أقلام فكرية

الدوافع والافتراضات داخل غرفة الفلسفة (3)

ليس من المنطق في شيء أن

تتباهى بالحرية وأنت مكبل بقيود المنطق.

ميخائيل نعيمة

***

يقول الفيلسوف الدنماركي، سورين كيرغارد، في روايته مراجعة: (يغرس الواحد اصبعه في التربة فيعرف الأرض التي ينتمي إليها، من الرائحة التي يشمها، وأغرس أنا اصبعي في الوجود، فينم عبيره عن اللاشيء.. فأين أنا، ومن أنا؟ كيف جئت هنا، وما هذا الشيء المسمى العالم وكيف وصلت إليه؟ لماذا لم أسأل ولماذا لم أؤهل لأتطبع بطرقه وعاداته، بل قذفت إلى جوعه وكأنما اشتريت من خاطف ملعون أو من تاجر أرواح؟ كيف أصبحت مهتماً به؟ هل هو أمر طوعي، أم أنا مرغم على تمثيل دور فيه؟ إذا كان الأمر كذلك فأين هو المخرج... فبودي أن أراه!)، ومن نافلة القول أن نقول أن هذه الأسئلة التي أوجزها كيرغارد أفضل وأدق إيجاز، هي فحوى وسبب الأسباب الذي وجدت الفلسفة من أجله.

ولننظر في هذه الأسئلة من الزاوية الأكثر مساساً في حياة الإنسان الفرد. فكل فرد منا، ومنذ ما بعد قيام الدولة، بشكلها الحديث، لم يعد يملك نفسه ويشعر أنه مُستغل ومضحوك عليه، بل ويُجبر على عيش حياة هي ضد رغباته وطموحاته. أما الفرد في عصر ما بعد قيام الثورة الصناعية وتعقيدها لنظام الدولة أكثر وأكثر (وخاصة في زاوية إحكام الدولة لقبضتها الأمنية على حرية الإنسان ومصادرتها لأغلب مساحات الطبيعة من حوله) فلم يعد له سوى أن يعيش (مراقباً من قبل عيون الدولة، حكوماتها... وأمنياً بالدرجة الأولى) في مدن كبيرة ومعقدة، لم يساهم في إنتاجها أو تأسيسها إلا قليلاً (مجبراً في أغلب الأحيان) بحسب فرصة العمل التي تتوفر له، مستغلاً وممثلاً عليه، ومن دون أن تكون له رغبة حقيقية في تمثيل دوره فيها أو (لم يكن هو الممثل، بحسب كولن ولسن)، أي إنه مجبر على أخذ دور في الفراغ الذي رسم له أو من حوله. وهذا بالتأكيد عكس ما كان يحدث في العصور السابقة، عصور ما قبل الدولة والأنظمة والقوانين، العصور التي كان يملك الإنسان الفرد فيها لحصته من الطبيعة، بلا فرض، بلا قهر، بلا قائمة ضوابط وممنوعات.. عصور الحياة تحت رعاية الإله وفرق الملائكة الطيبين، قبل أن (تُعلم) الأديان ورجالها، أولئك الملائكة غير المرئيين، نظام الرقابة وإحصاء أنفاس البشر، وتجند الكثير منهم (أولئك الذين كان الشاعر ريلكه يصرخ بينهم "من سيسمعني إذا صرخت بين فرقة من الملائكة") في أجهزة مخابرات سرية، صامتة ولا ترى، لتحصي على البشرية أنفاسها وتهويماتها، لتقدمها للإله وتتحول إلى سيئات يجب أن تُعاقب عليها وتدفع ثمنها.

شُوهت الحياة بتشويه نظامها الطبيعي، وهذا ما حولها إلى خصم خبيث ولئيم للإنسان يتزيا بأثواب النظام والقانون. في حين أن المبدأ الفطري كان، وبتعبير رابلس (افعل ما يحلو لك)... وظل الحال هكذا، ولعدد مهول من السنين، ولحين ظهور فكرة الآلهة، التي حولت الإنسان إلى كلب تابع لسيده إلى يوم ظهور نيوتن، الذي، ودون قصد منه، أعاد طرح فكرة عودة الإنسان (ملكاً على نفسه وعلى الأرض) بتحجيم دور الآلهة أو ضرورة التخلص من فكرتها... فقام العلم، ومعه عادت أولى خطوات عودة سيطرة الإنسان على نفسه، وإلى يوم نشوء الدولة الحديثة، التي، وحرصاً على بسط سيطرتها على الإنسان، أعادت إحياء العمل بفكرة الكلب التابع لسيده، ولكن هذه المرة بين الإنسان والدولة باسم القوانين والنظام العام، وطبعاً لم تقم هذه القوانين والنظام العام إلا على حساب استقلال الإنسان الفرد وحريته. وهذا يعني، بطريقة غير مباشرة، أن ثمة تعارضاً ما بين فردية الإنسان وحريته ونظام الدولة أو النظام العام، كما تسميه الدولة، فمن أين جاء هذا التعارض وما هي أسبابه أو من أين بدأ؟

وجد الإنسان، وبغض النظر عن طريقة وجوده (سواء كان بإرادة كونية عليا مجهولة، أو كنتيجة لحركة أو متطلبات فرضتها الطبيعة أو طبيعة أشياء أو نواميس الحياة الفطرية) ليعيش على هذه الأرض دون غاية ظاهرة ومؤكدة (لو كانت تلك الغاية ظاهرة ومؤكدة ومقطوع بأمرها لما كانت الفلسفة ولإنتفت الحاجة إليها من الأساس)، ولكن بحق كامل في استخدام موجودات هذا المكان (الأرض) لإدامة حياته واستمرار بقائه والتمتع بها، والنماذج القليلة المتبقية مما يسمى بالقبائل البدائية (في غابات قارة أفريقيا وحوض نهر الأمازون) دليل ناصع على ما نقول. والطريف أن بعض أنظمة الدول التي تقع مستوطنات تلك القبائل ضمن حدود سيطرتها، توفر لها نوعاً من الحماية (تعتبرها محميات طبيعية) وتمنع باقي الناس من الاقتراب منها، سواء احتراماً لخصوصيتها أو لكونها نماذج للحياة البدائية المتوحشة التي تذكر الإنسان بماضيه البدائي المتخلف (بحسب النموذج الحضاري الذي نعيش في كنفه الآن طبعاً).

طبعاً هذه الأحكام والتقييمات وفق فهمنا نحن ووفق ما بين أيدينا من وسائل وإمكانيات حضارتنا القائمة، أما هم فلهم فهمهم الخاص للأمر بالتأكيد. ولكن بالتأكيد هم يمثلون نموذج الحياة الأولى التي عاشها أجدادنا لحد سنوات ما قبل الثورة الصناعية، بل ولقرن وأكثر، مما تلاها، في البقاع البعيدة عن الأماكن التي بدأت وتطورت فيها الثورة الصناعية. السؤال المهم والخطر، الذي يتهرب الكثير منا من مواجهته هو: من قال أن هذه القبائل (التي نراها بدائية ومتخلفة، استناداً لمقاييس حضارتنا ومنجزها التكنلوجي) ليست أكثر سعادة منا؟ على الأقل هي تتمتع بكامل حريتها الفطرية والطبيعية. من منا يتمتع ولو بجزء بسيط من حريته الطبيعية، داخل نظام دولنا؟

الحقيقة هي أن الحضارة الحديثة ونظام الدولة لم يقدما لنا أكثر من الدفع للانغماس في حالة الوجود غير الأصيل (الحياة الاجتماعية)، كما سماه هيدغر، أي اللهاث خلف الحصول على المال من أجل اقتناء الحاجات الاستهلاكية. ثم ماذا يحصل في النهاية؟ يتساءل أغلبنا وهو في الأيام الأخيرة من حياته، كما تساءل الشاعر اليوت (أين تلك الحياة التي ضيعناها في العيش؟) أهذا الذي وجدنا من أجله؟ أكان وجودنا من أجل الطعام والشراب وشراء أكبر كذا وأحدث كيت وقضاء الوقت في الثرثرة التافهة؟ أين الوجود الأصيل وكيف كان يجب أن يكون وما هي أهدافه؟ ما هي الصورة التي كان يجب أن يكون عليها وجودنا الأصيل؟ أن نكون نحن بذوات أصيلة تمتلك كامل إرادتها وحريتها وتقرر لنفسها كل ما تراه، لا أن تقرر لها أنظمة الدولة ما يراه القائمون عليها (السياسيون)، تحت طائلة وحيف ما يسمى العقد الاجتماعي وشروط العيش في ظل مجموع اجتماعي، هو ليس سوى عملية انغماس في توافه المعيش اليومي واللهاث المسعور خلف الحصول على المزيد من المكاسب المادية التي يتركها الجميع، في النهاية، ويمضون إلى القبور.

ماذا يعني هذا في النهاية؟ يعني أن هناك وجوداً أصيلاً ذهب ضحية خدعة ابتكرتها الدولة وهي الحياة ضمن شروط المجموع الاجتماعي (الحياة الاجتماعية) التي من بين أول شروطها التنازل عن الحرية والعيش دون إرادة أو بإرادة وهمية. والغريب، وبسبب الخوف الغبي واللامبرر، من الدولة ومن المجهول، يتنازل غالبية البشر عن حريتهم وإرادتهم مقابل الحياة ضمن المجموع الاجتماعي، متناسين أنهم بهذا يتنازلون عن ذواتهم وأكبر حقوقهم في كون أن كل ذات منهم وكل كيان موجود منهم، إنما هو صاحب الحقوق الأولى والكبيرة في كل ما حوله وأن ليس من حق أحد، مهما كان أسمه أو مسماه الاجتماعي أو الاعتباري، أن يساومه أو يبتز حقه هذا، لأن الأصل في النظام الطبيعي، وكما عبر عنه الدوس هكسلي (إن الذي رآه آدم في صبيحة اليوم الأول من خلقه، هو المعجزة، ثم تدريجياً... الوجود العاري). وهذا الوجود العاري كان ملكاً لآدم ولم يكن ملكاً لا للدولة ولا لأي سلطة اجتماعية أخرى. وهذا يعني أن كان له الحق – آدم - أن يتصرف بهذا الوجود كما يرى أو كما تقتضي شؤونه ووجوده وحياته، كأن يبني بيتاً لسكنه ويزرع حقلاً لخضاره، أو يستغل النهر القريب منه لصيد السمك و...، وبالتأكيد فإنه قد أورث هذا الحق لذريته أو من خلفه، من دون وجود دولة أو أي شكل من أشكال السلطة لتقنن عليه أو تمنع عنه مثل هذه الحقوق.

حدث هذا يوم كان الإنسان يملك نفسه ويتمتع بكامل حريته… أي قبل ظهور (منطق) الدولة وقوانينها… أي يوم كانت الطبيعة والوجود ملكاً لله!

***

دكتور سامي البدري

 

في المثقف اليوم