ثمة نوعٌ من الوعي يرى العالم كما يشتهي أنّ يكونه لا كما هو. هذا الوعي المقلوب إن جاز التعبير، لا يصعر خده علينا فيكذب علينا عمدًا، هذا الوعي يصدّق نفسه أولًا، ثم يجرّنا إلى تصديقه. إنه الوهم؛ ابنٌ شرعيٌّ للخوف والرغبة معًا، يولد في المنطقة المعتمة الفاصلة بين ما نعرفه وما نريد أنّ نعرفه. والوهم ليس كذبًا؛ فالكذب يدرك صاحبه أنّه كذب، أما الوهم فأخطر من ذلك، لأنّه اعتقادٌ صادقٌ بشيءٍ زائف. وبذلك يبدأ الانتفاخ الصامت الذي يتحول فيه الظن إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قضية يُستمات من أجلها. وكما قال رينان- :" نحن لا نستشهد إِلَّا من أجل الأشياء التي ليس لنا عنها معرفة يقينية: فالناس يموتون من أجل آرائهم - وهي ظنون وليس من أجل حقائق يقينية، يموتون من أجل ما يعتقدون وليس من أجل ما يعرفون".[1] فالإنسانُ لا يخاف الحقيقةَ في ذاتها، أنّه يخاف تلك الساعةَ الرهيبةَ التي يقف فيها وحيدًا أمام نفسه، عاريًا من كل الأكاذيب التي أحبَّها. فالوهمُ ليس عدوًّا يأتي من الخارج ليخدعنا، أنّه ضيفٌ نستضيفه بأيدينا نُطعمه من خوفنا، ونُدفئه بحرارة رغبتنا، حتى يكبر فينا ويصير سيّدَ البيت. وحين يبلغ هذه المنزلة، لا يعود يحتاج إلى أنّ يدافع عن نفسه؛ إذ نصبح نحن من يتولى الدفاع عنه، والقتال باسمه، فنغضب له، ونخشى سقوطه وضياعه، لأن تهافته يعني انهيار صورةٍ كاملةٍ رسمناها لأنفسنا.
وليس الوهم طارئًا على العقل الإنسانيَّ حتى يُنظر إليه بكونه عارضًا يمكن اجتثاثه، بل لعله أحد أعمق مكوّنات بنيته. لذلك لم يكن غريبًا أنّ يشغل الفلاسفة وعلماء النفس منذ وقت مبكر. فقد تنبّه فرنسيس بيكون إلى أنّ العقل لا يرى العالم كما هو، وإنَّما من خلال "أصنام" تصنعها الطبيعة البشرية، والعادة، واللغة، والمصالح حتى يغدو الإنسان أسيرًا لما يظنه معرفة، وهو في الحقيقة لا يرى إِلَّا انعكاسًا لتحيزاته، ولذلك دعا إلى التحرر من جميع الأوهام (أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح)، واعتماد التجربة منطلقًا ومعيارًا[2]. ثم جاء سيغموند فرويد ليكشف أنّ الوهم لا يولد من الجهل وحده، بقدر ما يولد من الرغبة أيضًا؛[3] فالإنسان يعيد تشكيل الواقع بما يجعله أقل قسوة وأكثر احتمالًا، فتتدخل الرغبات المكبوتة والآليات الدفاعية لتصنع سرديةً يستطيع العيش في ظلها. أمّا فريدريك نيتشه، فقد أدرك أنّ الإنسان لا يتمسك بأوهامه لأنَّها صحيحة، وإنَّما لأنّها تمنحه معنىً وقدرةً على الاحتمال، حتى ليغدو الوهم في بعض الأحيان، أكثر قابلية للحياة من الحقيقة نفسها.[4] وفي المقابل لم ير رينيه ديكارت سبيلًا إلى المعرفة إلَّا بمسح "الطاولة" والتحرر من جميع السلطات المعرفية والاعتماد على سلطة العقل، فيبدأ الإنسان بالشك في أكثر يقيناته رسوخًا، لأن الحقيقة لا تُبنى فوق يقينٍ زائف، بل فوق أنقاضه[5]. وكأن تاريخ الفكر كله لم يكن سوى محاولةٍ متكررة لتحرير العقل من أوهامه، وإن كانت تلك الأوهام تعود في كل عصر بثيابٍ جديدة ولغة ثانية.
وليس هذا الوعي المقلوب اكتشافًا للفلسفة الحديثة وحدها، وإن كانت قد منحته أدواتها التحليلية. ففي التراث الإسلاميَّ ترد صورةٌ بالغة الكثافة في التعبير عن انقلاب الوعي، حين قال الإمام علي بن أبي طالب u: " ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبًا"[6]. والفرو إذا لُبس مقلوبًا لا يفقد مادته لكنّه يفقد وظيفته أو فائدته، وتبقى صورته فيما تنقلب غايته. إنَّها استعارة لا تصف فساد الدين بقدر ما تصف فساد الوعي بالدين وتمظهراته؛ فالخلل يكمن في الطريقة التي تُستقبل بها الدين لا في حقيقته، وفي الزاوية أو العدسة التي يُعاد من خلالها ترتيب المعاني حتى يغدو الأصل فرعًا، والفرع أصلًا والوسيلة غاية، والغاية وسيلة. ومن ثمَّ، يمكن أنّ يُقرأ الوعي المقلوب بوصفه أحد أكثر أشكال الوهم رسوخًا إذ قد يقلب الواقع القائم حتى يبدو في هيئةٍ أخرى .
فإذا كان الوعي قادرًا على ان يلبس الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا، فإن الوهم لا يعود مقيمًا في زاوية واحدة من العقل، فقد يتوزع كالماء المنهمر في كل شق يجد فيه منفذًا. ففي الدين قد يتحول الإيمان من علاقةٍ حيّة بالله إلى منظومةٍ من الشعارات والطقوس تُعامل كما لو كانت هي الله ذاته. وفي السياسة تتحول المبادئ إلى أدواتٍ لتبرير السلطة، بينما تُرفع شعارات العدالة لإدامة الظلم. وفي السوق يُستبدل الاحتياج بالرغبة والرغبة بالهوية حتى يظن الإنسان أنّه يشتري سلعة، بينما هو في الحقيقة يشتري صورةً عن ذاته رسمها له الآخرون. وحتى الفلسفة، التي وُلدت لتحرير العقل وتفعيله، قد تنقلب إلى قفص جديد أو قلعة مطوقة حين يتوقف صاحبها عن السؤال ويكتفي بترديد الإجابات الجاهزة أو المعلبة. وكذلك الفن قد يُستبدل فيه التعبير بالإبهار، فيُصفَّق للشكل بينما يغيب المعنى. أما في الحياة اليومية فنحن نبني عن الآخرين ما نبني عن أنفسنا أيضًا صورًا نحبها أكثر مما نعرفها، ثم نفاجأ حين يرفض الواقع أن يتواطأ مع خيالنا وميولنا وو.
والوهم لا يقتل صاحبه بضربةٍ واحدة، انه يقتله بالتراكم يأكل من جرفه شيئا فشيئا. يبدأ صغيرًا؛ عذرًا مقبولًا أو تبريرًا لطيفًا، ثم ينمو لأنّه لا يُواجَه حتى يغدو جزءًا من بنية الذات. والخطر الحقيقي ليس في أنّ يعيش الإنسان وهمًا، فذلك قدرٌ إنساني يصعب الإفلات منه، وإنما في أنّ يرفض الاعتراف بأنّه وهم عندما تبدأ إشارات الحقيقة بالظهور. عندئذٍ يتحول الوهم من مجرد خطأ في الإدراك إلى موقفٍ وجودي متصلب، يدافع عنه صاحبه كما يدافع عن نفسه، لأنّ الفكرة في تلك الساعة تكون قد امتزجت وتلبست وتعشقت بالذات حتى غدت هي الذات.
الا أن سؤالًا أشد غورًا يظل يُلاحق هذا الكشف عن الأوهام: أوَلا يكون فضح الوهم نفسه وهمًا من طبقة أعمق؟ فالوعي الذي يظن أنّه خرج من كهف الصورة الزائفة إلى ضوء الحقيقة الخالصة، قلّما يخرج إلى فضاء محايد فوق كل وهم، وربما الأصح أنّه ينتقل من وهمٍ كثيفٍ إلى وهمٍ أقل كثافة واحتدام، أو من صورةٍ بعيدة عن الواقع إلى صورةٍ أدنى منها بعدًا. وهذا لا يُسقط قيمة السؤال ولا يُبطل جدوى المساءلة، فقد يكشف أنّ غاية الحكمة ليست بلوغ يقينٍ نهائي متحرر من كل وهم - فذلك ربما يفوق طاقة الإنسان ذاته- وإنما مراكمة درجات من الوعي بالوهم وتضييق المسافة بينه وبين ما يُظن أنه الحقيقة دون ادّعاء بلوغها بلوغًا تامًا لا يقبل بعده سؤال.
ولعل أمام الإنسان طريقين لا ثالث لهما مع أوهامه: إما أن يتعايش معها حتى يحملها إلى قبره دون أن يفتح صندوقها مرةً واحدة، وليس ذلك دائمًا جبنًا، فقد يكون أحيانًا رحمةً بالنفس التي لا تحتمل الحقيقة كاملة، لكنه قد يكون أيضًا هروبًا متخفيًا بثوب السلام الداخلي أو العزاء النفسي الرحيم. وإما أنّ يمزق أوهامه ويهتكها في ساعة فاصلة؛ تجربةٍ قاسية، أو تأملٍ عميق، أو ساعة توفيق يصطف فيها الوعي مع الحقيقة. وهذا التمزيق مؤلم دائمًا، لأنّه لا يهدم فكرةً فقط، هذا التمزيق يهدم جزءًا من الذات بُني على تلك الفكرة، إِلَّا أنّه ألمٌ ولّاد، يشبه ألم كل ولادةٍ حقيقية.
وربما لا يستطيع الإنسان أنّ يعيش بلا وهم؛ فهو كائن يحتاج إلى المعنى والعزاء بقدر حاجته إلى الحقيقة، وربما أكثر في بعض اللحظات. وقد يكون الوهم، في صورته الرحيمة جسرًا مؤقتًا نعبر عليه حتى نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة الواقع ودلالاته. لكن الخطر يبدأ حين يتحول ذلك الجسر إلى وطن، وحين يصبح الوعي المقلوب طريقةً دائمة في النظر إلى العالم. عندئذٍ لا يعود الإنسان يزوّر الحقيقة، بل يعيد ترتيبها وترسيمها حتى يطمئن إليها، تمامًا كما يُلبس الفرو مقلوبًا؛ فلا تتغير مادته، وإنما تتغير وظيفته، ويبقى الاسم فيما يضيع المعنى. وهكذا تُصنع الأيديولوجيات المغلقة، وتُولد القراءات المشوهة للنصوص، وتتغذى الأزمات النفسية التي تفضّل الوهم على مواجهة الذات، لأن الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الصورة التي كوّنها لنفسه أكثر مما يدافع عن الحقيقة نفسها. ولذلك فإن الفرق بين الإنسان الحكيم وغيره لا يكمن في خلوّه من الأوهام، بل في شجاعته على مساءلتها كلما استقرت في نفسه، وأن يبقى قادرا على أنّ يسأل نفسه في كل يقين يطمئن إليه: هل أرى العالم كما هو أم كما أحتاج إليه؟ وهل ما أؤمن به حقيقةٌ كشفت نفسها لي أم أنني-من حيث لا أشعر- لبست الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا؟ ففي هذه القدرة على السؤال وحدها يكمن الفرق، لا بين من يُدفن وقد استسلم لأوهامه فتوقف عن مساءلتها، ومن يُدفن وهو لا يزال يسأل نفسه حتى النَفَس الأخير.
***
د. حيدر شوكان السلطانيَّ
جامعة بابل- قسم الفقه وأصوله
.........................
[1] Reman, «Nouvelles études d'histoire religieuse, cité par: Debray, Critique de la
raison politique, р. 179.
[2] ينظر: بيكون، فرنسيس، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة. ترجمة عادل مصطفى. (مؤسسة هنداوي)، بلا مشخصات أخرى، 20- 21.
[3] سيغموند فرويد، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر)، الطبعة الرابعة-1998م، 39- 40 و42.
[4] ينظر: فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر: توطئة لفلسفة مستقبلية. ترجمة: جيزيلا فالور حجار، (بيروت-دار الفارابي) الطبعة الأولى- 2003م، 25.
[5] ينظر: رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتعليق: عثمان أمين، (القاهرة: المركز القومي للترجمة)، 13- 14.
[6] نهج البلاغة، تحقيق وشرح: الشيخ محمد عبده، (إيران- دار الذخائر)، الطبعة الأولى- 1412هـ، 1/ 209.








