بنية الاستثناء وتعرية الزيف الكولونيالي (غرور نقطة الصفر)
إعادة تعريف الشر سياسياً: الكذب كبنية مؤسساتية
تتداخل مفاهيم السيادة، والاستثناء، والعنف البنيوي في فضاء الفلسفة السياسية المعاصرة ونظريات ما بعد الاستعمار، لتكشف عن الآليات المعقدة التي يتسلل بها الشر إلى صلب أنظمة الحكم الحديثة عبر بوابة الكذب الممنهج. لم يعد الشر، في المنظور الفلسفي النقدي، مجرد خطيئة أخلاقية فردية أو انحراف نفسي عابر، بل غدا يُفهم بوصفه بنية استثنائية راسخة، تتغلغل في مفاصل السلطة وتُشرعن وجودها عبر الكذب المؤسساتي والتزييف القانوني. إن هذا التسلل البنيوي ليس سقطة عفوية، بل هو خيار عقلاني أداتي تفرضه متطلبات التكيف السياسي، وتمليه حاجة الأنظمة الحاكمة إلى البقاء عبر صناعة "حقيقة زائفة" تتوافق مع فضاء عالمي شديد التعقيد. يمتد هذا التأسيس ليعيد إنتاج ذاته في فضاء ما وراء الطبيعة، متحالفاً مع آليات الاستعمارية الجديدة التي تعيد صياغة الهويات، وتكريس التراتبيات العرقية، وصياغة أنماط إنتاج المعرفة؛ ليجعل من الكذب السيادي أداة لخدمة مراكز الهيمنة العالمية وتبرير سحق الآخر تحت غطاء الكونية المصنوعة.
بنية الاستثناء وزحزحة السيادة: من الضرورة إلى التسييل
تمثل أطروحة الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين حول "حالة الاستثناء" مدخلاً معرفياً رئيساً لفهم كيفية تحول التدابير غير القانونية الكاذبة إلى بنية نظامية دائمة؛ ففي اللحظات التي تستشعر فيها السلطة السيادية تهديداً حقيقياً أو متخيلاً لبقائها، تعمد إلى تعليق العمل بالقوانين الدستورية تحت ذريعة كاذبة هي "حالة الضرورة". هذا التعليق لا يهدف إلى إلغاء القانون كلياً، بل إلى خلق منطقة رمزية غامضة والتباس مقصود تذوب فيه الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، وبين ما هو قانوني وما هو مستباح. وهنا يتحول الكذب السيادي من مجرد إجراء مؤقت أملته الظروف، إلى تقنية حكم دائمة، وأساس خفي تستند إليه السلطة الحديثة، ديمقراطية كانت أم استبدادية. ومن خلال هذا التعليق المستمر للقاعدة القانونية، يتم إدراج حياة الأفراد الحيوية البحتة داخل الفضاء السياسي بوصفها جسداً مستباحاً يمكن إقصاؤه أو إنهاء وجوده دون اقتراف جريمة قانونية محددة، وتحت غطاء كثيف من الصمت والتبرير الزائف.
غير أن هذه القراءة التقليدية للسيادة تواجه زحزحة معرفية كبرى في السياق العالمي المعاصر؛ إذ يقدم عالم الاجتماع زيغمونت باومان نقداً حاداً لأطروحة أغامبين، كاشفاً عن قصورها في إدراك تحولات السيادة تحت وطأة العولمة. يرى باومان أن الفضاء المعولم شهد انفكاك الارتباط الوثيق بين السيادة التقليدية المقترنة بالدولة والحدود الإقليمية، وبين القدرة الفعلية على إنفاذ السيطرة. لم تعد السيادة حبيسة الحدود الوطنية، بل تمددت وتدفقت في شبكات مالية وسياسية عابرة للقارات، مما جعل آليات الاستثناء والكذب الحمائية تكتسب مرونة فائقة و"تسييلاً" يتيح لها إعادة إنتاج أدوات الإبادة والتذويب البشري بشكل دائم ومتحرك خارج الرقابة. ونتيجة لذلك، أصبحت الأنظمة الحديثة تمارس استثناءها وعنفها متخفية وراء شركات عابرة للحدود أو اتفاقيات أمنية دولية تشرعن العنف وتجرد الإنسان المحيطي من حقوقه الأساسية باسم أكاذيب "التنمية" و"الاستقرار المشترك".
النيوليبرالية والسيادة الشعبوية: قناع الديمقراطية الإجرائية
لا تقتصر بنيوية الشر الاستثنائي على الأنظمة الشمولية الكلاسيكية، بل تتعداها وتتجلى بوضوح في النظم الديمقراطية المعاصرة عبر تحالف الرأسمالية الشرسة أو "النيوليبرالية" مع الحركات الشعبوية الصاعدة، حيث يبلغ الكذب السيادي ذروته البلاغية. توظف هذه الأنظمة التبرير العقلاني الزائف للسوق لإعادة صياغة الإنسان بوصفه مجرد مورد قابل للاستهلاك والاستبدال، حيث يجري إقصاء الفئات الهشة وتهميشها تحت لوائح الكفاءة الاقتصادية الكاذبة. إن السيادة الشعبوية المعاصرة تتغذى على صناعة الخوف، وتخليق عدو وهمي داخلي أو خارجي لشرعنة حالة استثناء جديدة تتيح اختراق الحقوق الدستورية باسم حماية الأمن القومي ومصالح الهوية النخبوية.
من هنا، يصبح الشر الاستثنائي ممارسة ناعمة ومقننة بفضل ترسانة من الأكاذيب السياسية التي تمرر عبر صناديق الاقتراع والقوانين الاقتصادية الجائرة، لتنتج نظاماً يستبعد الأغلبية لحساب قوى السوق المعولمة، محولاً الديمقراطية الإجرائية إلى غطاء يستر آليات الإقصاء الصامت والتفقير الممنهج لشرائح بشرية كاملة تركت لمواجهة الفناء البطيء وسحق الوجود الإنساني.
استعمار الوعي وغرور نقطة الصفر
إن شرعنة البنية الاستثنائية للشر وتبريرها مؤسساتياً يستلزمان بالضرورة إعادة إنتاج أكاذيب كبرى في فضاء ما وراء الطبيعة، تتواطأ مع الاستعمارية الجديدة لتشكيل وعي الذوات المستعمرة وإخضاعها. تبرز هنا أطروحة "كولونيالية السلطة" التي صاغها المفكر أنيبال كيخانو، لتوضح أن زوال الاستعمار العسكري والإداري المباشر لا يعني بحال من الأحوال زوال آليات الهيمنة المتجذرة؛ إذ تظل الكولونيالية حية وفاعلة في معايير الأداء الأكاديمي، والأنماط الثقافية السائدة، والصورة الذاتية المهزومة للشعوب بفضل رواية استعمارية كاذبة تدعي التفوق التاريخي الأصيل. يعتمد هذا المخطط على "العرق" بوصفه اختراعاً كولونيالياً زائفاً لتصنيف البشر وترتيبهم وجودياً، مما يمنح المركزية الأوروبية حق السيطرة المطلقة على المعرفة وإنتاج المعنى وتعميمه كحقيقة كونية وحيدة.
لا يقتصر عمل هذه السلطة على ادوات القمع العنيفة، بل يمتد بذكاء إلى توظيف الإغراء الثقافي؛ حيث تغدو الثقافة الغربية نموذجاً براقاً يفتح الطريق نحو القوة والمكانة، مما يدفع النخب المستعَمرة إلى الاندماج طوعاً في هذا النظام، وتجريد معارفهم المحلية وتاريخهم الوطني من أي شرعية علمية أو فلسفية. يتكامل هذا التحليل مع نقد سانتياغو كاسترو غوميز لما يسميه "غرور نقطة الصفر" في كولونيالية المعرفة؛ إذ يدعي هذا المنظور المعرفي الغربي كذباً القدرة على رسم خريطة العالم وثقافاته من موقع محايد، متعال، ومنفصل عن أي سياق جسدي أو جغرافي. هذا الزيف الأبيستيمولوجي يؤدي إلى تكريس عنصرية معرفية تفترض أن العالم الأول وحده هو من يمتلك العلم والنظرية، بينما يقتصر نصيب العالم الثالث على الثقافة الشعبية والحكمة المحلية الشفوية.
تتوج هذه التراتبية الوجودية بنظرية نيلسون مالدونادو-توريس حول "كولونيالية الوجود". فبينما يركز التحليل الوجودي الغربي مع مارتن هايدغر على الاختلاف بين الوجود والموجود، يقدم مالدونادو-توريس، بالاستناد إلى أفكار فرانتز فانون، زوايا أعمق عبر مفهومي "الفارق دون الوجودي" و"الفارق الفوق وجودي" لتفسير كيفية إخراج الإنسان المستعمر من دائرة الوجود الإنساني الكامل وتصنيفه ككائن دون-بشري عبر تزييف حقيقته الإنسانية، مما يبرر ممارسة أقصى درجات العنف المادي والرمزي ضده دون شعور بالذنب الكوني.
تشمل كولونيالية الوجود تدميراً منهجيّاً عبر الحروب والاستراتيجيات الاستعمارية؛ إذ يتم استخدام العنف الجسدي كأداة لكسر إرادة الجماعة وتدنيس حرماتها الوجودية، بينما يتعرض الإنسان في المجتمعات المستعَمرة لتشييء بنيوي مستمر يحرمه من أي فاعلية سياسية أو سيادة حقيقية، تاركاً إياه في حالة هشاشة وجودية دائمة. ومن رحم هذه الكارثة الوجودية المطلقة تنبثق "الصرخة"، وهي تعبير ما قبل نظري يجسد السؤال الجوهري الحارق الذي يعري كذب المنظومة الاستعمارية وسخف ادعاءاتها الإنسانية:
«لماذا نستمر في العيش؟»، وهو السؤال الذي يحرك مسارات التفكير النقدي المستقل والعصيان المعرفي الجذري لتحرير الوجود والوعي من ربقة الاستعمارية الجديدة وزيفها المقنع.
نحو أفق بديل: العصيان المعرفي وتفكيك الأكاذيب البنيوية
إن تفكيك بنيوية الشر الاستثنائي يكشف في محطته الأخيرة عن حقيقة صارخة:
إن الجور الذي يقع على مجتمعات الجنوب ليس عطلاً تقنياً عابراً في ماكينة الحداثة، بل هو جوهر تصميمها المرتكز بنيوياً على الكذب السيادي والتزييف المعرفي. إننا نقف هنا أمام وثيقة إدانة فلسفية وتاريخية كبرى للتحالف الاستعماري الجديد؛ هذا الحلف غير المقدس الذي وظف الفلسفة المتعالية ونظرية المعرفة الإقصائية ليجعل من إبادة وعي الشعوب، واستباحة أجسادها، خياراً تمرره الأنظمة الحاكمة تحت مسميات كاذبة كالعقلانية الإدارية والتكيف مع السوق المعولم.
لقد نجح هذا التحالف في صياغة ترسانة قانونية ومفهومية أفرغت العدالة من محتواها الأخلاقي والعدلي، لتنتج إنساناً مسلوب السيادة، ومواطناً عارياً مستقراً في قاع تراتبية عرقية واقتصادية وهمية شيدها "غرور نقطة الصفر" الغربي المعزز بكولونيالية الوجود الشرسة. إن التحرر الحقيقي يستوجب إعلان عصيان معرفي جذري كوني ينطلق من صرخة المضطهدين الوجودية؛ لا ليطالب بمقعد أو اعتراف داخل النظام الاستعماري الكاذب القائم، بل ليهدم جدرانه المعرفية وأكاذيبه البنيوية بالكامل، مستنداً إلى استرداد قداسة الحياة والجسد البشري، وبناء فضاء إنساني وجماعة سياسية بديلة، عادلة، وغير إمبريالية، متحررة من إرث الإمبراطوريات المادي والرمزي على حد سواء.
***
غالب المسعودي







