مقاربة فلسفية في حفريات الخطاب وعنف التفاهة المعاصرة
شهدت الألفية الرابعة قبل الميلاد في جنوب وادي الرافدين تحولاً أنطولوجياً حاسماً في تاريخ البشرية، تمثل في الانتقال من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية المدوّنة بابتكار الكتابة المسمارية. لم يكن هذا الابتكار مجرد أداة تقنية محايدة لتسجيل الأصوات، بل كان في جوهره ممارسة سلطوية ولدت من رحم الحاجة البيروقراطية والاقتصادية لمعابد ومؤسسات الدولة الناشئة في مدن مثل "الوركاء". لقد بدأت الكتابة كرسوم تصويرية تمثل الأشياء المادية يوضح هذا التحول البنيوي كيف أسست اللغة الرمزية لمفاهيم السلطة والتراتبية الاجتماعية منذ بداياتها الأولى. وتجسد هذا النظام في (مدرسة الألواح)، وهي المؤسسة التي تولت تدريب وتخريج النخبة الكاتبة في بلاد ما بين النهرين. هذا التثبيت المنهجي للتعليم أنتج طبقة مغلقة من الكتّاب الكهنة الذين ارتبطوا ببلاط الملك والمعبد، فاحتكروا المعرفة الإدارية والدينية، وأقصوا عامة الشعب عن فك رموز اللغة. وفي هذا السياق، تظهر أطروحة عالم الاقتصاد والاتصال الكندي هارولد إينيس حول انحياز وسائل الاتصال لتفسير التفاعل بين مادية الوسيط اللغوي وبنية السلطة السياسية. يرى إينيس أن الطين والحجر، بصفتهما وسائط ثقيلة ومتينة، يمثلان وسائل اتصال "منحازة للزمن"؛ مما يرسخ الاستمرارية التاريخية، التقاليد الدينية، والشرعية السلالية الحاكمة. ويساهم هذا الانحياز في إقامة إمبراطوريات ثيوقراطية مركزية ومستقرة، ولكنها تمتاز بصلابة بنيوية شديدة ومقاومة للتغيير. تثبت ملحمة جلجامش هذا التوجه؛ حيث يحرص البطل على تخليد اسمه عبر نقشه على نصب من الحجر ليبقى خالداً في ذاكرة الزمن. وبالمثل، تبرز مسلة حمورابي كأداة لتوحيد المملكة سياسياً وقانونياً من خلال تثبيت القوانين على وسيط حجري صلب يسري حكمه على الجميع.
ديمقراطية الأبجدية وتحرير العلامة
في كنعان على أطراف الإمبراطوريات العظمى في مصر وبابل، وفي كنف المجتمعات التجارية الناشئة على الساحل السوري وفي سيناء، ولدت واحدة من أعظم الثورات التكنولوجية والمعرفية في التاريخ البشري: الأبجدية الكنعانية الأولية. كان الكنعانيون يتوزعون على ممالك ساحلية متفرقة مثل: أراود، وجبيل، وأوغاريت. وكانت هذه المدن بمثابة حقول مفتوحة للتداول التجاري واللغوي الحر، بالرغم من تأثرها باللغة الأكدية التي كانت لغة المراسلات الدبلوماسية الدولية آنذاك فرضت هذه الطبيعة العملية والتجارية حاجة ماسة لوسيلة تواصل سريعة وسهلة ومتاحة للجميع، بعيدة عن تعقيدات الكتابة المسمارية والهيروغليفية التي تتطلب سنوات من التدريب التخصصي. تمثل هذا التحول الثوري في ابتكار الأبجدية السينائية والكنعانية الأولية، التي عثر على أقدم نقوشها في معبد "سرابيط الخادم" في سيناء عام 1905، ودُوّنت بأيدي عمال مناجم كنعانيين اقتبسوا رموزاً مبسطة من الهيروغليفية المصرية وحولوها إلى أصوات حرفية ساكنة. ظهرت هذه الأبجدية بشكلها النهائي كخط أبجدي متكامل في أوغاريت، مستخدمة بعض الرموز المسمارية المبسطة لتمثيل ثلاثين صوتاً كنعانياً، قبل أن تتطور الأبجدية الفينيقية في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتصبح الأصل الذي اشتق منه الإغريق أبجديتهم، لتنتقل لاحقاً إلى الأبجديات الأوروبية الحديثة. تحلل سوسيولوجيا الاتصال عند هارولد إينيس هذه اللحظة التاريخية باعتبارها الانهيار الحتمي لـ ـالمونوبول المعرفي القديم. فالأبجدية الكنعانية، بخفتها وقدرتها على التدوين على وسائط خفيفة مثل البردي، تمثل وسيلة اتصال "منحازة للمجال والمكان"؛ مما يسهل الإدارة اللامركزية والتوسع التجاري الأفقي. لقد أدت ديمقراطية الحرف الكنعاني إلى كسر حصرية المعرفة التي فرضتها طبقة الكهنة والكتّاب البلاطيين. بيد أن هذا التركيز الكنعاني على التجارة والعمل الميداني أنتج مفارقة تاريخية؛ فالكنعانيون كانوا عمليين لدرجة أنهم كتبوا القليل عن أنفسهم وتاريخهم، ولم يتركوا آثاراً ملكية ضخمة تمجد أمجادهم، بل تشتت تراثهم وانتقل أثرهم الأساسي عبر نشر الحرف الأبجدي الذي حرر العقل البشري من قيود الرمز المقدس.
المقاربة الفلسفية لجدلية اللغة والسلطة
لتفكيك الكيفية التي تتحول بها اللغة من أداة تواصل بريئة إلى جهاز للهيمنة وبناء تراتبيات القوة، لا بد من استحضار المقاربات الفلسفية والسوسيولوجية الحديثة، لاسيما طروحات ميشيل فوكو وبيير بورديو. يتقاطع هذان المفكران في الكشف عن الروابط العميقة والخفية بين المعرفة والخطاب من جهة، وممارسات السلطة الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى.
1. ميشيل فوكو: الخطاب وإرادة الحقيقة يؤهل ميشيل فوكو لرؤية جذرية تعتبر أن الحقيقة والمعرفة هما ممارستان سلطويتان بحد ذاتهما. يرى فوكو أن السلطة لا تعمل بالمنع والقمع الفيزيائي المباشر فقط، بل تمتاز بكونها شبكة منتجة وحيوية تتغلغل في كافة الفعاليات الاجتماعية. وفي كتابه "نظام الخطاب"، يوضح أن إنتاج الخطاب في المجتمعات يجري تنظيمه ومراقبته عبر مجموعة من الآليات والمؤسسات التي تقصي الخطابات الهامشية. إن الخطاب عند فوكو ليس مجرد دال يعكس الصراعات الاجتماعية، بل هو موضوع الصراع بحد ذاته، والأداة التي تسعى القوى المختلفة للاستحواذ عليها لتوجيه الوعي البشري عبر آليات "إرادة الحقيقة" التي تصنع الحقائق صناعة تخدم بقاء البنية الحاكمة.
2. بيير بورديو: العنف الرمزي والسوق اللغوية على الجانب الآخر، يقدم بيير بورديو تشريحاً سوسيولوجياً دقيقاً لآليات الهيمنة اللغوية من خلال مفهوم العنف الرمزي؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يمارس ضد الفاعلين الاجتماعيين بتواطؤ وموافقة ضمنية من الضحايا أنفسهم الذين تمت تهيئتهم اجتماعياً للخضوع. يطرح بورديو مفهوم السوق اللغوية التي تمثل وضعية اجتماعية يجري فيها تداول التعبيرات اللغوية وتقييمها بناءً على موقع المتكلم في السلم الاجتماعي. في هذه السوق، لا تكتسب اللغة قوتها من خصائصها البنيوية الداخلية، بل تستمدها من المؤسسة الاجتماعية والشرعية القانونية التي تمنح المتكلم حق التعبير. ويبرز هنا مفهوم التفويض كآلية أساسية؛ حيث يقوم الأفراد بنقل سلطتهم اللغوية والتعبيرية إلى ممثل أو مؤسسة (مثل المتحدث الرسمي أو الحزب السياسي). هذا التفويض يسلب الجموع صوتهم المباشر ويمنح الممثل رأسمالاً لغوياً ورمزياً هائلاً يمكنه من إعادة إنتاج الهيمنة عليهم باسمهم ذاته. فالمؤسسات التعليمية، من منظور بورديو، تفرض لغة معيارية رسمية تجعل الأفراد المنحدرين من طبقات أدنى يشعرون بالدونية اللغوية والاستلاب النفسي.
التوحش النيوليبرالي ولغة التفاهة المعاصرة
إذا كانت رحلة اللغة من سومر إلى كنعان قد تميزت بالسير نحو فك الاحتكار ودمقرطة الحرف، فإن المشهد المعاصر يعكس ارتداداً بنيوياً حاداً تحت وطأة النظام النيوليبرالي العالمي واقتصاد السوق المتوحش. يقدم الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" تشريحاً كاشفاً لهذه الحالة المعاصرة؛ حيث يرى أن العالم يمر بمرحلة تاريخية تتبوأ فيها الرداءة والتفاهة مواقع السلطة. يؤسس نظام التفاهة المعاصر لبيئة اجتماعية لم يعد فيها التميز المعرفي أو الأخلاقي هو المعيار، بل أصبح الخضوع لمتطلبات السوق والاستهلاك السريع هو الشرط الأساسي للنجاح. يتحقق هذا التدجين اللغوي عبر آليات التخصص الأكاديمي والمهني الصارم، الذي حول العلماء والمثقفين إلى مجرد "خبراء" تقتصر وظيفتهم على أداء مهام تقنية محددة تخدم مصالح الشركات الكبرى، بدلاً من إنتاج معرفة نقدية حرة تخدم الفضاء العمومي. تتغذى هذه البيئة على ما يعرف بـ اللغة الخشبية؛ وهي لغة فضفاضة، معلبة، وتكنوقراطية مجوفة تعتمد على قوالب ومصطلحات جاهزة يتم تداولها بكثافة لإخفاء الكسل الفكري العميق ولأدلجة النقاش العام وحرفه عن القضايا المصيرية. يساهم هذا النمط اللغوي التبسيطي في تفتيت ثقافة المواطنة والنقاش العقلاني الرصين لصالح قيم الاستهلاك والمادية الفردانية.
المسمارية الرقمية واستعادة مونوبول الكهنوت الجديد
إن قراءة المسار التاريخي والفلسفي لتطور اللغة والخطاب تكشف عن حقيقة بنيوية بالغة الغرابة: يمثل العصر الرقمي الحالي ارتداداً دراماتيكياً نحو منطق "المونوبول المعرفي" والكهنوتي الذي ساد في الحقبة السومرية القديمة، ولكن في حلة تكنولوجية فائقة التطور وعابرة للقارات. في العصر السومري البابلي، تميز الخط المسماري بتعقيده، مما جعل حيازة المعرفة حكراً على نخبة الكهنة والكتّاب. واليوم، تكرر النيوليبرالية المعاصرة هذا النموذج ذاته من خلال لغة الخوارزميات، وشفرات البرمجة، وقواعد البيانات الضخمة التي تدير مفاصل العالم المعاصر وتتحكم فيه. إن هذه اللغات البرمجية المعقدة تمثل المسمارية الرقمية الجديد؛ فهي لا تقع في يد عامة الناس، بل تحتكر إنتاجها وإدارتها فئة ضيقة جداً من خبراء التقنية، ومطوري الذكاء الاصطناعي، ورجال الأعمال المهيمنين على الشركات التكنولوجية الكبرى. يمثل هؤلاء التقنيون "الكهنوت الجديد" للقرن الحادي والعشرين، يمتلكون وحدهم سلطة صياغة وتفسير القوانين والأنظمة المعرفية الرقمية التي تخضع لها المجتمعات مجبرة. يترافق هذا الاحتكار المعرفي للنخبة التقنية مع عملية تدجين لغوي واستلاب فكري واسع النطاق يمارس ضد عامة الناس. فبينما تحكم القوى العظمى والشركات قبضتها على البنى التحتية للمعلومات، يتم إغراق الفضاء السيبراني بطوفان من الخطاب التافه والسطحي الموجه للاستهلاك السريع. يتحول المواطن المعاصر، بالرغم من توفر أدوات النشر الافتراضي التي تبدو ديمقراطية في ظاهرها، إلى مستهلك لسلع ثقافية تافهة وموهومة تفرزها منصات التواصل الاجتماعي بدافع الربح والتفاعل الأقصى. تساهم هذه اللغة الاستهلاكية في تقليص القدرة الإنسانية على التفكير النقدي وصياغة بدائل حقيقية للنظام القائم، وتعمل على ترسيخ الصلابة الفكرية بتعبير هارولد إينيس؛ وهي الحالة التي يعجز فيها المجتمع عن التكيف فكرياً ولغوياً مع التغيرات العميقة بسبب ركونه لنظام فكري جامد ومقولب يفرضه الطرف المهيمن. بذلك تكتمل دائرة العنف الرمزي والبنيوي المعاصر؛ حيث تعمل اللغة التكنوقراطية و"لغة الخشب" الرسمية على إقصاء عامة الناس من المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار، مستعينة بـ "الخبرة التقنية" كغطاء علمي وأكاديمي يخفي وراءه انحيازيات مادية واقتصادية صارمة. يجد الإنسان نفسه محاصراً بين مسمارية تقنية خوارزمية مغلقة لا يفهم لغتها، وأبجدية رقمية افتراضية تبسط وتسطح تفاعلاته الإنسانية وتحولها إلى خطاب عنيف مشحون بالكراهية والاستقطاب المستمر.
***
غالب المسعودي








