبدأ فجأة. لقد كانت النهضة الأوروبية مخاضًا طويلًا امتدّ قرونًا، منذ القرن الرابع عشر حتى السابع عشر، شهدت خلاله أوروبا اضطرابًا هائلًا في القيم والصور وأنماط الحياة. لم تكن النهضة مجرد بعث للتراث اليوناني والروماني، بل إعادة توظيف ذلك التراث في أفق جديد. لقد تغيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وتغيّرت علاقته بالطبيعة والزمن والله والتاريخ. الإنسان الجديد لم يعد ينتظر الخلاص فقط، بل صار يعمل ويغامر ويكتشف ويعيد تشكيل العالم بيديه.

في تلك اللحظة التاريخية أخذت سلطة الكنيسة تتراجع بالتوازي مع صعود سلطة العلم. اكتشف نيكولاس كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون، ثم جاء غاليليو غاليلي ليحوّل الملاحظة والتجريب إلى منهج، وأكمل إسحاق نيوتن الثورة حين كشف قوانين الحركة والجاذبية، فكأن الكون كله أصبح قابلاً للفهم الرياضي والعقلاني. في الوقت نفسه كانت السفن الأوروبية تعيد اكتشاف الجغرافيا، وكان الإصلاح الديني البروتستانتي يزعزع احتكار الكنيسة للحقيقة، بينما كانت الطباعة تنشر المعرفة على نطاق غير مسبوق كان تعبيرًا عن ولادة باراديغم جديد: العالم لم يعد سرًّا غامضًا تحكمه القوى الماورائية، بل أصبح موضوعًا للفهم والسيطرة الإنسانية. هنا تحديدًا وُلدت الحداثة بوصفها مشروعًا فلسفيًا عقلانيًا. ولذلك فإن جوهر الحداثة الغربية لم يكن القطار أو المصنع أو البارود، بل فكرة الإنسان نفسه: الإنسان الحر، العاقل، القادر على مساءلة كل شيء.

لقد كان عصر النهضة يتطلب عمالقة فأنجبهم، عمالقة في قوة الفكر "والاندفاع والطبع"امثال: كوبرنيكوس 1473-1543، وكلبر 1571-1630، وجاليلو 1564-1642، وجبلر 1540-1603م، في المغناطيس وربرت بويل 1627-1691م في الكيمياء, وليفنهوك 2632-1723م، مكتشف الحيوانات المنوية واسحاق نيوتن 1642-1727م، مكتشف قانون الجاذبية وقوانين الحركة الديناميكية, لقد عززت الاكتشافات العلمية من ثقة الانسان بقدراته يقول الشاعر:

"لقد كانت الطبيعية وقوانينها محجوبة في الليل" فقال الله لنيوتن كن وتحول كل شي الى نور" إذ شهد عصر النهضة اهم الاكتشافات الجغرافية للمناطق المجهولة فقد القى الاسباني كولمبس مراسيه في العالم الجديد عام 1492م، والقى البرتغالي فاسكودى جاما مراسيه على ساحل الهند الغربي 1498م واستطاع ماجلان في السفينة فكتوريا ان يدور لاول مـرة حول الارض (1519-1522), وغير ذلك من الاكتشافات الجغرافية, وعلى صعيد الفلسفة والادب والتاريخ والسياسة، هناك كوكبة لامعة من الاسماء التي ازدهرت في عصر النهضة امثال جوردانو برونو (1548-1600م) وبيك دولامير اندول 1494 وتوماس مور (1487-1535م)، ونقولاي ماكيافيلي (1467-1527م)، وكأمبلانيلا ومارسين فيسين 1499 كل هذا الزخم الثقافي العلمي الفني الادبي، ترافق مع حركة الاصلاح الديني على يدي لوثـر (1483-1546م) وكلفن 1506-1564م)، وزونغلي (1484-1531م)، الذين نادوا باصلاح الكنيسة وبالخلاص الفردي، ولم تكن هذه النهضة الثقافية الشاملة في حقيقة امرها الا حصيلة تفاعل جملة من العوامل والقوى الاجتماعية والاقتصادية والمدنية، تطور المدن وازدهار التجارة والصناعة ولدول والثورات الاجتماعية والعلوم والمناهج. ويمكننا اجماع الموقف كله بالقول، انه عصر الاكتشافات الفلكية والاكتشافات الجغرافية والاصلاح البروتستانني وضروب الابداعات الثقافية واختراع وانتشار الطباعة والسفينة البخارية والبارود، والبوصلة، وبروز الامم الدول، على اسس قومية وبدايات الاقتصاد الرأسمالي وظهور المدن وبداية التمايز الاجتماعي والصراع الطبقي.لقد اطلقت النهضة طاقات الانسان، وافضى ذلك الاهتمام المتزايد بالحياة الانسانية، وبالجسد الانساني والطبيعة الحية، الى رؤية جديدة لكل شي، وبدلا عن المحنة حل الفرح، وباستعمال الانسان للقوى التي وهبها اياه الله حلت الحرية في توجيه العقل بدلا من الخضوع لارادة الكنيسة، واخذ البحث الفكري يحل مكان التبلد والعقم والكسل- وبكلمة تفجرت من ذات الانسان طاقاته الانسانية الكامنة المتعطشة للحرية والابداع والتنافس والصراع والمغامرة والطموح والبطولة والشجاعة والايمان باللحظ واقتصاب الفرص. لقد نظرت النهضة الى الانسان وقواه بعيون انسانية إذ جعلت "انسانوية" النهضة من الانسان غاية المعرفة واداتها في ان واحد، يقول فيلسوف النهضة (بيك ميراندولا 1463-1494م) في رسالة "كرامة الانسان", "أيه يا آدام... العالم لم يخلق من أجل الانسان، ولكنه مصنوع من لحمه ودمه، ذلك الكائن الذي وهبته الالهه ارادة حرة والذي يحمل في ذاته بذور الحياة التي لا تحصى، اذا ما استعاد كرامته، لا يبقى ثمة ضياع، ولا يبق ثمة قلق، الشياطين التي كان يخافها انسان العصور الوسطى القت بنفسها في الجحيم ومعها الصليب الذي كان يبدو مكرساً لحمايتها، العالم اضحى من جديد فرح الانسان وحلمه وطموحه".على هذه النحو اخذت تعود ثقة الانسان بذاته وبعالمه وأخذ الانسان يثق بقدرته على التقدم والتطور، استعاد الانسان ذاته وعظمته حسب ياكوب بوهم (1575-1624م) "الانسان ذلك الكائن العظيم الذي ترقد السماء والارض وكل الكائنات والله نفسه في اعماقه".

من النهضة لا من غيرها انبثقت الحداثة ومشروعها الإنساني العقلاني الذي تطور فيما بعد إلى مسألة الاعتراف بقيمة الإنسان وعقله وكرامته بوصفه كذلك، كما عرفها عـالم الاجتماع الالمـاني (ماكس فيير 1864-1920م) بقوله: "ان الحداثة تعنى العقلنه، وبهذا المعنى تكون الحداثة مشروعاً انسانياً لبناء المجتمع في كل جوانبه على اسس عقلانية، مجتمع يعيش وينظم نفسه ويتصرف بعيداً عن كل غائية غيبية "وسحر اووهم"

هكذا عرّف ماكس فيبر الحداثة بوصفها «عقلنة» شاملة للعالم؛ أي إخضاع الطبيعة والمجتمع والسياسة لقواعد العقل والحساب بدل السحر والأسطورة. بينما رأى إيمانويل كانط أن التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي فرضها على نفسه حين عجز عن استعمال عقله دون وصاية. بهذا المعنى كانت الحداثة فعل تحرر قبل أن تكون مجرد تراكم تقني بل انتقالًا إبستمولوجيًا عميقًا، وهو ما يمكن فهمه في ضوء التحليل الذي يقدمه أنتوني أ. هب في كتابه «فجر العلم الحديث»، حيث يبيّن أن بزوغ العلم لم يكن نتيجة اختراعات متفرقة، بل ثمرة تحوّل في تصور الطبيعة نفسها: من كيان عضوي مفعم بالغايات إلى نسق رياضي قابل للقياس والتجريب. هذا التحول في صورة العالم هو ما أطلق سلسلة التغيرات اللاحقة. من هنا يمكن القول إن مسارًا حضاريًا أنتج الحداثة لأنه أعاد بناء بنيته المعرفية من الداخل، بينما مسارًا آخر تبنّى أدواتها دون أن يستبطن باراديغمها.

لا شك إن ة العالم العربي شهد أنماطًا واسعة من التحديث منذ القرن التاسع عشر: جيوش حديثة، إدارات بيروقراطية، جامعات، مطابع، مدن إسمنتية، شبكات اتصال، وأخيرًا ثورة رقمية هائلة. لكن هذه التحولات بقيت في أغلبها سطحية لأنها لم تُنتج حداثة حقيقية في بنية العقل. استوردنا منتجات الحداثة دون أن نمرّ بالمخاض الفلسفي الذي أنجبها وهذا ما أفاض به عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي في كتابه المهم (الدولة المستوردة؛ تغريب النظام السياسي).

لهذا تبدو مدننا حديثة من الخارج وتقليدية من الداخل. نستعمل أحدث الهواتف الذكية بينما ما تزال علاقتنا بالسلطة والمعرفة والتاريخ محكومة بعقل ما قبل حداثي. ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بينما لم نحسم بعد سؤال حرية التفكير. نعيش في قلب الموجة الرقمية الثالثة، لكننا ما زلنا عالقين في معارك الموجة الأولى المتعلقة بشرعية العقل ذاته.

إن الأزمة الحقيقية ليست نقص التحديث، بل غياب الحداثة بوصفها إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا أخفقت محاولات النهضة العربية الحديثة في إنتاج قطيعة معرفية حقيقية. فمنذ رفاعة الطهطاوي وحتى محمد عابد الجابري ظل السؤال المركزي هو: كيف نأخذ من الغرب قوته دون أن نفقد هويتنا؟ غير أن السؤال الأعمق كان ينبغي أن يكون: كيف نعيد بناء علاقتنا بالعقل والتاريخ والإنسان؟

كتب توني هب في كتابه المهم (فجر العلم الحديث؛ الصين ألعرب والاسلام) ترجمة محمد عصفور عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية؛ قائلا: " كان العرب في كل حقول العلم .. في طليعة التقدم العلمي … إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف ” كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية”

ويخلص (توني هب) إلى القول: “لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة.

كان العلم الحديث يحتاج إلى افتراضات ميتافيزيقية جديدة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وقابلية العالم للفهم، وقدرة العقل الإنساني على اكتشاف القوانين والتحكم بها. وهذه الافتراضات لم تتحول في حضارتنا إلى وعي جمعي مؤسس، بل بقيت محاصرة داخل حدود ضيقة. ولذلك دخلنا العصر الحديث من بوابة التحديث القسري لا من بوابة الحداثة الفكرية اقصد المنطلقات الفلسفية للحداثة الاوروبية

ومن هنا نفهم المأزق العربي المعاصر: نحن نستهلك منتجات الحداثة دون أن نعيش روحها. نستخدم التقنية لكننا نخشى النقد. نطالب بالتقدم بينما نخاف حرية التفكير. نبني الجامعات لكننا لا نؤسس لعقل علمي مستقل. وهكذا يتحول التحديث إلى قشرة خارجية تخفي تحتها بنى ذهنية تقليدية لم تتغير جذريًا.

إن الحداثة ليست موقفًا ضد الدين كما يتصور البعض، بل هي إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والحقيقة والسلطة. إنها الاعتراف بكرامة الفرد وحقه في التفكير الحر، وهي ما أفضى لاحقًا إلى قيم التسامح والاعتراف بالآخر وحقوق الإنسان. ولهذا ربط هيغل الحرية بالنضال من أجل الاعتراف، بينما جعل أكسل هونيث الاعتراف محور الصراعات الاجتماعية الحديثة.

السؤال الحقيقي أمام الثقافة العربية المعاصرة ليس كيف نرفض الحداثة أو نقلّدها، بل كيف نعيد إنتاجها من داخل سياقنا التاريخي. أي كيف نحولها من نموذج مستورد إلى مشروع نقدي ينبع من أسئلتنا الخاصة. فالحداثة ليست وصفة جاهزة، ولا قدرًا أوروبيًا مغلقًا، بل تجربة إنسانية مفتوحة تقوم على شجاعة السؤال، وحرية العقل، والاعتراف بكرامة الإنسان.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يخلط بين الحداثة والتحديث، لأن ذلك يخلق وهم التقدم دون تحقق شروطه الحقيقية. فالمباني الحديثة لا تصنع عقلًا حديثًا، والتكنولوجيا لا تنتج تلقائيًا ثقافة نقدية. يمكن لدولة أن تمتلك أحدث المطارات والجامعات والاتصالات، لكنها تبقى خارج الحداثة إذا ظل العقل فيها خائفًا من السؤال، وإذا بقي الإنسان مجرد تابع لا مواطنًا حرًا فكيف يصبح الإنسان فاعلًا في التاريخ لا مجرد مستهلك لنتائجه؟ وكيف يتحول العقل من أداة تبرير إلى قوة نقد وإبداع؟ هنا تحديدًا تكمن أهمية التمييز بين الحداثة والتحديث، لأنه التمييز بين تغيير الأشياء وتغيير الإنسان نفسه. وبين مجتمع يستورد الأدوات، ومجتمع يعيد اختراع ذاته.

***

ا. د. قاسم المحبشي