قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: من لاوعيِ النصّ إلى ضميرِ الواقع

التحليلُ النفسيّ والنقدُ الإيكولوجيّ بوصفهما فلسفةَ نجاةٍ معاصرة

لم يعد الإنسان المعاصر يقرأ النصوص كما كان يفعل في الأزمنة الكلاسيكية؛ إذ لم تعد اللغة سطحاً يشفّ عن معنى واحد، ولا الطبيعة خلفيةً صامتةً لحكاية البشر. لقد صار النصُّ كائناً نفسياً، وصارت الأرضُ ذاتاً أخلاقيةً، وأضحى النقد — في تحوّلاته الحديثة — محاولةً مزدوجةً لفهم جرح الإنسان في داخله، وجرحه الذي تركه خارج نفسه أيضاً. فمن لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض يمتدُّ خيطٌ خفيّ يعيد مساءلة معنى الوجود الإنساني ذاته.

أولاً: لاوعي النصّ — حين تتكلّم اللغة بما لا يقصده صاحبها

مع التحليل النفسي لم يعد المؤلف سيّد نصّه المطلق؛ فقد كشف سيغموند فرويد أن الإنسان نفسه لا يملك سيادة كاملة على ذاته، فكيف يمتلكها على لغته؟ إن الرغبات المكبوتة، والذكريات المنسيّة، والقلق الجمعي، تتسرّب إلى العبارة كما يتسرّب الحلم إلى نومٍ مضطرب.

النصّ إذن لا يقول ما يعلنه فقط، بل ما يخفيه أيضاً.

ومن هنا جاءت جهود الناقد الفرنسي جان بيلمان نويل الذي سعى إلى إقصاء مركزية المؤلِّف، والبحث عن «اللاوعي النصّي»، حيث تصبح الكلمات آثاراً نفسية لا مجرد أدوات بلاغية. فالجملة قد تكون اعترافاً مؤجلاً، والاستعارة عرضاً نفسياً، والصمت بين الكلمات منطقةً مملوءة بما لا يُقال.

إن اللغة — وفق هذا المنظور — ليست خطاباً فحسب، بل عرضٌ نفسيٌّ يتخفّى في هيئة جمال.

ثانياً: من السخرية إلى التفكيك — النصّ بوصفه حواراً مع غيابه

لاحقاً، وسّع الناقد الفرنسي بيير بيار هذا الأفق حين اقترح أن القراءة ليست بحثاً عن المعنى النهائي، بل عن احتمالاته الساخرة والمفارِقة. فالنصّ عنده لا يُقرأ فقط بما كُتب، بل بما لم يُكتب أيضاً.

وهكذا صار النقد النفسي أقرب إلى حوار مع الأشباح:

أشباح الرغبة،

وأشباح السلطة،

وأشباح الخوف الجمعي.

فالقارئ نفسه يدخل النصّ محمّلاً بلاوعيه، فتغدو القراءة لقاءً بين لاوعيين لا بين عقلين.

ثالثاً: النفس والطبيعة — من عقدة الإنسان إلى جرح الأرض

غير أن التحليل النفسي لم يتوقف عند الإنسان وحده. فمع الأزمات البيئية المتلاحقة ظهر سؤال جديد: هل تحمل الحضارة الحديثة أعراضاً نفسية انعكست على علاقتها بالطبيعة؟

لقد رأى بعض المفكرين أن استنزاف الأرض ليس أزمة تقنية فقط، بل عرضٌ نفسيٌّ عميق: رغبة السيطرة، والخوف من الفناء، والهروب من هشاشة الإنسان أمام الكون.

وهنا يلتقي التحليل النفسي بالنقد الإيكولوجي.

فالطبيعة في الأدب الإيكولوجي لم تعد مجرد مشهد، بل شخصية حيّة:

الغابة ذاكرة،

والنهر ضمير،

والصحراء اختبارٌ أخلاقي.

إن الإنسان الذي قطع صلته الرمزية بالأرض فقد جزءاً من توازنه النفسي.

رابعاً: البعد الاجتماعي — البيئة بوصفها مرآةً للعدالة

يكشف النقد الإيكولوجي أن الخراب البيئي ليس محايداً اجتماعياً. فالمناطق الأكثر فقراً غالباً ما تتحمل عبء التلوث والحروب المناخية والهجرة القسرية.

ومن هنا يصبح الأدب مساحة احتجاج أخلاقي.

الرواية الديستوبية، على سبيل المثال، لا تتنبأ بالمستقبل فقط، بل تكشف خوف المجتمع من ذاته. إنها حلمٌ جماعيٌّ مضطرب يشبه ما وصفه كارل يونغ باللاوعي الجمعي، حيث تتكرّر الرموز نفسها لأن المخاوف واحدة.

فالأرض المريضة انعكاسٌ لإنسانٍ قلق.

خامساً: الإيروسية والطبيعة — حين يعود الجسد إلى أصله

في الأدب الإيكولوجي تتخذ العلاقة بين الإنسان والطبيعة بعداً إيروسياً رمزياً؛ إذ يعود الجسد إلى إدراك جذوره الأولى.

الحب ليس فقط علاقة بين شخصين، بل مصالحة بين الكائن والعالم.

فالعشب، والمطر، والرائحة الأولى للتربة بعد المطر، تصبح استعارات لشفاء داخلي. إن الإيروس هنا ليس إثارة حسّية، بل توقٌ إلى وحدة مفقودة بين الإنسان وبيئته.

سادساً: اللغة بوصفها مسؤولية أخلاقية

إذا كان التحليل النفسي قد كشف أن الكلمات تخفي ما لا نعترف به، فإن النقد الإيكولوجي يذكّرنا بأن الكلمات تصنع العالم أيضاً.

فكل خطاب يمجّد الهيمنة والاستهلاك يشارك — ولو رمزياً — في تخريب الأرض.

والأدب الذي يعيد الإصغاء إلى الأشجار والأنهار يعيد تدريب الحساسية الإنسانية على التواضع.

إن اللغة ليست وصفاً للطبيعة فقط؛ إنها طريقة العيش فيها.

خاتمة: إعادة كتابة الإنسان

من لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض تتكوّن رحلة واحدة: إعادة كتابة الإنسان نفسه.

فالتحليل النفسي يعلّمنا أن نواجه ظلالنا الداخلية، والنقد الإيكولوجي يطالبنا بأن نواجه آثارنا الخارجية.

وإذا كان النصّ مرآة النفس، فإن الأرض مرآة الضمير.

وحين يتعلّم الإنسان أن يقرأ الاثنين معاً — جرحه الخفي وجرح العالم — ربما يكتشف أخيراً أن النجاة ليست في السيطرة، بل في الإصغاء؛ لا إلى صوته وحده، بل إلى همس اللغة، وأنين الطبيعة، وما بينهما من معنى ينتظر أن يُولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم