عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الجبار الرفاعي: انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة

بعد عصر البعثة اتسع أفق التساؤل والنقد في التفكير الديني لدى المسلمين، وتوالدت تأويلات للآيات القرآنية ذات المضمون الاعتقادي، أثارت أسئلة عن القضاء والقدر، والحرية الإنسانية، والعدل الإلهي، وصفات الله، وعلاقة الوحي بالعقل. لم تلبث هذه الأسئلة أن تجاوزت الجدل الديني المبكر، وتحولت إلى قضايا معرفية كبرى استدعت ابتكار مناهج جديدة للفهم والاستدلال. ومع اتساع النقاش حولها نشأت المدارس الكلامية في القرون الأولى، وتبلورت اتجاهات متنوعة في النظر الاعتقادي، سعت إلى بناء رؤى عقلية لتفسير المعتقدات والدفاع عنها، وصياغة أجوبة تتناسب مع مستوى الوعي وما فرضه الواقع في تلك المرحلة.

هكذا نشأ علم الكلام استجابةً لحاجة العقل إلى فهم المعتقد الديني بما يتناسب مع مستوى وعيه والواقع الذي يعيش فيه، والبحث عن أجوبة للأسئلة التي أثارها التأمل في آيات القرآن. وتبلور هذا العلم في سياق اتساع آفاق المعرفة وتعدد التحديات، فسعى إلى بناء رؤية عقلية للعقائد، والدفاع عنها، وتفسيرها بلغة تتحدث بعقل عصرها وأسئلته ونمط الوعي المتسيّد فيه.

تكشف ولادة علم الكلام ثم الفلسفة عن حيوية العقل في مراحله التأسيسية، وحضوره الفاعل في إنتاج المعرفة. كلما واجه المسلمون أسئلة جديدة سعوا إلى الاستعانة بأدوات جديدة للفهم، وكلما تطورت خبرتهم بالعالم اتسعت حاجتهم إلى التفكير والتساؤل والنقد والتأويل. لم يكتفوا بتلقي المعارف السائدة، وإنما شاركوا في إعادة بنائها وصياغتها وتطويرها بما يستجيب لأسئلتهم وتحولات عصرهم ونمط وعيهم. أسهم علم الكلام والفلسفة معًا في إثراء الحياة المعرفية للمسلمين في القرون الأولى، وفتحا آفاقًا رحبة للحوار مع الآخر، في واحدة من أكثر مراحل الحضارة الإسلامية خصوبة وإبداعًا.

خضع العقل في الإسلام، في مراحل طويلة من تاريخه، لوصاية المتكلمين بعد انغلاق الاجتهاد في علم الكلام، وإقصاء العقلانية الاعتزالية، كما خضع لوصاية الفقهاء، فأضحى التفكير العقلي موضع ارتياب واتهام. ففي النصف الأول من القرن الخامس الهجري صدر ما عُرف بـ"الاعتقاد القادري القائمي" باسم الخليفة العباسي القادر بالله (381-422هـ)، فكان من أشد وثائق الإقصاء العقدي للتفكير العقلي في ذلك العصر. تبنى هذا الميثاق الاعتقادي رؤية الحنابلة في الاعتقاد، وانحاز إلى مواقفهم، واستهدف سائر الاتجاهات الإسلامية المخالفة، وعدَّ بعض أتباعها مستحقين للعقوبة لمجرد تمسكهم بمعتقد يخالف ما ورد فيه. مثلًا ورد فيه أن "مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه"[1].

أخرج القائم بأمر الله "الاعتقاد القادري" سنة 432هـ وقرئ في الديوان بحضور الفقهاء، وكان "ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر"[2]. وذكر ابن الجوزي أن القادر بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ "فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام"[3]. وفي سنة 460هـ تُلِي "الاعتقاد القادري" في الديوان بناءً على طلب الفقهاء وأعيان أصحاب الحديث الذين أجمعوا على أن "من لا يُكفِّر من يُكفِّرهم (الاعتقادُ) فهو كافر"[4].

لم يقتصر هذا الموقف على الفقهاء، فقد تصدى للفلسفة أيضًا أبو حامد الغزالي (450-505هـ). ففي كتابه "تهافت الفلاسفة" لم يكتف بنقد آراء الفلاسفة، وإنما حكم بكفرهم في ثلاث مسائل: القول بقدم العالم، والقول إن علم الله لا يتعلق بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد. لم يحرّم الغزالي الفلسفة بإطلاق، ولم يرفض المنطق، بل عدّه آلة للعلوم، وافتتح به كتابه "المستصفى". ويصف الغزالي الباحث الألماني فرانك غريفيل بأنه: "منطق الفكر السني"، إذ أدخل المنطق الأرسطي في أصول الفقه وعلم الكلام الشافعي الأشعري. وكان يسعى إلى الدفاع عن العقيدة كما يفهمها، غير أن أثر كتابه تجاوز حدود الجدل الكلامي، فأثار ريبة بالعقل الفلسفي وأضعف الثقة به، ورسخ الخوف من الأسئلة التي تتجاوز المألوف. امتلك الغزالي عقلًا منطقيًا ومعرفة عميقة بالفلسفة، ويكشف كتابه "مقاصد الفلاسفة" عن استيعاب دقيق لمباحثها، غير أن هذه المعرفة انتهت في "تهافت الفلاسفة" إلى نقد الفلسفة المشائية ومحاصرة التفكير الفلسفي، مما أسهم في إضعاف حضور الفلسفة في معاهد التعليم الديني السنية.

ومع ذلك لم تتوقف الفلسفة في الإسلام، فقد استمرت في الأندلس مع ابن رشد (520-595هـ)، الذي دافع عن العقل ورد على الغزالي في كتابه "تهافت التهافت"، كما واصلت حضورها في المشرق مع شهاب الدين السهروردي (المقتول سنة 586هـ)، ثم ملا صدرا الشيرازي (980-1050هـ). غير أن الفلسفة في المشرق اتخذت مسارًا مختلفًا عن فلسفة ابن رشد العقلانية، وإنما مزجت بين البرهان العقلي والنصوص الدينية والإشراق والكشف العرفاني، فغدت فلسفة تجمع بين العقل والنقل والذوق الروحي.

لا تكمن المشكلة في نقد الفلسفة، فالنقد شرط لحيويتها، وإنما تكمن في انتقال الخلاف المعرفي إلى إصدار أحكام على إيمان الفلاسفة، وتحويل السؤال الفلسفي إلى تهمة. لم يكن الغزالي وحده مسؤولًا عن انحسار الفلسفة، فقد تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية وفقهية متنوعة على ذلك، غير أن مكانته العلمية والنفوذ المؤثر لكتاباته منحا هذا المسار قوة وتأثيرًا، واستند إليهما كثير من الفقهاء في التحذير من الفلسفة والتفكير العقلي، مع بقاء تيارات فلسفية لاحقة في المشرق والمغرب تؤكد أن الفلسفة لم تنقطع تمامًا في الإسلام.

ثم جاء ابن الجوزي "510-597هـ"، فخصّص في كتابه "تلبيس إبليس" فصولًا لنقد الفلاسفة والتحذير من آرائهم، وعدَّ كثيرًا منها من ضروب الضلال. وظهرت بعده مواقف وفتاوى متعددة في مناهضة التفكير الفلسفي لدى أهل الحديث والفقهاء. وأسهمت هذه الفتاوى والمواقف، على تفاوت دوافعها وحدّة أحكامها، في ترسيخ الارتياب والنفور من الفلسفة وإقصائها من أكثر مؤسسات التعليم الديني، وأفضت إلى انكماش حضور التفكير الفلسفي، وتراجع دور العقل في التفكير الديني قرونًا طويلة.

شيئًا فشيئًا حلّ تكرار الإجابات، والانشغال بالتعليقات والشروح وشروح الشروح، محل المغامرة العقلية، وغلبت الأجوبة الموروثة على إنتاج الأسئلة، فخبا التفكير النقدي، وانحسر الإبداع. وبعد انسداد آفاق العقل الكلامي، تصدى بعض الفقهاء لإصدار فتاوى تحرّم الفلسفة، وتنبذ الأسئلة، وتزدري التفكير العقلي، فضاق مجال التفكير الحر، وانحسر حضور السؤال الفلسفي. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري "577 - 643 هـ" التي جاء فيها: "الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان... وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية"[5].

عندما وقع العقل تحت وصاية فتاوى ابن الصلاح الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكير الديني في الإسلام في التكرار والاجترار، فتراجعت روح التساؤل الحر، وانطفأت الأسئلة الكبرى التي تغذي حيوية التفكير، واضمحل حضور العقل النقدي، وحلت محله نزعة تميل إلى استعادة الأجوبة الجاهزة أكثر من إنتاج أسئلة جديدة. ولما كانت الفلسفة تقوم على استقلال العقل، وحقه في التساؤل والنقد وتمحيص المسلّمات، أفضى تحريمها إلى ضمور التفكير الفلسفي، وانكماش آفاق الاجتهاد، وتراجع قدرة العقل على مراجعة مسلّماته واختبار مقولاته، ففقد الفكر الديني رافدًا أساسيًا لحيويته الخلّاقة التي ازدهرت بها حضارة الإسلام في القرون الأولى.

هناك تخادم بين مؤسسة السلطة ومؤسسة الفتوى. الفتوى أشد التصاقًا بالسلطة، لأن وظيفتها التاريخية لم تقتصر على تنظيم شؤون العبادات والمعاملات، وإنما امتدت إلى إنتاج الشرعية، وتبرير أنماط الحكم، وتكييف الوعي العام مع مقتضياتها. منذ وقت مبكر تشكلت علاقة تخادم متبادل بين الفقيه والسلطان؛ السلطان يحتاج إلى الفقيه ليضفي على سلطته مشروعية دينية، والفقيه يحتاج إلى السلطان ليحمي حضوره ونفوذه وسلطته الروحية، ويضمن فاعلية أحكامه في المجال العام. في هذا الفضاء غدا الفقه، في كثير من تمثلاته التاريخية، حارسًا للنظام القائم أكثر من كونه أفقًا لتحرير العقل وتوسيع إمكانات التفكير.

الفلسفة تنتمي إلى نمط مختلف من التفكير، فهي لا تبدأ من الجواب، وإنما من السؤال، ولا تتعامل مع المسلّمات على أنها حقائق نهائية، وإنما تفحص أسسها وتختبر مقدماتها. يزعج السؤال الحر كل سلطة، لأنه يكشف هشاشة ما يبدو راسخًا، ويعيد النظر في المبررات التي تستند إليها السلطة. لذلك لم يكن الصراع بين بعض الفقهاء والفلسفة صراعًا معرفيًا، وإنما كان صراعًا بين عقل ينشغل بحراسة الأجوبة وإعادة إنتاجها، وعقل لا يكف عن مساءلتها ونقدها.

من هنا نظر كثير من الفقهاء إلى الفلسفة بريبة، وأصدروا فتاوى بتحريمها أو التحذير منها، بسبب ما توقظه من نقد عقلي لليقينيات الشائعة، وما تفتحه من آفاق للتفكير خارج الوصايات المغلقة. الفلسفة تدرب العقل على الشك المنهجي، وتحرره من الخضوع الأعمى لكل سلطة، سواء كانت سلطة الفقيه أو المفسّر أو الحاكم. عندما وقع العقل المسلم تحت هيمنة التخادم التاريخي بين الفقيه والسلطان، انكمشت مساحة السؤال، وتسيدت روح الامتثال، وانشغل العقل بحراسة الأجوبة أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة. مع انحسار الفلسفة خسر الفكر الديني في الإسلام أحد أهم منابع حيويته المبدعة، وتراجع العقل النقدي الذي أسهم، في عصور الازدهار، في إثراء مديات النظر إلى الإنسان والعالم والدين. حيثما يضيق مجال السؤال تضعف الحرية، وحيثما تخنق الفلسفة يترسخ الاستبداد السياسي والمعرفي والروحي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

[1]  ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ج8: ص109 – 110، دار صادر، بيروت.

[2]  المصدر السابق. ج8: ص109.

[3]  المصدر السابق. ج7: ص287.

[4]  المصدر السابق. ج9: ص124.

[5] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ - ٢١٢).

في المثقف اليوم