عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

عبد الله الغذامي: الشيخ الثقافي (الكتاب أم القارئ)

من المقولات التراثية مقولة «من كان شيخُه كتابَه، كان خطؤه أكثرَ مِن صوابِه»، وهي مقولة مبكرة تنبهت لخطورة الكتاب بوصفه أخطر منافسٍ لسلطة الشيخ - المعلم. وهذه المقولة تحذيرٌ من تفرد الكتاب بالقارئ من دون حمايةٍ من شيخٍ يدير العلاقة بين القارئ والكتاب. وإن تفرد الكتاب بالقارئ فهذه علامة تمرد ستغير التراتبية الثقافية، وهذا وجه من وجوه تنازع السلطات وأيهما أحق بملكية التوجيه والتربية. والتخويف من هذا التفرد ليس سوى وصاية ثقافية تعني الاستحواذ والأبوية من الأب الشيخ الذي من دونه تأتي الأخطاء بناءً على أن عقول الآخرين صغيرةٌ وتحتاج لحماية. وهذه من أخطر الوصايات التي حاصرت التحرر من المريدية والتتلمذ الاستسلامي. رغم أن الشيخ نفسه يعتمد الكتاب مرجعاً لتدريسه، لكن المقولة تريد التمييز بين شيخ بيده كتاب، وكتابٍ بين يدي قارئ حر. والحال الثانية هنا هي أخطر طبخة علمية وكأنها طبخة سامة يجب الحذر منها.

على أن عقلية الوصايات هي قصة لا تنقطع ثقافياً وسلوكياً ما دمنا نعيش في خلية اجتماعية، فالكل يربي الكل عبر النصيحة التي هي أشد صيغ التعليم المقرون بالتأديب. وهي لعبةٌ ثقافيةٌ خطرةٌ بما أنها تتحرك وفق معنى الواجب الأخلاقي. وكل نصيحة وراءها وصيٌّ يستمتع بعلوه على المنصوح وتلك أهم معاني الأبوية الثقافية. ونحن مشتبكون مع النصيحة منصوحين وناصحين، في تبادل لا ينقطع حسب تنوع الأدوار. ويظل المرء منا يتعلم أنظمة السلوك من سلوك غيره ممن يتطوعون بتعليمه المبتغى منه. ومقابل هذه الخزينة التربوية تأتي الخبرات الخاصة التي ستحدث تصدعاّ بين حركة المعاني المكتسبة بالمباشرة الحية، والمعاني المكتسبة بالتلقين.

وفكرة تلقين السلوك تحيل لرغبات عميقة في حب السيطرة على الآخرين، وهي سيطرة ناعمة، لكن نعومتها تضمر خشونتها، لأن هذا النوع من الوصاية عبر النصح والوعظ والتربية هي بالتالي أوامر تفضي لرد فعل غير إيجابي قد يبلغ حد التمرد أو فعل نقيض ما يراد فعله، وهذا واضحٌ من الأمثلة الواقعية، والتعامل معه مكشوفٌ وربما تلقائي. لكن الأخطر هو ما نتعلمه من الكتب بما أن قراءة الكتب من خياراتنا الحرة، ولكن هذا الخيار الحر يتحول إلى إدمان لهذه الخيارات التي ستصبغ ذهنياتنا ونتطبع بها. وهي غالباً تختلف عن أنظمة السلوك النمطية تلك التي نتواصى عليها وننتظم معها اجتماعياً. وكل كاتب عظيم هو أيضاً كائنٌ غريبٌ حسب المتواتر عن سير العظماء، ومن ثم فالقراءة للعظماء كما نسميهم ستغرينا بالتطبع بهم وبما أنهم مختلفون وغريبو الأطوار ومتمردون في الذوق فإن عدوى هذه السمات تنتقل لقرائهم فيتطبعون بها وإن بنسب متفاوتة.

وهنا يحدث تعارضٌ بين السلوك الاجتماعي العرفي والسلوك الثقافي؛ ذاك السلوك الذي هو حمى ثقافية تصيب كل مقترب منها، وتظهر هذه الحال في سلوك كبار الشعراء والفنانين (والشاعر الذي أدمن الشعر وتلبس بسياقاته وشفراته تظل نفسه مسكونةً بالشعر حتى وإن كتب نثراً أو رسالةً شخصية، أو تحدث في مكالمة هاتفية، حيث يتجاوز السياق الشعري سياجه ويتداخل مع سياقات السلوك فيغرس فيه شيئاً من شفرات المعنى الشعري - وهذا اقتباس من كتابي «الخطيئة والتكفير»).

وهذه مسألةٌ تسهل ملاحظتها عبر عيون عموم الناس ونظراتهم لمن يسمونه مثقفاً. ومن وصف المثقف يبدأ نوعٌ من التنميط الاجتماعي، ومنه يتنشأ سلوك من أبرز سماته إدمان الحالة الثقافية، ويكون عالم الكتب والأفكار هو المهيمن على ذهنيتك، ومن ثم فمقولة «من كان شيخُه كتابَه» تأتي من سياق الثقافة الفقهية، بما أن الجملة شاعت بين الفقهاء، والفقه كان يُؤخذ بالمباشرة في حلقات شيوخ العلم الشرعي، وثني الركب فيها هو علامة على النجابة ومنها تشكلت المذهبية الفقهية من حيث المسار مسار الشيخ المعلم. أما الركون لمرجعية الكتب فالإنسان فيها غالباً ما يكون شيخ نفسه لأنه في خيارٍ مطلقٍ يستطيع التمرد عليه دون جلبة، وهنا يقع التفاوت غير المحمود في السلوك العام اجتماعياً ومذهبياّ من حيث إن التحرر الذاتي يعزل الذات عن النسق المؤسسي وينظر إليه حينئذٍ على أنه تمردٌ على هرم المرجعية التي تحتفظ بحق الإباحة أو حق التحذير وتحدد الكتب الموصى بها أو المحذر منها.

ومختاراتنا الحرة من الكتب تقوم على منظومات متحركة تتعدد بدافع رغبات الهوى الذاتي، بما أن القراءة في جوهرها متعةٌ وتزجية وقت وخلوةٌ مع غائبين لا يملكون أي سلطة حسية علينا، بل نحن من نضعهم رهينةً لخياراتنا، وكلما تنوعت هذه الخيارات زاد عندنا الحس الناقد بأن نوازن ونفاضل، وهذا ستسقط حصانة المؤلف المفرد، وتتعدد مصادر الرؤى، وحتماً فهذا التنوع وتعدد الأصوات والأفكار سيضعنا على درجات من التساوي مع عقول كتابٍ من ديدنهم الاختلافات والمنطاحات في الرؤى لدرجة التعالي المتبادل.

وبسبب تعدد اختلافاتهم تتخلق عندنا الجرأة على الشيخ الأول الذي لن يظل أولاً للأبد. وسيحل القارئ محل الشيخ، وهذا تمرد على النظام الذهني للثقافة. فتتشكل تبعاً لذلك دوافع تغري القارئ الحر ليصبح شيخاً على شيوخه وسيستمتع برد فعله المبارز لهم وإن في غيابهم، وكأن ذلك إعلان بأنه خرج عن الطوق.

وسينبثق قارئ نوعي سيكون شيخ شيوخه، وهذه صفة عالية للقراء النوعيين حين تتعمق القراءة، وتصنع من التنوع الفكري مداخلَ نقديةً، وتحدث حينئذٍ القراءة الناقدة. وهذه القراءة الناقدة هي التي تصنع التحولات الكبرى في المعرفة، والبداية فيها تأتي من كشف ثغرات المقولات.

وكل ثغرة تتكشف تعني كشف نقص النظرية عن تفسير الظواهر وينفتح هنا باب لاجتراح مدخل آخر لفتح باب كان موصداً، وتنبثق الفرصة لنظرية تعطي تفسيراً مختلفاً يضيف لرصيد المعرفة البشرية، ويعطي رؤيةً لم تكن في البصيرة قبل كشف الثغرات، وتتخلق من ثم جدليات فلسفية أو مخترعات تطبيقية.

***

عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط الندنية، يوم: الثلاثاء - 02 ذو الحِجّة 1447 هـ - 19 مايو 2026 م