قضايا

ليلى التباني: نحو تأسيس مُبكّر للعقل النقدي

التّفَلْسُف باللّعب ضرورة إبستمولوجية من أجل إصلاح المناهج التربوية

قراءة تحليلية في كتاب"دليل التفلسف باللّعب" للمفكّرالعربي "سعيد ناشيد"

***

يشهد العالم اليوم تحوّلات متسارعة تضع النظم التربوية أمام امتحان حقيقي: هل ما تزال المدرسة تُعِدّ المتعلم للحياة، أم أنها تُعيد إنتاج أنماط معرفية لم تعد كافية لمواجهة زمن الذكاء الاصطناعي، والتضليل الرقمي، وانهيار اليقينيات الكبرى؟ ضمن هذا السياق يبرز مشروع سعيد ناشيد في كتابه "دليل التفلسف باللعب" بوصفه محاولة جذرية لإعادة تأسيس العلاقة بين الطفل والتفكير، وبين المدرسة والحرية، وبين الفلسفة والحياة. فالمؤلف لا يكتفي بنقد طرائق تدريس الفلسفة في المراحل الثانوية، بل يذهب أبعد من ذلك، داعيا إلى إدماج التفلسف باللّعب منذ المراحل التعليمية الأولى، باعتباره شرطا لبناء التفكير النقدي، ومقدّمة ضرورية لتكوين مواطن قادر على الفهم والتفاهم. من هنا يتبلور السؤال الإشكالي " إلى أي حدّ يمكن للهيئات المعنية بإعداد المناهج أن تتجاهل إدماج التفلسف باللعب في الطفولة المبكرة، في زمن أصبح فيه التفكير النقدي ضرورة وجودية لا ترفا معرفيا؟ "

يعلن ناشيد، في صيغة تحذيرية صارخة، أن الأزمة ليست في غياب الفلسفة بل في تفريغها من روحها، حينما يصرّح:  "إنكم تقتلون الفلسفة… لا لأنّكم حذفتموها… بل لأنّكم أبقيتم اسمها حيّا بالفعل، فيما جرّدتموها من روحها" (ص. 12). ويضيف موضّحا أن المشكلة تكمن في جعل التفلسف مستحيلا داخل المدرسة: " تُدرّسون الفلسفة… لكنّكم تفعلون ذلك بطريقة تجعل التفلسف مستحيلا "(ص. 12). هذه المفارقة تكشف أنّ النظام التعليمي يُراكم المعارف دون أن يُنمّي القدرة على مساءلتها. فالمدرسة ـــ كما يصفهاــــ تُفضّل الإجابة النموذجية على السؤال المفتوح.، وهو ما يؤدي إلى تكوين متعلّم يجيد الاستظهار أكثر مما يجيد التفكير، والحفظ أكثر ممّ يجيد حلّ المشكلات الحياتية.غير أن الحلّ، في نظر المؤلّف، لا يتمثّل في مضاعفة الجرعات المعرفية، بل في إعادة الاعتبار إلى التفلسف بوصفه ممارسة. فيستحضر التمييز الكانطي الشهير "لا يمكن تعليم الفلسفة، بل يمكن تعليم التفلسف" .

لكنّه ـــــ وبهذا الاستحضارـــــ لا يكتفي بإعادة المقولة، بل يسعى إلى تفعيلها بيداغوجيا عبر مفهوم اللعب. فالتفلسف، عنده، ليس خطابا مجرّدا، بل قدرة على مساءلة أكثر الأفكار بداهة،و قدرة على تجديد طاقة الاندهاش كما لو أننا خرجنا للتوّ من العدم إلى الوجود...

كما يؤكد أنّ هذه القدرة لا تُغرس عبر التلقين، بل عبر التجربة. ومن هنا تأتي أطروحته الجذرية: " لقد وُلد التفلسف من الحركة قبل المفهوم، ومن الدهشة قبل البرهان، ومن اللعبة قبل النص". (ص. 28 )

إذا كان الطفل، قبل أن يتقن اللغة، يجعل من الحركة لغته الأولى، فإن المدرسة التي تُجمّد الجسد، وتُجمّد معه إمكانات التفكير. فقبل أن نتقن اللغة، تكون الحركة هي لغتنا الأولى، ويكون اللعب مختبرنا الأول للوعي والإدراك. هذا التحليل يقود إلى نتيجة حاسمة، تجعل إدماج التفلسف باللّعب في السنوات الأولى ليس خيارا بيداغوجيا ثانويا، بل ضرورة أنثروبولوجية، لأنّ التفكير نفسه يتأسّس حركيا قبل أن يتبلور مفهوميا.

هنا تتقاطع أطروحة ناشيد مع برنامج  "الفلسفة للأطفال" الذي أطلقه ماثيو ليبمان في ستينيات القرن الماضي، والذي أثبت أن الأطفال قادرون على ممارسة التفكير الفلسفي إذا وُضِعوا في سياقات حوارية. لكن الفرق الجوهري أن ليبمان ركز على"مجتمع البحث" والحوار السقراطي داخل الفصل، بينما يضيف ناشيد بعدا جسديا-حركيا يجعل اللّعب وسيطا معرفيا. فبينما يعتمد كتاب الفلسفة للأطفال على النصوص القصصية لإثارة التساؤل، يقترح التفلسف باللّعب أن السؤال يمكن أن ينبثق من تغيير قاعدة في لعبة، أو من تفاوض حول دور، أو من اختبار الخسارة والفوز. اللّعب هنا ليس محفّزا خارجيا، بل استراتيجية تفكير قائمة بذاتها.

ولذلك يربط الكاتب بين التفلسف والأمن الروحي، معتبرا أنّه وفي عالم مكتظّ بالحقائق الجاهزة… يغدو التفلسف إحدى ضرورات الأمن الروحي. هذا الأمن الذي لا يتحقق بتكديس المعلومات، بل ببناء القدرة على الشكّ، والتمييز، وتعليق الحكم. ومن ثمّ فإن الهيئات المعنية بإعداد المناهج، إذا كانت جادة في تبني شعار "تنمية التفكير النقدي"، مطالبة بإعادة النظر في التصورات الكلاسيكية التي تؤجّل الفلسفة إلى المراحل المتقدمة، وكأنّ الطفل عاجز عن التفلسف. فالكتاب نفسه يذكّر بأن الأطفال يتوفرون على قدرات طبيعية للتساؤل لا تقلّ قوّة عن كبار الفلاسفة...

إن إدماج التفلسف باللّعب في التعليم الأولي لا يعني تحويل الفصول إلى فضاءات ترفيهية، بل إلى مختبرات للمعنى، حيث يتعلّم الطفل كيف يخطئ دون خوف، وكيف يخسر دون انهيار، وكيف يفاوض دون عنف. فيقول ناشيد: "كل خطأ هو معلومة، وإشارة، ولحظة تعلم"  (ص. 30). بهذا المعنى، يصبح اللعب تدريبا على المرونة الوجودية، وعلى قبول اللايقين، وهي مهارات لم تعد هامشية في عالم متقلب.إن مسؤولية واضعي المناهج اليوم لم تعد مقتصرة على تنظيم المحتويات، بل على إعادة تعريف أهداف التربية ذاتها. فإذا كانت المدرسة الحديثة قد ركزت على الكفاءات المعرفية، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال إلى كفاءات التفكير والحوار والعيش المشترك. والتفلسف باللّعب يقدّم إطارا عمليا لتحقيق ذلك، لأنّه يدمج الجسد بالعقل، والحرية بالقانون، والتنافس بالتعاون، في تجربة واحدة  وفق سيرورة، تجعل السؤال مفتوحا أمام الهيئات التربوية:

- هل ستظل الفلسفة مؤجّلة إلى سنّ متأخرة، حيث يكون الخيال قد تراجع والدهشة قد خبت، أم ستُدرج التفلسف باللّعب منذ السنوات الأولى، حيث يتشكّل الوعي وتُبنى العادات الذهنية ؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي دون إعادة النظر في العلاقة بين الطفل والسؤال؟

إنّ مستقبل المواطنة النقدية لا يُبنى في قاعات الامتحان، بل في دوائر اللّعب الأولى، حيث يتعلّم الطفل، بلا خوف، أن يسأل، وأن يشكّ، وأن يعيد بناء المعنى. وربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُؤرق صانعي القرار اليوم:

أي مجتمع نريد، إن لم نُعلّم أبناءه منذ الطفولة كيف يفكرون وهم يلعبون، وكيف يلعبون وهم يفكرون؟

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في المثقف اليوم