أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: اللغة بين القول والصمت

حدود التعبير الفلسفي عن التجربة الإنسانية

حين نحاول الإمساك بالتجربة الإنسانية في كثافتها الحية نواجه مفارقة عميقة تجعل اللغة في آن واحد، أداة للكشف وحدا للإخفاء. فهي الوسيط الذي لا يمكن التفكير خارجه، ومع ذلك يعجز عن احتواء ما يتجاوز بنيته الرمزية. لذلك قال فتغنشتاين في خاتمة رسالته المنطقية إن ما لا يمكن الكلام عنه ينبغي الصمت حياله، لا لأن تلك المناطق فارغة بل لأنها ممتلئة إلى حدّ لا تسمح فيه اللغة بالإحاطة. فالصمت هنا ليس غياب المعنى بل فائضه، وليس انقطاع الدلالة بل تخمها. ومن هذه النقطة يبدأ السؤال الفلسفي عن اللغة بوصفها حدا للتجربة وحدا ضدها في آن، إذ ما إن تتحول التجربة إلى قول حتى تفقد شيئا من حدتها الوجودية وتدخل في اقتصاد العلامة الذي يجعل الوجود قابلاً للتمثيل.

اللغة لا تعكس التجربة كما هي، بل تعيد تشكيلها وفق منطقها الداخلي. وحين يقول هايدغر إن اللغة بيت الوجود فإنه لا يقصد أنها مجرد أداة وصف، بل الفضاء الذي يسكن فيه الوجود لكي يصير قابلاً للظهور. غير أن هذا الظهور نفسه مشروط ببنية لغوية تجعل ما يظهر قابلاً للقول لا بالضرورة مطابقا لما هو كائن. هنا تتجلى المسافة الدقيقة بين القول والكينونة؛ فالكلمات لا تمسك الأشياء بل تفتح لها أفقا من المعنى، وهذا الأفق ليس محايدا بل مثقلاً بتاريخ الاستعمال وتراكمات الدلالة وأنماط الرؤية. لذلك فإن التجربة حين تمر عبر اللغة تخضع لتصفية رمزية تفقدها كثيرا من كثافتها المباشرة، غير أن هذه الخسارة هي ما يجعلها قابلة للتشارك والفهم، لأن ما لا يُفقد لا يمكن أن يُقال.

ويمكن فهم أطروحة ميرلو بونتي حين ربط الجسد باللغة بوصفهما نمطين من الظهور. فالجسد يتكلم قبل الكلمات، والتجربة تُعاش قبل أن تُقال، لكن القول ليس مجرد ترجمة لتجربة سابقة، بل إعادة إنتاج لها في مستوى آخر من الوجود. لذلك فالكلام ليس ناقلا محايدا، بل فعل وجودي يغيّر ما ينطقه. حين أقول «أنا أتألم» فإن الألم الذي صار قولا ليس هو الألم الذي كان في صمته الجسدي، بل ألم آخر تشكّل في فضاء الرمزية والتواصل. وهنا كتب بول ريكور أن اللغة لا تعكس العالم بل تفتحه على إمكانات دلالية جديدة.

غير أن هذا الفتح لا يخلو من عنف تأويلي، فاللغة حين تصوغ التجربة تفرض عليها بنية تركيبية ودلالية تجعلها قابلة للفهم وفق قواعد مشتركة. لذلك يكون القول دائما أقل من التجربة وأكثر منها في آن، أقل لأنه لا يبلغ عمق العيش، وأكثر لأنه يضيف أبعادا رمزية لم تكن فيها. ولهذا فإن كل تعبير هو خيانة بالمعنى النبيل، خيانة لما لا يمكن قوله فيما يقال. وعند المتصوفة أن الإشارة أصدق من العبارة، وإن الصمت أبلغ حين يتعلق الأمر بما يتجاوز المدار العادي للمعنى.

ففي تاريخ الفلسفة كان هذا التوتر حاضرا منذ البدايات. أفلاطون حين كتب محاوراته كان واعيا بأن الحقيقة لا تُختزل في نص مكتوب، بل تتطلب حضورا حيا وسجالا نفسيا، ولذلك نُسب إلى سقراط رفضه للكتابة لأنها تجمّد الفكر وتفصله عن سياق التلفظ. ومع ذلك لم يجد أفلاطون بديلا عن اللغة ليبلغ فكره، فكتب وهو يعلم أن ما يُكتب ليس إلا ظلا للفكرة، وهذا الوعي بالمحدودية هو ما يجعل النص الفلسفي فضاءً مفتوحا للتأويل لا مخزنا للحقيقة.

وحين أسس أرسطو المنطق سعى إلى ضبط القول بقواعد تضمن الدقة والتمييز، لكنه كان يعلم أن اللغة الطبيعية تنفلت من قبضة الصياغة الصورية، لأن المعنى يتولد في الاستعمال لا في البنية وحدها. وسيعيد فتغنشتاين المتأخر صياغة ذلك بقوله إن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. فالتجربة الإنسانية لا تُختزل في تعريفات، بل تتكشف في ممارسات لغوية حية تجعل القول فعلا اجتماعيا قبل أن يكون تمثيلا ذهنيا.

غير أن هذا الطابع التداولي لا يلغي حدود اللغة حين تواجه ما هو فريد وغير قابل للتكرار. فالتجارب الوجودية العميقة، كالألم والحب والموت والدهشة، تقاوم الإدراج في صيغ عامة، ولذلك يبدو وصفها ناقصا بالضرورة. اللغة تعمل عبر التعميم، بينما التجربة تتحدد بالفرادية. من هنا يكون الشعر أحيانا أقرب إلى الإمساك بوميض التجربة من الخطاب المفهومي، لأنه لا يسعى إلى الإحاطة بل إلى الإشارة، ولا إلى التحديد بل إلى الإيحاء، فيغدو أقرب إلى الصمت الناطق.

يشير هايدغر إلى أن الشعر هو اللغة في أصلها، لأن اللغة حين تبلغ أقصى توترها بين القول والصمت تتحول إلى إنصات للوجود لا إلى مجرد لتسميته. الشاعر لا يضع الكلمات فوق الأشياء بل ينصت لما يريد أن يتكلم عبرها. لذلك ليست التجربة الشعرية تزيينا للمعنى، بل انكشافا له في مستوى يتجاوز النثر التقريري.

لكن الفلسفة لا يمكنها الاكتفاء بالإشارة الشعرية، لأنها مطالبة بالتمييز والتحليل. ومع ذلك فإن الفلسفة العميقة واعية بأن المفهوم ليس نهاية المعنى بل بدايته، وأن الفكر الذي يظن أنه أحاط بالتجربة يكون قد قتلها في صرامته. أما برغسون فيرى أن الذكاء يميل إلى تشييء الحركة، بينما الحدس وحده يلامس ديمومة العيش. فاللغة المفهومية تميل إلى تثبيت المتغير، وإلى تحويل الزمن إلى نقاط والحياة إلى حالات، في حين أن التجربة تُعاش كتدفق.

هذا التوتر يجعل الفيلسوف في وضع إشكالي دائم، لأنه يحتاج إلى اللغة ليقول ما لا يقبل القول، وإلى المفهوم ليقبض على ما ينفلت بطبيعته. لذلك فالفلسفة ليست خطابا عن التجربة بل صراعا معها داخل اللغة، سعيا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صمت الوجود دون اختزاله في صيغ ميتة. النص الفلسفي العظيم لا يقدم أجوبة نهائية بل يفتح أسئلة لا تنغلق، لأنه يدرك أن الحقيقة لا تُمتلك بل تُسكن.

في التصوف الإسلامي تتخذ مفارقة اللغة والحقيقة صيغةً قصوى. فابن عربي حين يتكلم عن الحقائق الإلهية، لا يلجأ إلى الرمز والاستعارة تزيينا بل ضرورةً إبستمولوجية، لأنه يدرك أن الحقيقة بما هي فيض حضوري، لا تُحاط بعبارات مباشرة ولا تُختزل في مفاهيم. وتُفهم الحكمة الصوفية: «من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف وصف»، بوصفها ترميزا لسلسلة وجودية-معرفية تنتقل فيها الحقيقة من الحضور إلى الوعي، ومن الوعي إلى القول. فالذوق هو تماسٌّ مباشر مع المعنى قبل أن يتشيّأ في صورة، والمعرفة هي استقرار هذا التماس في صورة إدراكية، أما الوصف فليس إلا الأثر اللغوي لما فاض عن التجربة. ولا تأتي اللغة في البدء بل في النهاية، لا باعتبارها وعاء الحقيقة بل باعتبارها ظلَّها. في كل انتقال يُفقد شيء من الكثافة الأصلية، لكن يُكسب في المقابل إمكانَ المشاركة والتداول. فالقول لا يُعادل الذوق ولا يعوّضه، بل يشهد عليه من مسافة بوصفه بقايا تجربة تعذّر على اللغة أن تحتويها كاملة.

لذلك يكون الصمت في هذا السياق علما من نوع آخر، علما يعرف حدوده. وهذا يلتقي مع تيارات فلسفية حديثة رأت في الصمت موقفا معرفيا. فتغنشتاين حين وضع حدودا للغة دعا إلى تواضع الفكر، وإلى الاعتراف بأن العالم أوسع مما نقول عنه، وأن المعنى يشمل ما يمنح الحياة قيمتها لا ما يمكن التحقق منه فقط.

ونفهم علاقة اللغة بالأخلاق والجمال والدين بوصفها مجالات لا تُختزل في أوصاف علمية. ما يهم فيها ليس ما هو بل ما ينبغي أن يكون أو ما يُعاش كقيمة. لذلك فالكلام الأخلاقي موقف، والكلام الديني استجابة، والكلام الجمالي مشاركة في تجربة.

اللغة ليست مجرد أداة في يد الذات، بل بنية تشكل الذات نفسها. الإنسان لا يعيش ثم يتكلم، بل يعيش في الكلام، لأن وعيه بذاته وبالعالم يتوسطه نظام رمزي يحدد رؤيته وشعوره وتفكيره. وكمثال على ذلك تحضرنا أطروحة سابير وورف عن أثر اللغة في الفكر، لا بوصفه حتمية صارمة بل بوصفه فتحا لأفق خاص من الإمكانات الدلالية.

ومع ذلك توجد نواة كونية من التجربة تتجاوز اللغات، لأن البشر يواجهون الولادة والموت والحب والفقد والدهشة في كل مكان. غير أن التعبير عنها يكون دائما ترجمة مشروطة، ولهذا فالحوار بين الثقافات ليس تبادل كلمات بل اقترابا من تجارب عبر وسائط مختلفة. الترجمة فعل فلسفي لأنها تكشف أن المعنى لا يسكن الكلمات بل يتنقل بينها، وأن ما يقاوم النقل الحرفي يحمل كثافة وجودية.

حدود التعبير الفلسفي ليست حدود عجز بل شروط خصوبة، لأنها تذكّر بأن الفكر يعيش في فجوة بين ما يُعاش وما يُقال. لو تطابق القول مع التجربة لانتهى السؤال، لكن السؤال لا ينتهي لأن اللغة لا تستنفد الوجود. الصمت المحيط بالكلمات ليس فراغا بل أفق لما لم يُفكَّر فيه بعد.

تعمّق هذه الفجوة وعينا بأن اللغة فضاء تشكّل. ما نسمّيه وعيا هو في وجوه كثيرة أثر لغوي، لأن الإنسان يعي ذاته عبر سردها. قال ريكور إن الهوية سردية؛ تُحكى ولا تُعطى دفعة واحدة. وما يُحكى ليس ما وقع تماما بل ما صار قابلاً لأن يُقال.

غير أن هذه المصفاة تخضع لقوى الثقافة والسلطة. ما يمكن قوله في زمن ليس هو ما يمكن قوله في آخر. الصمت قد يكون مفروضا بآليات الإقصاء، وقد تكون هناك تجارب لا تجد لغتها لأنها لا تجد اعترافا. وهنا يظهر اهتمام فوكو بما يُقال وما يُمنع من القول بوصفه كاشفا لبنية السلطة.

الصمت قد يكون مقاومة حين تفرض لغة نفسها بوصفها وحيدة. بعض الكوارث تضع اللغة أمام مأزق أخلاقي لأن الكلام عنها قد يحوّلها إلى استهلاك. عندئذ يكون الصمت وقفة احترام أمام ما يفوق التمثيل.

لكن الإنسان لا يستطيع السكنى في الصمت طويلا. التوتر بين القول والصمت بنية دائمة تجعل كل تعبير واعيا بنقصه وكل صمت محمّلا برغبة الكلام. وهذا التوتر يمنح اللغة حيويتها.

الفلسفة مشدودة إلى حدودها لأنها تحاول قول ما يقاوم القول. لغتها تقع بين التقنية والشعر، قادرة على المفهمة دون فقدان الحس بالغامض. لذلك كان الفلاسفة الكبار كتابا كبارا، لأن شكل القول جزء من مضمونه.

الاعتراف بالحدود يمنح القول صدقه. الصمت جزء من الأخلاق الفكرية لأنه يمنع تحويل المفاهيم إلى أصنام. بعض المعاني ينبغي أن تبقى في الظل لكي لا تُبتذل.

ومع ذلك لا تتخلى الفلسفة عن الكلام، لأنها تحفظ السؤال حيّا. كل كلمة تشير إلى ما يتجاوزها، وكل نص يحمل صمته الخاص.

اللغة ليست سجنا للتجربة ولا مرآة لها بل فضاء عبورها. لو بقيت التجربة في صمتها المطلق لبقيت فردية مغلقة، ولو صارت قولا كاملا لفقدت عمقها. بين هذين الحدين يتحرك الوجود الإنساني في توتر خلاق يجعل اللغة في ولادة دائمة، ويجعل الصمت رفيق الكلمات لا نقيضها بل شرط معناها.

وهكذا لا تعود اللغة مجرد أداة نصف بها ما نعيشه، بل تصبح هي نفسها جزءا مما نعيشه، لأن التجربة حين تمر عبر القول لا تُنقل فقط بل تُعاد صياغتها داخل أفق مشترك من المعنى. إن الإنسان لا يملك تجربته إلا بقدر ما يستطيع أن يمنحها شكلًا لغويًا، ومع ذلك يبقى دائمًا شيء يتفلّت، شيء يقيم في ما لا يُقال، في ذلك الصمت الذي يرافق كل كلمة كظلها الخفي. وهذا ما يجعل الوجود الإنساني وجودا مفتوحا على الزيادة، لأن ما لا يُقال اليوم قد يجد لغته غدا، وما يبدو عصيا على التعبير قد يفتح لنفسه مسارب جديدة في القول.

تغدو الفلسفة تمرينا دائما على الإصغاء بقدر ما هي تمرين على الكلام، فهي لا تفرض المعنى على التجربة بل تحاول أن تتهيأ لاستقباله، وأن تصغي إلى ما يريد أن يتجلى عبر الكلمات دون أن يختنق فيها. إن التفلسف الحق ليس امتلاكا للحقيقة بل إقامة عند تخومها، حيث يلتقي القول بالصمت في توتر خلاق، وحيث يصبح الفكر حركة مستمرة بين ما نعرفه وما نشعر به، وبين ما نقوله وما نعجز عن قوله، في رحلة لا تنتهي نحو معنى يظل دائما أبعد بقليل مما نصل إليه.

***

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم