عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: التحولات المفهومية للضرورة

من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال في الفلسفة المعاصرة

ليس من باب المصادفة أن يكون مفهوم الضرورة أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للجدل وأعظمها حضوراً في تاريخ العقل البشري، ذلك أنه يمثل ذلك الخط الفاصل بين يقيننا بأن للوجود نظاماً يدركه الفكر وبين هاجسنا المقلق بأن العالم قد يكون مجرد فوضى عمياء لا تخضع لأي حكمة متعالية. ولعل السؤال عن الضرورة هو السؤال الأول الذي طرحه الإنسان على نفسه حينما تأمل في السماء والأرض وحاول أن يجد للحركات التي تراها عيناه تعاقباً منتظماً وللأحداث التي يعيشها نظاماً لا يتبدل، وكأنما كانت الحاجة إلى الضرورة حاجة وجودية قبل أن تكون معرفية، حاجة إلى طمأنينة تغمر الروح بأن هذا الكون ليس ساحة عبثية بل كتاباً مسطوراً بحروف لا تخطئ وقوانين لا تتغير. غير أن هذه الرحلة الفلسفية الطويلة التي استغرقت قروناً من التفكير والمراجعة والنقد لم تكن لتستقر على حال بل كانت وكما هي طبيعة كل ما هو إنساني عرضة للاهتزاز والتغيير وإعادة التشكيل وخصوصاً حينما التقت الفلسفة بالعلم في لحظة تاريخية حاسمة، حينها لم يعد من الممكن التمسك بتلك الصورة الكلاسيكية للضرورة، تلك الصورة التي جعلت من الكون آلة دقيقة ومن الحتمية مبدأً لا يقبل النقاش بل كان لابد من فتح الباب على مصراعيه لرؤية جديدة، أكثر تواضعاً لكنها أيضاً أكثر إثارة للدهشة والإرباك.

ومن هنا ينبثق هذا المقال الذي نحن بصدده ليكون تأملاً عميقاً في رحلة مفهوم الضرورة منذ نشأته الأولى في الفكر الفلسفي اليوناني حين جعلها أرسطو أساساً للعلل الأربع التي يفسر بها الوجود مروراً بذروتها في فلسفة العصر الحديث مع نيوتن ولابلاس حيث تحولت إلى يقين رياضي مطلق وصولاً إلى اللحظة الدراماتيكية التي شكلت قطيعة معرفية لا رجعة فيها، حين كشفت فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة، حيث أن الاحتمال ليس مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود بل هو جوهر الوجود ذاته وطابع أصيل لا يمكن تجاوزه. لكن هذه الرحلة ليست مجرد سرد تاريخي لتطور فكرة بل هي محاولة للإمساك بالتحولات المفهومية في جوهرها الفلسفي أي في تأثيراتها العميقة على فهمنا للحرية والأخلاق والمعرفة والسياسة وعلى تصورنا للإنسان نفسه في هذا الكون الذي لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه مطالب بأن يصنع معناه بنفسه. إن هذا المقال إذن ليس مجرد عرض فلسفي جاف، بل هو استدعاء لتلك اللحظات التاريخية التي هزت كيان الفكر الغربي وحاولت في كل مرة أن تعيد تعريف العلاقة بين العقل والواقع وبين الإنسان والعالم وبين الحتمية والصدفة، محاولاً أن يضع يده على النبض الحقيقي للفلسفة المعاصرة، ذلك النبض الذي لا يزال يبحث في خضم كل هذه التحولات عن إجابة للسؤال الأبدي: هل نحن في نهاية المطاف محكومون بقوانين لا نستطيع تغييرها أم أننا أحرار في كون لا يحكمه إلا احتمال أن نكون يوماً ما أكثر مما نحن عليه الآن؟

وليس ثمة من مفهوم في تاريخ الفكر الإنساني تبلور بهذه الدرجة من القوة والصلابة ثم تفككت نسيجه وتشظت أجزاؤه وأعيد بناؤه من جديد مثلما حدث مع مفهوم الضرورة. هذا المفهوم الذي كان بمثابة العمود الفقري للفلسفة الكلاسيكية والركيزة التي لا غنى عنها لأي بناء معرفي يزعم تقديم تفسير متماسك للوجود. فالضرورة بوصفها تلك الصلة المحكمة التي لا تقبل الانفصام بين الأسباب والنتائج والتي تجعل من الحاضر وليداً حتمياً للماضي ومن المستقبل أثراً محتماً للحاضر، كانت أشبه بالضمانة الأنطولوجية التي تحول دون انزلاق العالم إلى فوضى العبث واللا معنى. لقد تشبث بها الفلاسفة والعلماء على السواء ورأوا فيها الدليل الأسمى على قدرة العقل البشري على اختراق حجب الظواهر والوصول إلى النظام الخفي الذي يضبط إيقاع الكون، ذلك النظام الذي تغدو معه كل حادثة مهما بدت تافهة أو عابرة جزءاً لا يتجزأ من كل كوني شامل، وكأنما الوجود برمته سردية روائية واحدة لا يحتمل ثغرة أو فراغاً بل يسير وفق منطق صارم لا يترك مجالاً للصدفة أو العبث.

كان هذا التصور عن الوجود قائماً على إيمان راسخ بأن الطبيعة في أعماقها تخضع لقوانين صارمة يمكن للعقل البشري عبر الجهد المعرفي المتراكم أن يتبينها ويصوغها في معادلات وقوانين تتيح له التنبؤ بسيرورة الأحداث بدقة متناهية. وقد وجد هذا الإيمان تعبيره الأسمى في فيزياء نيوتن، ذلك البناء الهندسي الرائع الذي جعل من الكون آلة دقيقة متناهية الإحكام، قابلة للفهم والتحليل بل والتنبؤ بحركاتها قبل وقوعها. فالقوانين النيوتنية بتجريدها الرياضي البديع لم تكن مجرد أدوات وصفية بل كانت تعبيراً عن يقين ميتافيزيقي عميق بأن الضرورة هي النسيج الحقيقي للوجود. لقد رأى نيوتن في القوانين التي صاغها تجسيداً لحكمة الخالق ونظاماً أزلياً لا يتغير يجعل من الكون كتاباً مفتوحاً، كل لغز فيه قابل للحل وكل حدث قابل للتفسير في ضوء أسبابه السابقة. وتحولت الحتمية من مجرد منهج علمي إلى عقيدة فلسفية تسللت إلى كل مجالات المعرفة ورسمت صورة للإنسان والكون والعلم، صورة لا تشوبها شائبة وصار العلم في جوهره بحثاً دائماً عن الضرورة وتلمساً لخيوطها في كل مكان.

وإذا كان نيوتن قد وضع الأسس المادية لهذه الرؤية فإن بيير لابلاس، ذلك الفيلسوف الرياضي الذي كان عقلية القرن الثامن عشر بامتياز قد منحها تجسيدها الميتافيزيقي الأكثر بلاغة وأبعدها أثراً. تمثل رؤية لابلاس الكونية القمة التي بلغتها الحتمية الكلاسيكية، ذلك الموقف الذي يمكننا تسميته بـ"اليقين المطلق". ففي كتابه "العرض الفلسفي لنظرية الاحتمالات"، أطلق لابلاس فكرته الشهيرة عن عقل محتمل، هو "شيطان لابلاس"، الذي لو استطاع أن يعرف في لحظة ما مواقع وسرعات كل جسيم في الكون، لأمكنه بفضل القوانين الكلية للحركة أن يحوي في معادلاته ماضي الكون ومستقبله دفعة واحدة، فلا يغيب عن بصره شيء وتصبح كل الحوادث الماضية والمستقبلية بين يديه كأنها ماثلة أمامه. هذه الصورة البلاغية القوية لم تكن مجرد خيال علمي بل كانت التعبير الفلسفي الأكثر دقة عن روح عصر كامل، عصر رأى في العقل البشري القدرة على بلوغ اليقين التام وفي الكون نظاماً صارماً يمكن اختزاله إلى معادلات تفاضلية. لقد عبر لابلاس عن إيمانه بأن الكون يعمل كآلة ساعة دقيقة وأن دور العلم هو اكتشاف تروس هذه الآلة وعجلاتها وبمجرد أن يكتمل هذا الاكتشاف يصبح المستقبل محسوباً والماضي مفهوماً والحاضر برهاناً قاطعاً على امتداد لا يتجزأ من سلسلة الأسباب والمسببات. كان الوجود في نظر لابلاس ومن لف لفه أشبه بلعبة الشطرنج التي لا يمكن أن يشذ نقل منها عن النقل الذي يسبقه ولا يمكن أن يكون لأي وضع من أوضاعها إلا معنى واحد في سياق الوضع العام. وتحولت الصدفة إلى مجرد اسم للجهل البشري وكل ما نظنه عشوائياً ليس إلا نتيجة لقصور إدراكنا عن إحاطة بجميع العوامل المؤثرة في موقف ما. وبهذا طُرد الاحتمال من ساحة الوجود وأصبح مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود للتغلب على نقص معلوماته ولم يعد له أي وجود موضوعي في نسيج الواقع نفسه.

غير أن هذه الصورة الكلاسيكية للعالم على ما فيها من قوة وتماسك لم تلبث أن بدأتها الشقوق تتسلل إليها من حيث لا يحتسب منظروها. لقد كان التحول الأكثر دراماتيكية والأعظم تأثيراً في مسيرة الفكر الفلسفي والعلمي معاً هو ذاك التحول الذي جاءت به فيزياء الكم، مقلبة تلك الصورة رأساً على عقب ومفككة كل تلك اليقينيات ومعلنة عن ميلاد مفهوم جديد للوجود قائم على الاحتمال واللاحتمية. هذا التحول الذي هز أركان الفلسفة والعلم وفتح باباً من الأسئلة الوجودية والمعرفية لم يكن مجرد تحديث لبعض النظريات العلمية بل كان قطيعة ابستمولوجية حادة كما وصفها غاستون باشلار مع كل التصورات الكلاسيكية للسببية والحتمية. لقد كشفت تجارب فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة الذي صاغه فيرنر هايزنبرغ عن حدود معرفية جوهرية لا يمكن تجاوزها، ليس بسبب قصور في أدواتنا بل بسبب طبيعة الواقع ذاته على المستوى الذري. فقد أثبت هايزنبرغ أن هناك علاقة عكسية بين دقة قياس موقع الجسيم ودقة قياس زخمه بحيث أن أي محاولة لقياس أحدهما بدقة متناهية تؤدي حتماً إلى زيادة عدم التيقن في قياس الآخر. وليس هذا مجرد عيب تقني يمكن تداركه بتطوير أدوات القياس بل هو خاصية أصيلة للواقع الكوانتي وكأنما الوجود في أعماقه يتحاشى أن يكشف عن كل أسراره دفعة واحدة ويظل محتفظاً بدرجة من الغموض وكأنما في طبيعة الأشياء كما عبر نيلز بور حداً للتمثل أو حاجزاً لا يمكن اختراقه نحو حقيقة مطلقة.

وقد وجد العلماء والفلاسفة أنفسهم أمام واقع جديد، واقع لا يخضع لقوانين السببية الصارمة التي سادت في الفيزياء الكلاسيكية بل لقوانين احتمالية حيث لا يمكننا التنبؤ بموقع الإلكترون أو سرعته بل فقط بحساب احتمالية وجوده في مكان معين. هذه الثورة في الفهم لم تقتصر على فيزياء الجسيمات بل امتدت لتشمل كل النظريات العلمية التي تتعامل مع أنظمة معقدة مثل علم الأحياء وعلم المناخ والاقتصاد حيث يصبح التنبؤ الدقيق مستحيلاً ويعوض عنه الحديث عن الأنماط والاحتمالات. وهنا يتجلى جليا عمق التحول المفهومي الذي أصاب فكرة "الضرورة"، لقد أصبحت هذه الأخيرة مجرد حالة خاصة، تقريبية، من حالات الكون، تنطبق على الظواهر الكبرى التي نتعامل معها في حياتنا اليومية وعلى المستوى الماكروسكوبي حيث يمكننا إهمال التأثيرات الكمية، أما على المستوى الأساسي، المستوى الذري فإن الضرورة تحل محلها "الإمكانية" بوصفها طابعاً أصيلاً للوجود وليس مجرد وصفة مؤقتة لجهلنا.

إن اللافت في هذا التحول أنه لم يلغِ الحتمية تماماً ولم يرفض فكرة النظام ولكنه أعاد تعريفها بصورة أكثر تواضعاً ومرونة. ففي الفلسفة المعاصرة وخاصة في المدرسة الوضعية المنطقية لم تعد الحتمية تُفهم بوصفها مبدأ ميتافيزيقياً مطلقاً ينبثق من طبيعة العقل أو من طبيعة الوجود بل أصبحت أداة منهجية أو مبدأ تنظيمياً للبحث العلمي يُفترض لتحقيق التقدم لكنه لا يفرض نفسه فرضاً على الواقع. وهذا يعني أن فيلسوف العلم المعاصر لم يعد يبحث عن "ضرورة" مطلقة في الأحداث بل عن "قانون" يصف بانتظام الظواهر في ظل شروط معينة بدرجة معقولة من التقريب. وهذا ما جعل ألبرت أينشتاين ذلك الفيزيائي العظيم في موقف نقدي حاد من هذه النزعة الاحتمالية معبراً عن إيمانه الراسخ بأن "الله لا يلعب النرد"، معبراً عن رفضه لتحويل اليقين العلمي إلى مجرد لعبة احتمالات ومصرا على ضرورة وجود نظام أعمق وإن كانت المعرفة البشرية غير قادرة على بلوغه. كان أينشتاين يحن إلى الحتمية الكلاسيكية ويرى في ميكانيكا الكم مجرد نظرية ناقصة تعكس قصوراً في الفهم وليست وصفاً نهائياً للواقع. لكن تطور التجارب العلمي وبخاصة في مجال المعلومات الكمية، كان يثبت يوماً بعد يوم أن الاحتمال ليس نقصاً معرفياً قابلاً للتعويض بل هو سمة بنيوية للكون مما جعل موقف أينشتاين يبدو في نظر كثيرين وكأنه دفاع عن صورة قديمة للعالم ضد ثورة لا يمكن وقفها.

غير أن هذا التحول لا يعني بأي حال من الأحوال أن مفهوم الضرورة قد انتهى تماماً وأن الفلسفة المعاصرة تخلت عنه نهائياً. بل على العكس فقد تمت إعادة صياغته وتأطيره في سياقات جديدة. ففي نظرية المعرفة مثلاً، ظل مفهوم الضرورة أساسياً في التفكير المنطقي والرياضي حيث يظل الاستدلال القائم على علاقات التضمن والاستلزام يحتفظ بقوته ولا يزال المنطق الصوري كما ورثناه من أرسطو يعتمد على فكرة أن بعض النتائج تتبع بعض المقدمات بالضرورة وهذا النوع من الضرورة لم يتزعزع بتاتاً بفعل ثورة الكم. ففي الرياضيات تظل الحقائق ضرورية بمعنى أنه من المستحيل أن تكون القضية الرياضية الصحيحة خاطئة وهذه الضرورة مستقلة عن أي نوع من الحتمية المادية أو الفيزيائية، إنها ضرورة منطقية أو ما يمكن تسميته بـ"الضرورة الشكلية"، وهي التي تبقي على تماسك النظام المعرفي. ونرى هنا أن الضرورة لم تغب بل انتقلت من مستوى الوجود (الأنطولوجيا) إلى مستوى المنطق والمعرفة (الابستمولوجيا) أو بتعبير أدق أصبحت هناك ضرورتان: ضرورة معرفية وضرورة فيزيائية، الأولى شكلية وتحليلية والثانية تركيبية واحتمالية. وهذه الثنائية في مفهوم الضرورة تعكس الثنائية نفسها في فهمنا للكون بين ما هو قابل للرياضيات الصرفة وما هو قابل للتجريب المفتوح على الاحتمال.

ونجد أنفسنا أمام إرث فلسفي ثقيل، تركته لنا الفلسفة الكلاسيكية متمثلاً في فكرة الضرورة بوصفها نظاماً حتمياً للعالم وإرث آخر حداثي تجسده فلسفة العلم المعاصرة التي ترى الضرورة مجرد أداة واليقين مجرد إمكانية نسبية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه هو كيف أثر هذا التحول المفهومي في تصورنا للإنسان نفسه وفي مفهوم الحرية والمسؤولية والأخلاق؟ إذا كان الكون في أعماقه لا يخضع لقوانين حتمية فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح أكثر حرية؟ أم أن هذه الحرية هي مجرد وهم آخر يختبئ وراء جهلنا بقوانين أكثر تعقيداً؟ هنا يلتقي الفيزيائي بالفيلسوف الأخلاقي ليبحثا معاً في تداعيات هذه الثورة المفهومية، ليس على طبيعة الوجود فحسب بل على طبيعة الإنسان نفسه ومصيره وقيمته في هذا الكون الاحتمالي.

وإذا كان التحول المفهومي في صلب الضرورة قد هزّ أركان الفيزياء والأنطولوجيا فإن ارتداداته كانت أشدّ عنفاً حينما بلغت مجال الفكر الأخلاقي والسياسي، ذلك المجال الذي تظل فيه مسألة الإنسان هي القضية الأولى والأخيرة. فالحتمية الكلاسيكية في صورتها القصوى لم تكن مجرد نظرية في طبيعة الأشياء بل كانت مشروعاً أنثروبولوجياً بامتياز رسمت للإنسان صورة محددة، هو جزء من آلة كونية خاضع لقوانينها كما تخضع لها الحجارة والكواكب وليس له من إرادة ذاتية إلا بمقدار ما تسمح به تلك القوانين. غير أن هذا التصور على قسوته كان يمنح الإنسان شيئاً من الطمأنينة إذ كان يجعله رغم صغره جزءاً من كل متناسق ويمنح أفعاله معنى ضمن سياق كلي ويجعل من مصيره مسألة يمكن نظرياً على الأقل التنبؤ بها وفهمها. لكن ثورة الاحتمال حين أزاحت الحتمية من عرشها لم تترك الإنسان في فراغ ميتافيزيقي بل وضعته أمام تحد جديد وأكثر إرباكاً: إذا كان الكون لا يضمن نظاماً ضرورياً وإذا كان الاحتمال هو الطبقة الأساسية للوجود فكيف يمكن للإنسان أن يبني أخلاقاً أو يمارس حرية أو يتحمل مسؤولية أفعاله في عالم يحتمل كل شيء ولا يضمن شيئاً؟

لقد أدرك الفلاسفة منذ اللحظة الأولى التي تسربت فيها أخبار فيزياء الكم إلى حيز الفلسفة أن المسألة ليست مجرد تعديل في بعض المعادلات العلمية بل هي قلبٌ للعلاقة بين الإنسان والعالم. فكانت الوجودية في صيغتها السارترية خير تعبير فلسفي عن هذه اللحظة التاريخية. لقد انطلق سارتر من أرضية أخلاقية جديدة هي أرضية لا مركزية للإنسان في الكون ولا حتمية ترسم مساره مسبقاً بل هو مشروع مفتوح يتشكل من خلال اختياراته وحين قال "الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا"، كان يضع يده على مفارقة هذا الوجود الاحتمالي: الحرية ليست نعمة بل هي حمل ثقيل يقع على كاهل الإنسان في غياب أي ضمانات كونية أو إلهية، في عالم لا يقدم له جدول أعمال ولا خريطة طريق. هذه الحرية التي يفاخر بها الفكر الحديث هي في الحقيقة وجه آخر للقلق الذي يثيره الاحتمال، إنها القدرة على الفعل في سياق لا ضمان فيه للنتائج وهذا هو عين ما طرحته فيزياء الكم على مستوى الجسيمات، إمكانية الفعل الحر في عالم غير حتمي. غير أن سارتر لم يكن وحيداً في هذا المضمار فقد سبقه فريدريك نيتشه الفيلسوف المتمرد الذي كسر صنم الحقيقة والسببية الكلاسيكية وجعل من الإرادة والقوة مبدأين أساسيين للوجود. ففي فلسفة نيتشه نجد رفضاً صريحاً لأي حتمية مطلقة سواء كانت مادية أو إلهية ونزعة إلى الاحتفال بالصدفة وبالقوة الخلاقة التي تصنع المعنى من العبث. بالنسبة لنيتشه، العالم ليس نظاماً ضرورياً بل فوضى خصبة تنتظر من يمنحها شكلاً والإنسان ليس عبداً لقوانين بل فناناً ومشرعاً للقيم وهذا بالضبط هو ما يجعل الفعل الإنساني حاسماً في عالم لا تحكمه ضرورة بل إمكانية وتجدد دائم.

غير أن هذه الرؤية الوجودية رغم جاذبيتها الهائلة لم تخل من إشكالات عميقة، إذ إذا كانت الحرية مطلقة إلى هذا الحد وإذا كان لا وجود لأي ضرورة أخلاقية موضوعية فقد يتحول العالم إلى ساحة عبث وفوضى أخلاقية لا تحكمها إلا رغبات الأفراد ونزواتهم. هنا تظهر أهمية العودة إلى نوع من الضرورة، ليست ميتافيزيقية هذه المرة بل أخلاقية عملية، ضرورة تنبثق من طبيعة الوجود الإنساني نفسه ومن اشتراطات العيش المشترك. إيمانويل كانط الذي كان سباقاً في نقد الحتمية الميتافيزيقية حين فصل بين عالم الظواهر الذي يخضع للسببية وعالم الوجودات الذاتية الذي يخضع للحرية، قد وضع أسساً لقراءة جديدة للضرورة لا تقوم على نظام الطبيعة بل على ضرورة العقل العملي نفسه. فضرورة الأمر الأخلاقي أو ما سماه كانط بالواجب القطعي هي ضرورة لا تقبل المساومة ولكنها ضرورة مفترضة يتم وضعها من طرف العقل البشري نفسه وليس من طرف قوانين كونية خارجية. ونجد كانط يقدم لنا نموذجاً للضرورة التي تبقى محتفظة بقوتها الإلزامية دون أن تكون حتمية سببية، وهذا بالضبط هو الموقف الذي أصبح ممكناً بعد ثورة الاحتمال حيث يمكن للفكر الأخلاقي أن يبني قواعده على أسس عقلية لا على أسس فيزيائية أو ميتافيزيقية مطلقة مما يجعل الأخلاق مستقلة عن مصير الكون الطبيعي وقادرة على الصمود في وجه أي تشكيك يأتي من العلم التجريبي.

وإذا انتقلنا إلى المجال السياسي نجد أن التحول المفهومي للضرورة قد ألقى بظلاله الثقيلة على نظريات الدولة والقانون والعدالة. فالحتمية التاريخية بكل صيغها من هيغل إلى ماركس كانت تستند إلى فكرة أن التاريخ يسير وفق قوانين ضرورية وأن المجتمعات تنتقل من مرحلة إلى أخرى وفق نظام حتمي لا مفر منه. غير أن انهيار هذه الحتمية على المستوى العلمي والفلسفي جعل من الصعب الاستمرار في الإيمان بوجود "قوانين تاريخية" صارمة وفتح الباب أمام نظريات سياسية تقوم على العقد الاجتماعي والاختيار الحر والتخطيط العقلاني بدلاً من الانتظار السلبي لقطار التاريخ المحتوم. كارل بوبر في نقده الحاد للتاريخية بكل أشكالها كان واضحاً في ربطه بين رفض الحتمية العلمية ورفض الحتمية التاريخية معتبراً أن العلم الحقيقي هو علم يتعامل مع الفروض والاحتمالات وأن السياسة الحكيمة هي تلك التي تتبنى منهجاً تجريبياً قائماً على التصحيح المستمر للأخطاء بدلاً من الانقياد لقوانين وهمية تزعم أنها تملك مفتاح المستقبل. ونرى أن التحول من الضرورة إلى الاحتمال لم يكن مجرد حدث علمي بل كان ثورة في فهمنا لأنفسنا كجماعات ودفعنا إلى تصور السياسة كفن الممكن لا كعلم ضروري، وهو ما جعل الديمقراطية والمواطنة النشطة أكثر من مجرد خيارات بل صارت ضرورات عملية في عالم لا يمكن التنبؤ بمساره بيقين ويحتاج بالتالي إلى حكمة جماعية وتداول عقلاني لمواجهة ما لا يمكن توقعه.

أما في مجال الأخلاق الفردية فقد أدى هذا التحول إلى إعادة تقييم جذرية لمفاهيم الثواب والعقاب والمسؤولية. ففي إطار الحتمية الكلاسيكية كان الجاني مجرد حلقة في سلسلة أسباب أدت به إلى ارتكاب جريمته مما يجعل العقاب في أفضل الأحوال أداة وقائية أو إصلاحية وليس تعبيراً عن مسؤولية أخلاقية حقيقية. أما في الفضاء الاحتمالي الجديد حيث لا حتمية مطلقة يصبح الفرد مسؤولاً عن اختياراته بشكل أعمق، ليس لأنه يمتلك إرادة حرة مطلقة بل لأنه يعيش في عالم لا يضمن له أي شيء وعليه أن يتحمل عواقب ما يفعله مع العلم أنها لم تكن محتومة بل كانت ممكنة بين احتمالات أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الأخلاق الإنسانية أكثر إنسانية لأنها لم تعد قائمة على الخوف من عقاب كوني أو على إيمان بقوانين جامدة بل على إدراك أن الإنسان في عزلته ووضعه المحدود هو من يضفي على الأفعال قيمتها وهو من يوزع الثواب والعقاب في ضوء معايير يضعها بنفسه متحللاً من عبودية الضرورة المطلقة ومتشبثاً بإمكانية الفعل في فضاء مفتوح على كل الاحتمالات.

لكن هذه الحرية الجديدة التي يمنحها لنا الاحتمال ليست رفاهية فلسفية يمكن الاستمتاع بها في برج عاجي بل هي واجب ثقيل يتطلب من الإنسان أن يكون أكثر وعياً بحدوده وأكثر تواضعاً في ادعاءاته المعرفية وأكثر جرأة في تحمل مسؤولية أفعاله في عالم لا يغفر الأخطاء لكنه لا يمنع التعلم منها. إن الفلسفة المعاصرة في رحلتها من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال لم تكن مجرد تطور نظري بل كانت تأملاً في مصير الإنسان، في عالم لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه لا شيء مضمون. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إن الضرورة التي بدت لنا كسجن كانت في العمق ملجأً من قسوة الحرية والاحتمال الذي بدا لنا كتحرر هو في الحقيقة اختبار لا ينتهي لقدرة الإنسان على أن يكون إنساناً أي أن يعيش في ظل الغموض وأن يختار رغم التردد وأن يأمل رغم الإحباط وأن يبني المعنى رغم هشاشته. هذا هو الدرس الفلسفي الأعمق الذي تقدمه لنا الثورة الاحتمالية، ليس أن الكون قد أصبح مكاناً عشوائياً لا معنى له بل أصبح مكاناً ندعوه نحن بفعلنا واختيارنا وأخلاقنا، إما إلى الجمال والحكمة وإما إلى الفوضى والضياع. الضرورة لم تمت بل تحولت من مبدأ كوني قاهر إلى أفق أخلاقي منشود ومن حتمية تأسر الفكر إلى إمكانية تحرر العقل ومن يقين يطمئن القلوب إلى سؤال يحرك الحياة. وربما كانت خاتمة هذا التحول هي أن ندرك أن الضرورة الحقيقية ليست تلك التي تفرضها علينا قوانين الطبيعة بل تلك التي نصنعها بأيدينا حين نختار في كل لحظة أن نكون أحراراً في عالم لا حتمية فيه إلا حتمية السؤال الذي لا ينتهي عن معنى أن نكون هنا، الآن، في هذا الكون الاحتمالي المتدفق بالأسرار والدهشة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم