اذا كان ارسطو يدافع عن النظام ويخشى الفوضى، فان نيتشه يرحب بأي تمرد. دافع ارسطو عن حياة التوازن والفضيلة، معرّفا الخير كـ "وسط ذهبي" بين حدين.
الفلاسفة نادرا ما يلتقون على مر القرون. لكن أفكارهم أحيانا تتلاقى مع بعضها مثلما يتجادل الناس في نفس الغرفة، والمحادثة بين ارسطو وفردريك نيتشه سوف لن تكون هادئة ابدا. ارسطو اعتقد ان الناس يحتاجون الى اتّباع قوانين الطبيعة، يتصرفون بناءً على قدراتهم ، وان يكونوا فضلاء في نفس الوقت الذي هم فيه كجزء من المجتمع. من جهة أخرى، كانت لنيتشه جاذبية قوية جدا. ارسطو طور نظرية في التوازن، بينما نيتشه طور نظرية في اثارة الاضطراب .
عالم ارسطو: التوازن، الفضيلة، الاستقرار
طبقا لأفكار ارسطو، سيُعتبر نيتشه شخصا خطيرا، يحطم الأسس الأخلاقية للمجتمع وينصح الافراد بتجاهل القيم والقواعد المشتركة. لكن من وجهة نظر نيتشه، سُينظر الى ارسطو كشخص متردد وتقليدي، خبير بذل قصارى جهده للحفاظ على استقرار الأشياء. انه ليس فقط جدال فكري وانما أيضا تصادم بين رؤيتين حول كيف ينبغي ان يكون حال البشر.
ارسطو اعتقد ان الحياة الجيدة تعتمد على الفضيلة، وهو عرّف الفضيلة كشيء في الوسط. الشجاعة تقع بين التهوّر والجبن، والسخاء يقع بين الإسراف والبخل، الفضيلة دائما تجد ارضا وسطا أشار اليها بـ "golden mean" او المتوسط الذهبي. أيضا، هو اعتبر الانسان مخلوقا اجتماعيا وأعلن ان الناس يمكنهم النمو جيدا ضمن المجتمع المحيط بهم. اللوائح، نظام التعليم، ومجموعة القواعد والقيم المشتركة كلها تساهم في بناء سمات الشخصية. المجتمع القوي والمستقر ينطوي على روح إنسانية متوازنة.
الفيلسوف الكبير ارسطو ادّعى ان الفضيلة لم تُخلق من خلال خياراتنا الشخصية. الاخلاق لم تُخترع بواسطة الناس. انها تنمو من طبيعة الانسان والحياة الاجتماعية. العادات الجيدة يمكن تحقيقها فقط عبر فترة من الزمن، وهو ما يقود الى ذات مستقرة بالإضافة الى شخصية جيدة في المدى البعيد.
لو ان ارسطو قرأ بعض أعمال نيتشه، فهو سيقلق بشدة. نيتشه، وفق آرائه، لم يثن على أي شيء له علاقة بالاعتدال او التناغم بين افراد المجتمع، بدلا من ذلك، هو استجوب الاخلاق المرتكزة على عادات قديمة. هذا بدا مثيرا للغاية لقلق ارسطو. ان غياب الفضائل المقبولة عالميا في المجتمع ربما يقود لإنهياره. والسبب في هذا هو لأن ارسطو كان يحب النظام ويعتز به كثيرا.
موقف نيتشه الرافض: كسر أخلاق القطيع
يرى نيتشه، ان الاخلاق هي نتاج لضعف الانسان. هو جادل ان النظم الأخلاقية التقليدية صُممت لحماية الضعفاء بينما تعمل كقيد على الأقوياء . نيتشه استخدم مفردة معينة لدعم فكرته وهي "اخلاق القطيع". مجتمعنا يعلّمنا الاعتدال، التواضع،والطاعة. انت قد تقول ان ذلك شيء جيد، هم يقومون بذلك لأنها أشياء جيدة. لكن في الحقيقة، عندما يكون الناس معتدلين ومتواضعين، فمن السهل جدا السيطرة عليهم.
نيتشه أعجب باولئك الذين خلقوا قيمهم الخاصة بهم. هو أيضا تحدّث عنهم كـ سوبرمين . بالنسبة له، ذلك الشخص هو الذي يستطيع تشكيل المعنى بقوته الداخلية وابداعه. ارسطو، اعتبر هذه الفكرة خطيرة. هو اعتقد ان الفضائل لم تُخلق او تُخترع. انها توجد وتُكتشف. وان طبيعة الانسان والعقل هما المصدر الرئيسي لفضائلنا. لكن نيتشه اعتقد ان الناس يجب ان يذهبوا الى ما وراء القواعد الموروثة. هو أعلن ذات مرة اننا يجب ان نخلق فوضانا الداخلية لنعطي ولادة لنجومنا المتراقصة.
ارسطو سينظر الى هذه الفكرة كاتخاذ فعل غير مسيطر عليه. الكثير من الفوضى تؤدي الى اضطراب النظام. والادّعاء الذاتي المفرط ستكون له تأثيرات سلبية على المجتمع. لكن نيتشه سوف لن يعتذر عن هذا السلوك. هو اعتقد ان النمو يتطلب تحطيم كل القيود.
الفضيلة مقابل إرادة القوة
في قلب نقاشاتهما، هناك رؤيتان مختلفتان حول ما الذي يمنح الانسان الطاقة. ارسطو رأى الانسان يكافح ليزدهر بمساعدة الذكاء. جميعنا نكافح لنتقدم بوتيرة ثابتة. السعادة تتحقق من خلال الفضيلة. من جهة أخرى، اعقد نيتشه ان البشر اندفعوا بإرادة القوة. هذا دافع داخلي قوي جدا يدفعنا الى الامام لتحقيق النجاح، نكسر الحواجز، ونتغلب عليها. بالنسبة لارسطو، من المثالي للكائن البشري السيطرة على مشاعره باستعمال العقل. يرى نيتشه، انه يجب ان يكون ممكنا تحويل مشاعر المرء الى مظاهر إيجابية قوية له. تصوّر لو برز فنان شاب . ارسطو سيتحدث له حول الانضباط، التوازن، والتقدم التدريجي، الذي يتبع أنظمة مجتمعية. لكن نيتشه يشجعه لقبول مخاطرة كبيرة باتخاذ مواقف متمردة، وأيضا يعبر عن نفسه بعدم خوف وبدون أي قلق من التوقعات المجتمعية. وبسبب هذا، ارسطو ربما يرى نيتشه مشروعا محفوفا بالمخاطر. الفلسفة التي تقود الناس للتمرد ضد المعتقدات الجمعية قد تنتهي بتعريض النظام الاجتماعي للخطر. قد يجادل نيتشه ان المجتمع، في بعض الأحيان يتطلب بعض الاضطراب.
الجماعة مقابل الفرد الاستثنائي
أخلاق ارسطو اشتبكت بعمق مع السياسة. هو يرى ان المدينة تتأسس للناس لكي يستطيعوا قيادة حياة مزدهرة. التعليم والقانون يحددان الاتجاه نحو مواطنة فاضلة. حسب رؤيته، الحياة الجيدة لا يمكن ان تُقاد بالفرد وحده. انها تحتاج عناصر من الصداقة والتعاون والروح المشتركة بين أعضاء المجتمع. لكن نيتشه كان حذرا حول التركيز على المجتمع. هو اعتقد ان الافراد المتفردين والموهوبين عادة يختلفون عن المجتمع. الاذهان المبدعة والمخترعون والمثقفون ربما لديهم حاجة لعزل انفسهم عن بقية المجتمع. هو اعتز كثيرا بالشخصيات التي تجاوزت حدود الحياة الطبيعية في تغيير الثقافة التي حولهم.
بالنسبة لارسطو، هذه الفردية تثير قضايا سوسيولوجية تؤثر على وحدة المجتمع. اذا كان كل الافراد يحاولون تطوير قانونهم الأخلاقي الخاص بهم، ما الذي يشد المجتمع؟ بالعكس، نيتشه اعتقد انه اذا كان هناك الكثير من الوحدة عندئذ سنكون فقط افراد عاديين. المجتمعات التي تقيّم الراحة على حساب العظمة تكبح التميز. هنا، تصبح المعارضة واضحة. ارسطو يدعو للاستقرار. نيتشه يدافع عن التغيير. الأول يقيّم الاستمرارية، الآخر يعجب بالاختراقات.
لماذا سيشعر ارسطو بالقلق؟
ارسطو يقترح ان نيتشه ربما يرى ضعف الانسان أقل مما هو في الواقع. ليس كل شخص يمكنه خلق قيمة بشكل مسؤول. في غياب القيم المقبولة اجتماعيا على نطاق واسع، بعض الافراد يُحتمل ان يدافعوا عن انانيتهم وقسوتهم. التاريخ يبيّن لنا ان الأفكار المتطرفة يمكن استخدامها لأغراض خاطئة. ارسطو سيدّعي ان الاخلاق قُصد بها مساعدة الأغلبية في إحداث تقدّم مطرد وليس لمطالبتهم ليكونوا خالقين أبطال بأنفسهم .
هو يمكنه أيضا القول ان فلسفة نيتشه تؤدي الى رأي يتحول فيه الطموح الى غطرسة وحيث تؤدي القوة الى هيمنة. بالنسبة لارسطو، الاعتدال أساسي في بناء الفضائل. حتى الشجاعة يجب التحكم فيها. الافراط في الشجاعة يتحول الى نزوة. غير ان نيتشه كان أكثر جرأة. الخطر كان جزءا من رؤيته للنمو. هو اعتقد ان الراحة تنتج الجمود. ارسطو سيسأل، "على حساب من؟" جواب نيتشه سيكون، بدون أخذ المخاطر سوف لن تكون هناك اية بطولة.
لماذا لا يهتم نيتشه
اذا كان ارسطو يقول ان نيتشه يشكل خطرا، فان الأخير ربما فقط يبتسم. هدف الفيلسوف ليس لكي يعطي المجتمع كلمة ناعمة، وانما هو يسعى لتغييره. هو يرى ان معظم قواعد الاخلاق تخنق طاقة الانسان. أتباع نيتشه لم يكن من الضروري ان يكون عددهم كبيرا طالما ان فلسفته كانت موجهة للافراد الذي شُجعوا بما يكفي لمسائلة عقائدهم ومعرفتهم. يمكن أيضا الجدال ان تأكيد ارسطو للحفاظ على التوازن يحمي الإنسانية، لكن من تطور استثنائي. كانت رؤية نيتشه، رغم ان هناك خطر يرافق هذا الاتجاه، لكن فرصة الكائن البشري في تحقيق أشياء عظيمة تستحق تلك المخاطرة. في وقت ما، أعلن نيتشه ان المرء يجب ان يكون مستعدا ليُساء فهمه من الاخرين. وصفه كخطير لا يمكن ان يزعجه لأنه شعر ان هذا دليلا على قوة أفكاره.
ارسطو ونيتشه: ماذا نتعلم من هذا التصادم؟
ان التوتر بين ارسطو ونيتشه لايزال حيا. هل يجب ان نقيّم الاستقرار ام الاضطراب؟ الاخلاق المشتركة او الاخلاق الشخصية؟ التوازن ام التشدد؟ ارسطو يدعونا للعودة الى أهمية المجتمع. الشخصية تُبنى تدريجيا بمرور الزمن. الفضائل المشتركة تحافظ على تماسك المجتمع. من جهة أخرى، نيتشه يخبرنا ان القواعد في الغالب هي أغلال. النمو يتطلب الخروج عن النماذج القائمة. ربما كلا الفيلسوفين صحيحان في جدالهما ولكن بوسائل مختلفة للجدال. الافراط في النظام يقود الى جمود، بينما الكثير من المعارضة يؤدي الى الفوضى. اكبر سؤال هنا هو ليس حول منْ الرابح في النقاش وانما حول كيف ندمج هذه القوى المتضادة في أنفسنا. ارسطو يقترح تنمية الفضائل الثابتة والمستقرة. نيتشه ينصحنا بحشد الشجاعة لنصبح شيئا جديدا تماما. احدهما ينظر للانسجام بينما الاخر يبحث عن التغيير والتحول. وبين هاتين الرؤيتين، يجد الانسان المعاصر نفسه في صراع مع أفكار من كلا الطرفين.
***
حاتم حميد محسن







