يرى البروفيسور جوليان بيلارد Julien Beillard أستاذ الفلسفة في جامعة تورنتو ان لا منطق في الادّعاء بنسبية الأخلاق. ان التنوّع في العقائد وطرق الحياة هو الحقيقة المدهشة في النوع البشري. ما يجده المورمون (أتباع كتاب مورمون المقدس) صحيحا ومعقولا ربما هو مقيتا للماركسيين والماوربون (سكان ايزلندا الأصليين). شعب الازتيك مارسوا طقوس التضحية البشرية لأسباب نجدها غير مقنعة بالكامل، ولا شك ان الناس في المستقبل أيضا سيكونون حائرين او يشعرون بالاشمئزاز من بعض ممارساتنا. لهذه الأسباب، يستنتج البعض ان لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول الاخلاق. هم يقولون ان أحسن توضيح لعدم الاتفاق الأخلاقي يتم من خلال الفكرة بان هناك العديد من الحقائق الأخلاقية النسبية المختلفة والغير منسجمة، والتي بطريقة ما تتقرر بمعتقدات مجتمع معين، وان هذا هو النوع الوحيد الموجود للحقيقة الأخلاقية . لذا بالنسبة لشعب الايزتك يرون من الصحيح أخلاقيا ممارسة التضحية البشرية رغم انها زائفة بالنسبة لنا. اذن عموما، الادّعاء الأخلاقي (س) هو صحيح نسبيا بشرط ان يتم الايمان به من جانب افراد المجتمع (ص). نفس الفكرة الأساسية ربما جرى تطويرها بشكل مختلف نوعا ما. بعض النسبيين ربما يقولون،مثلا، ان (س) هو صحيح نسبيا بشرط انه متضمن في معايير (ص) الاخلاقية بصرف النظر عما اذا كان افراد (ص) يؤمنون حقا بها. (سوف نتجاهل هذه التفاصيل لأنها لا تغير شيئا من جوهر المسألة التي نطرحها).
الازتيك يؤدون طقوس التضحية البشرية
سنناقش هنا هذه الحجة من عدم اتفاق أخلاقي ونعرض ما نعتقد انه المشكلة الأكثر خطورة للنسبية الأخلاقية: ذلك اننا هنا لا نستطيع فهم معنى ان تكون الحقائق الأخلاقية نسبية. وطالما لا نمتلك فكرة حول ما تعنيه، فان النسبية الأخلاقية لن تكون توضيحا جيدا لحقيقة الاختلافات الأخلاقية العميقة والمستمرة – ولا يمكن أيضا دعم الأخلاقية النسبية بواسطة أي نوع من الاستدلال. لذا اذا كان عدم الاتفاق الأخلاقي دليلا ضد موضوعية الحقيقة الأخلاقية، فانه يمكن فقط ان يكون دليلا للعدمية الأخلاقية: فكرة ان لا وجود هناك لحقائق أخلاقية.
تقويض الذات
الجدال لأجل الاخلاق النسبية بسبب التنوع ألاخلاقي هو غير مقنع . اذا كان مجرد اختلاف الافراد والجماعات حول فكرة ما كافيا للتدليل على ان تلك الفكرة تفتقر الى قيمة حقيقة موضوعية، فسوف لن تكون هناك حقيقة موضوعية حول عمر الكون او أسباب مرض التوحد. أملاً في درء تلك الحجة المضادة، يدّعي النسبيون عادة ان هذه الاختلافات الأخرى لا تشبه الاختلافات الأخلاقية بطريقة ملائمة. فمثلا، الفيلسوف الامريكي جيس برنز Jesse Prinz ذكر ان الاختلافات العلمية يمكن تسويتها بالملاحظة او القياسات الجيدة، وانها عندما تُعرض بنفس الكمية من الدليل او الأسباب، فان العلماء سيتفقون، لكن لايمكن قول نفس الشيء عن المفكرين الذين يعملون بمبادئ أخلاقية مختلفة. وحتى لوسلّمنا بهذا الفرق، لايزال من المشكوك فيه ان عدم الاتفاق الأخلاقي هو سبب جيد لقبول النسبية الأخلاقية. في نهاية المطاف، هناك عدم اتفاقات عميقة وعصية على الحل في الفلسفة وفي الاخلاق أيضا. فمثلا، بعض الفلاسفة يعتقدون ان الحالات الذهنية مثل الألم او الرغبة هي فقط حالات فيزيقية، آخرون ينكرون هذا، ومع ذلك كلا المعسكرين مطّلعين على الدليل والأسباب التي تُستخدم لدعم وجهة النظر المعارضة. فهل نقول اذن لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول كيفية اتصال الحالات الذهنية بالعالم المادي؟ هذا يبدو غير معقول ابداً. في هذه المسألة، العديد من الفلاسفة ينكرون ادّعاء الاخلاقيين النسبي بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لما يعتقده مجتمع معين. هل يتبع ذلك ان هناك فقط حقيقة نسبية ولا حقيقة موضوعية حول النسبية الأخلاقية ذاتها ؟
ربما القليل من النسبيين الاخلاقيين سيكونون راغبين لقبول هذا النوع "العالي" من النسبية. هم يعتقدون انه حتى لو لم يتفق العديد من الفلاسفة محدودي البصيرة معهم، فان الحقيقة الأخلاقية تُعد نسبية بالنسبة لمجتمع ما، اذ انها حقيقة موضوعية تتعلق بالواقع مفادها انه لا توجد حقائق أخلاقية موضوعية بل مجرد حقائق نسبية. لكن هذا سيكون موقف قلق ولا يمكن التنبؤ به، اذا كان انصار النسبية يؤمنون بنسبيتهم استنادا الى حجة تعتمد على المبدأ القائل بانه اذا وُجد نوع معين من الاختلاف حول موضوع ما، فلا توجد حقيقة موضوعية تتعلق بذلك الموضوع. اذا كان ذلك المبدأ صحيحا، فان حقيقة وجود عدم اتفاق حول استنتاجه النسبي يعني ان الاستنتاج ذاته غير صحيح موضوعيا، ولكن فقط صحيح نسبيا. لذا اذا كانت حجة هذا النسبي جيدة، عندئذ ومن خلال معاييره الخاصة هو يجب ان لايؤمن بان استنتاجه صحيح موضوعيا، او لو كان هو مؤهلا للايمان باستنتاجه، يتبع ذلك ان الحجة ليست جيدة.
فهل نحتاج الى تقويض او هزيمة ذاتية لنؤمن ان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية، وان تلك الحقيقة حول الحقيقة الأخلاقية هي ذاتها صحيحة نسبيا أيضا؟ من المفرح اننا لا نحتاج للنظر بهذا السؤال باهتمام كبير، طالما نعتقد ان جوهر المشكلة في النسبية الأخلاقية هو ليس انها زائفة، وغير معقولة او منهزمة ذاتيا، وانما لأنها غير مفهومة. أي، ان لا وجود هناك لمفهوم واضح عن الحقيقة يمكن استخدامه لتأطير الاطروحة بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لمعايير او معتقدات مجتمع معين.
الحقيقة والعقيدة Truth& Belief
لنحاول الان توضيح هذه المعارضة عبر ادخال بعض الحقائق البديهية حول الحقيقة. أولاً، الادّعاء هو صحيح فقط اذا كان يمثّل أشياءً كما هي حقا. الادّعاء باني ارتدي جوراب ازرق هو صحيح فقط اذا كنت حقا ارتدي جوراب ولونه ازرق حقا.
نفس المبدأ العام يصمد بالتأكيد في الادّعاءات الأخلاقية. افرض اني قلت ان الانتحار غير أخلاقي، مع ذلك في الواقع الموضوعي لا وجود لمثل هذا الشيء كخطأ أخلاقي. أي، افرض ان لا شيء مما يفعله أي شخص خاطئ أخلاقيا، رغم ان بعض الأفعال تبدو خاطئة.عندئذ ادّعائي باللااخلاقية هو زائف، لأنه ينسب لأفعال معينة خاصية لا تمتلكها. انه كالادّعاء بان جورابي صُنع بواسطة السيدة ماريا. لا شيء له خاصية في كونه صُنع بواسطة ماريا، وبالتالي فان أي تصريح يزعم ان جواربي يتميز بتلك الخاصية فهو تصريح كاذب.
أولئك المنجذبون للأخلاقية النسبية ربما يعارضون بأننا نفترض هنا مسبقا مفهوم موضوعي للحقيقة: مفهوم يربط ما يُقال او يُتصور عن العالم بالطريقة التي يكون فيها العالم حقا، بشكل مستقل عن هذه الأفكار. ما في اذهانهم هو مفهوم مختلف عن الحقيقة – مفهوم لا يستلزم أي علاقة بين وجهة النظر الذاتية او التمثيلات وشيء مستقل عن وجهة النظر تلك.
نعترف باننا نفترض سلفا تصورا موضوعيا للحقيقة، لكن ما هو البديل؟ هل لدينا أي مفهوم للحقيقة لا يستلزم ذلك النوع من العلاقة؟ للتأكيد، الناس أحيانا يقولون ان الادّعاء هو صحيح لشخص معين لكن ليس للأخر – يعني ان الادّعاء يبدو صحيحا للشخص الأول لكنه لا يبدو صحيحا للشخص الثاني. ولكن مثلما الذهب ليس نوعا من الذهب، ما يبدو صحيحا او حقيقيا ليس نوعا من الحقيقة. المقصود بهذه الطريقة من الكلام، هو مجرد عقيدة. لنقل انه صحيح لبعض الأطفال ان ماريا تعيش في القطب الشمالي، لكن اذا كان ذلك يبدو صحيحا فقط لبعض الأطفال انها تعيش هناك، فهل حقا هي فقط طريقة للقول انهم يؤمنون بها. الايمان لا يجعلها هكذا. ونفس الشيء، اذا كانت الاخلاق النسبية هي فقط ادّعاء بان ما يبدو صحيحا أخلاقيا لبعض الناس (ما يعتقدونه حول الاخلاق) يبدو زائفا للاخرين، هذا صحيح لكنه لا أهمية فلسفية له، وهو منسجم مع الموضوعية حول الحقيقة الأخلاقية. انه أيضا يجدر القول ان الاخلاق النسبية المفسرة بهذه الطريقة لايمكن دعمها بحجة من عدم الاتفاق. خلاصة تلك الحجة كانت ان الاخلاق النسبية هي توضيح جيد لعدم الاتفاقات الأخلاقية التي نلاحظها. لكن الادعاء بان بعض الادعاءات الأخلاقية تبدو صحيحة لبعض الناس وزائفة للاخرين هي فقط إعادة تأكيد حقيقة عدم الاتفاقات الأخلاقية التي يُفترض ان تُوضح من جانب النسبية، انها لا تستطيع توضيح تلك الحقيقة. (ربما بعض الأشياء واضحة بذاتها لكنها ليست عدم اتفاق أخلاقي).
لذا هناك نوع مألوف للحقيقة يعتمد على المقدار الذي يكون به الواقع جزءا من عقيدة الناس او تصوراتهم، وأيضا هناك نوع زائف للحقيقة بانه لا شيء اكثر من عقيدة. النظرية النسبية للحقيقة الأخلاقية تنكر صراحة ان الادعاءات الأخلاقية صحيحة دائما (او زائفة) بالمعنى المألوف، لكن لو فُسرت بالطريقة الثانية، فان النسبية تنهار الى سخافة او تفاهة. النسبي يحتاج نوع ثالث من الحقيقة، في المنتصف بين المألوف والزائف: ليس فقط مظهر للحقيقة، ولكن ايضا ليس حقيقة تعتمد على واقع موضوعي. لا وجود هناك لهذا الشيء. على الأقل، نحن غير قادرين على تصور ما سيكون عليه هذا النوع الخاص من الحقيقة، ومن الغريب ان النسبيين صامتون حول هذه القضية المركزية.
لا طريقة ثالثة
لنتذكر ان النسبية الأخلاقية لها مكوّنان: هناك انكار لأي حقيقة موضوعية، والادّعاء بنوع آخر من الحقيقة الأخلاقية. افرض ان عدم الاتفاق الأخلاقي يثير فعلا شكوكا حول الحقيقة الموضوعية في أي مبدأ أخلاقي. هل يتبع ذلك ان الشفرات الأخلاقية هي صحيحة بمعنى آخر؟ كلا، لأنه ربما ذلك يعني ان لا ادعاءات اخلاقية صحيحة في أي معنى. قد لا يتفق الناس هنا لأنهم اندمجوا ثقافيا في مختلف الثقافات الأخلاقية، لكن جميع العقائد والمعايير الأخلاقية لكل الثقافات هي زائفة. لذا فان الحجة من عدم الاتفاق ربما حجة لعدمية أخلاقية بدلا من نسبية أخلاقية.
كيف يأمل النسبيون تأسيس اطروحتهم الإيجابية، بان الادعاءات الأخلاقية هي أحيانا صحيحة بدون ان تكون صحيحة موضوعيا؟ نحن غير مطلعين على أي حجج مقنعة لتلك الفكرة. على العكس، النسبيون يميلون بدلا من ذلك نحو حجة بتفاصيل اكثر لأجل أطروحة سلبية، بان الاخلاق ليست صحيحة موضوعيا، كما لو ان ذلك وحده كان كافيا لاستنتاجهم النسبي. وهكذا يقول برنز ان "الاحكام الأخلاقية ترتكز على العواطف"، أي، "العقل لا يستطيع ان يخبرنا أي قيم نتبنّى"، وانه حتى لو كان هناك شيء مثل طبيعة بشرية، ذلك سيكون بلا فائدة، طالما ان مجرد الحقيقة باننا نمتلك طبيعة معينة يترك السؤال مفتوح ما اذا كان الطبيعي هو جيد أخلاقيا. دعونا نسلّم بكل هذا ونسلّم لأجل الجدال انه فعلا يثير شك حقيقي حول الحقيقة الموضوعية للمعتقدات الأخلاقية. في غياب أي تفسير لنوع معين للحقيقة التي يُفترض ان تكمن في مكان ما بين مجرد العقيدة وتمثيل دقيق للواقع الموضوعي، لماذا يجب ان نعتقد بالاحكام الأخلاقية كحقائق لأي نوع؟ لماذا لا نقول فقط ان كل الشفرات الأخلاقية هي زائفة؟ سيبدو من غير المعقول للفيلسوف الذي يعتقد بالاستدلال الأخلاقي بهذه الطريقة لينظر بالمعتقدات الأخلاقية بنفس الطريقة التي ينظر بها الملاحدة للمعتقدات الدينية – كزائفة.
هناك شك ان السبب الذي يجعل بعض الفلاسفة يرغبون بطرح هذا الاستنتاج العدمي هو ببساطة انه، كما في معظم الناس، لديهم قناعات أخلاقية راسخة خاصة بهم . هم يعتقدون انه من الخطأ الأخلاقي المتاجرة بالمخدرات او اغتصاب الاطفال، مثلا، وبهذا هم لا يريدون القول ان تلك العقيدة زائفة. لأنه كيف يمكنهم الاستمرار في الاعتقاد بها، بينما أيضا يعتقدون ان ما يعتقدون به ليس صحيحا؟ هذه التسوية الغير سعيدة لا يمكن الدفاع عنها. اذا لم تكن هناك حقيقة أخلاقية موضوعية، لا يمكن ان يكون هناك نوع آخر من الحقيقة الأخلاقية.
***
حاتم حميد محسن
.....................
Moral Relativism is Unintelligible, Philosophy Now, issue 97, July/August 2013







