قضايا

عبد الهادي عبد المطَّلب: في حضرة الخيال يبني الطّفل عالماً جديدا

«الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه..» (جورج برنارد شو)

تقديم: تفرّد الإنسان بمزايا كثيرة ساهمت في تمكينه من تنظيم وفهم وتطوير وتشكيل حياته، وتطويع مصاعبها من أجل حياة أفضل، من أهمّ هذه المزايا، مزية التّخيّل Imagination التي تشكّل ذهنيته على أساس من القدرة والفعل، أي بين ما يسكن الذهن والفكر، وما يُصاغ واقعاً لاستساغة عيشه وتشكيله بما يناسب حياته، ويبني مستقبله أوْسَع من حدود اللحظة.

في زمن تراجعت فيه الحكايات، وانحسر بريقها وتلاشى صداها، وشحّ خيال الجدّات والأمّهات، ولم تَعُدْن حكّاءات ماهرات كما كُنَّ من قبل، يبرعْن في السفر بخيال الأطفال إلى عوالم يصعب الوصول إليها شهادةً، لا لأنّ الحكاية فقدت سحرها، بل لأن العالم غيّر وِجهته وطريقته في التّلقّي والإصغاء. فحين كان للحكاية أسْرارها، كانت الوجوه تتقابل، والأصوات تتشارك وتتقاطع، والذّاكرة تُصاغ وتُبنى. غير أنه وانسجاما مع السرعة التي تبنتها الحياة عقيدة، اختُزل العالم اليوم، في شاشة تتَّسع لراحة اليد، انمحت الدّهشة، وتحوّلت الحكاية من فعل جمالي وجماعي حي، إلى ومضات عابرة تُمرّر بلمسة من أصبع، وتُدفن في ركن مظلم من الذّاكرة، وتُنسى بسرعة، من دون أن تبني ذاكرة أو عالما يعوّل عليه، إذ حين يركب الأطفال بالخيال صهوة الحكايات، لا يوقفهم حدّ، يجوبون عوالم غريبة، فنتازية، مستحيلة، يستقون منها ما يبنون به عالمهم وواقعهم، ويؤثثون معارفهم، ويبنون غدهم.

حين تراجعت الحكايات، واختُزِل العالم في شاشة سرقت من الجدّات الحكايات، تفرَّق من حولهن السّامعون والمتعطّشون للحكي الجميل الذي يصبغ أيامهم ألوانا وإيقاعات، ممّا جعل شروط الحكي تتغيّر، ولم يعُد الحكي فعلَ قربٍ واقتراب وسكينة، بل تسلّل الصَّخب والضّوضاء الرّقمي إلى البيوت الآمنة، والسّاحات العامرة بالدّفء، والتّجمّعات والمدارس، ومضارب الحكي في الحلقات، حتى صارت الحكايات تعيش اغترابا في زمنٍ لا يعترف بالبطْء، ولا بالتّفكير النقدي أو الخيال، بل بالسرعة الفارغة من المعنى، تمشي بين النّاس فلا يصغي إليها أحد،  زمنٍ يقصي التّفاصيل التي تمنح المعنى دفئه، ويُنظر إلى الخيال بوصفه ترفا يُعرقل العبور إلى الغد المشرق، زمنٍ لم يعد يقبل السؤال مفتاحاً للتفكير النقدي، ولا الخيال بانياً لواقعٍ يؤسّس لنظرة جريئة للحال، ولا القلب مفتاحاً للدّهشة بدايةً ومُنْتهى.

وإذا كانت الحكاية هي الأصل، والصّيغة الأولى التي أسّست لواقع الإنسان، وبها استأنس وآنس غضب الطبيعة، حين كان البرق لُغزاً، والريح كائناً غاضبا حين يُزمجر، والليل مرتعا للخوف وامتحانا له، الْتَجأ الانسان إلى الحكاية والخيال فروّض المجهول، وصنع للأصوات معنى، وللظّواهر أسماء، وفتح بذلك قنوات للمغامرة والتّحدّي، فصار العالم من حوله أقل وحشة، وأكثر قابلية للعيش والفهم، وكانت وعداً خفيا بأن الغد يمكن تخيّله، ثم صناعته لعيش أفضل. فكان الخيال أداةً لتوسيع مجال هذا الاستئناس وتطويع الواقع، وحصْر الخوف من غضب الطبيعة والإنسان، فأصبحت الحكاية وما يؤجّجُ سحرها أداة بناءٍ وترتيبٍ لحياةٍ وواقعٍ يُبنى في حدودها، ويتجاوزها تخييلاً وفعلاً تمهيداً لغدٍ آمن.

وبما أن العالم قابل لصياغة جديدة، لأنه في تحوُّل مستمر، فإنّ الحكاية بهذا المعنى، تختزن التجارب والأفكار والتّصوّرات والأحداث، وتحرر الواقع من ثقل الزمان والمكان، وتبني بينهما جسورا للامتداد عبر الخيال الذي لا يعني الإثارة والإيهام والأحلام فقط، بل يدفع إلى فهم العالم بمعانيه وعلائقه ورموزه وإشاراته وإيقاعاته، إذ يلعب دورا مهما في تكوين أبنية الأفكار والاحتمالات والمسارات، وإقدار الإنسان على تجاوز اللحظة، وتوجيه السلوك، وصياغة المعنى، وتحديد الغايات.

يعدّ الخيال أحد أهمّ الجسور التي يعبرها الطفل من عالم الشهادة إلى عالم التخييل الذي يصنعه بذهنه ويملأه بالصّور والمعاني والمعلومات التي يستقبلها من الحكايات عبر تحويل وقائعها إلى رموز يفسّرها بطريقته التي تُقرّبه من العالم، فيبدأ في ممارسة التفكير النّقدي الذي سيكون أساسا لكل إبداع لاحقا.

والطفل لا يمكنه أن يستوعب المعلومات والحقائق إلاّ مستعينا بمخيلته التي تصور له كل العناصر في تركيب خاص، دون الحاجة إلى إعادة الأحداث من جديد، لأن الخيال يضعه خارج اللحظة، وخارج حواسّه فيتخيَّل ما ليس له وجود أصلا، وبهذا يصل إلى المعنى، وفهم ما يدور في محيطه وبيئته فهما صحيحا، وبالتالي يصل إلى الإبداع والتفكير النقدي الخلاق، إذ بالخيال، ومع مرور السنوات، تتحول الأشياء إلى عوالم تبني مستقبله، تُبَلْوِر أفكاره إلى معارف وسلوكات تستمر معه لتجاوز ما هو تقليدي بسيط، إذ في لحظة التّخيل، لا يخضع الطفل لقوانين الواقع، بل يندمج في قوانين الخيال، ويركب المستحيل، فتتولّد الفكرة، وتتّضح الصّورة، ويتشكّل الواقع، ويظهر الإبداع.

الطفل في حضرة الخيال..

تشكل الطفولة مرحلة أساسية في بناء الإنسان، حيث تتكون خلالها البنى الأولى للتفكير واللغة والوجدان، ويعتبر الخيال أهم مكونات هذا البناء، إذ يُتيح للطفل إعادة تشكيل الواقع، وتجاوزه، وإعطائه دلالات جديدة، إذ يتجلّى الخيال عند الأطفال في اللعب، والحكايات، والرسم والرقص، ولعب الأدوار، والتقليد والمحاكاة. يرى بياجي أن الخيال يرتبط بمرحلة التفكير ما قبل العمليات، حيث يستخدم الطفل الرموز لتعويض محدودية التفكير المنطقي، بينما يرى فيغوتسكي الخيال نشاطاً اجتماعياًـــــ ثقافياً يتطوّر عبر التفاعل مع المحيط واللغة.

في حضرة الخيال، يغدو الطفل في قلب العالم لا على هامشه، فالخيال بالنسبة للأطفال ليس ترفاً ذهنيا ولا هروباً من الواقع، بل أداة لفهمه وإعادة تركيبه، وإقامة علاقات بين ما يراه وما يشعر به، ليبني عالمه الخاص، فيصير اللعب تفكيراً، والحكاية بناء لعالمٍ تسكنه الألوان والمغامرات والإيقاعات.

في حضرة الخيال، يتعلّم الطفل الحرية قبل القواعد، ويختبر الإمكان قبل الواقع، إنه الفضاء الذي يجرب فيه فشله وخوفه، ويصوغ أسئلته الكبرى عن الخير والشر، والحب والكُره، والذات والآخر.

في حضرة الخيال، يربط الطفل بين رغباته ومشاعره وأحلامه وبين رؤيته لغده، فينسج ملامحه بدافع فطري، لا بوعي مكتمل، ولا منطق جاهز، فهو يستعدّ ويهيئُ أسلحته لتخطّي الحواجز وطرح الأسئلة.

في حضرة الخيال، يشعر الطّفل بالأمان، أمام السؤال المقلق والمدهش والغريب، أمام الخطأ الذي منه يتعلم، وأمام العالم حين يواجهه، فيرى العالم من حوله مفتوحاً على ممكناتٍ تجعل منه المنطلق والمنتهى، حين يُسكِنُ هذا العالم في لعبة، في إيقاع، في حكاية لا تنتهي عندها الحدود.

في حضرة الخيال، يواجه الطّفل قلقه، ويمنح الأشياء معنى، يُمرّن ذهنه على إعادة إبداع عالمه وهو في كامل حريته، ينصت لذاته ولصوته الدّاخلي، بعيداً عن اللغة، بعيداً عن الكلمات والقواعد الجافّة، يُشعره بالأمان، وأنّه أحقّ بالحلم الذي يولد من فراغ، بل من خيال يكبر داخله، فيتعلّم أن المستقبل ليس زمناً بعيداً، بل قريباً منه حين يعيشُ لحظة خيال.

الخيال وصناعة الإبداع..

إذا رجعنا إلى ما قاله الأولون عن الخيال بوصفه إعادة خلقٍ للعالم وتطويرٍ له، نجد أن الجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والفرابي، وابن عربي، وغيرهم، لم ينظروا إلى الخيال باعتباره هروبا من الواقع، بل باعتباره وسيلة لإعادة تشكيله وفهمه، وقوة خالقة تصنع الصورة، وتُحدث الانفعال، وتعمّق المعرفة، وتكشف الحقيقة، إنه القدرة على أن نرى ما وراء الظواهر، وأن نعيد بناء العالم داخلنا قبل أن نعيد بناءه في الواقع. وإذا كان الإبداع هو تجاوز المألوف، فإن هؤلاء، قد أدركوا أن هذا التّجاوز يبدأ دائما من الخيال.

يقول كريستوفر فراي «إن أول قدرة يجب أن نهتم بها قبل أن تصدأ بسبب عدم الاستعمال، هو الخيال، فالخيال هو الذي يجعل العالم يبدو لنا كل يوم جديدا» فبين الخيال والإبداع علاقة قوية، فالخيال أولى مراحل الإبداع، وشرارته التي تفتح باب المغامرة، أوليس الإبداع مغامرة؟ بل هو أهم آلياته حين يتخطّى المعقول والمحسوس والمرئي، للوصول إلى الربط بين الوقائع والأحداث والإمكانيات للوصول إلى الأفضل والأصلح، وإلى رؤية بمنظور جديد.

بناء على ما سبق، كيف يمكن للطفل أن يتجاوز ما يعيشه الآن، على مستوى التفكير والممارسة والتخييل، من تكرار ما كان، ومحاكاة وتقليد ما تركته السنوات العجاف من أفكار ومشاريع مكرّرة؟ بل، كيف نُخرجه من حالة الجمود الخيالي التي تفرضها التقاليد التي تكبّل المدرسة؟ كيف نحول الدهشة والسؤال لدى الطفل، إلى بذرة تشعل الخيال وتغذيه بما هو جميل، بعيداً عن التقليد وتكديس المعلومات في عقله؟ بمعنى آخر، كيف نُبعد الطفل عن أن يعيش في جلباب من سبقوه، يعيد ما فعلوه، ويمجُّ ما تركوه من إرثٍ ذابلٍ بعيدٍ عن الخيال؟

الطفل تُدهشه الحكاية بأسرارها وأحداثها وإيقاعاتها، وتُطفئُ فتيل الملل بداخله، لذا يظل الخيال نسغ الحكي، وروح الإبداع، واستمرار الدهشة، ومُحرِّكُ الأسئلة الثاوية في عوالمه التي تعُجُّ بالأسرار، لحلّ مشكلاته، ومواجهة تحديات الحياة التي تعترضه. بهذا نبني مبدعاً، مفكّراً، لا نموذجا مُكرّرا لمن مضى، لهذا، كما يقول بيكاسو «كل طفل هو مبدع، لكن المشكلة كيف نبقيه مبدعا حين يكبر» فاحتقار عقل الطفل، والنّظر إليه على أنه قاصر محدود الخيال، يقبل كل ما يُقدم إليه، وأنه قالب يأخذ كل شيء من دون ردّ، بل نفتح له آفاقا لا يكرّر عبرها ما هو كائن، ونحبّب له ما يدفعه إلى الاجتهاد، وتفعيل ملكاته الخيالية والإبداعية، وإعمال العقل ليتحرّر من المألوف والمكرور، في محاولات لإعادة تشكيله، وعلى أنقاضه يبني عالماً يتماشى مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها عصره، وإبداع ما يمكن أن يكون. فالطفل لا يكتفي بأن يكون متلقيا لما هو كائن، بل يمارس فعل البناء على أنقاض الكائن والجاهز، فبالخيال يجد الطفل مساحته الآمنة ليُعيد ترتيب «الفوضى»، وليمنح المعنى لما يبدو غامضاً أو متناقضاً. لذا، يُعدّ الخيال آلية لفهم ومقاومة في آن واحد، إذ يُعيد تشكيل العالم بما يتلاءم مع قدرته على الاستيعاب، ومُختبراً سرّياً يُجرّب فيه الطفل أدوارا جديدة حين يدخل المغامرة فيكتشف إمكانات لم تتحقّق بعد.

وبعد، فالطّفل في حاجة إلى أن نمنحه أسلحةَ مواجهة التّحوّلات المتسارعة التي يعرفها عصره، لذا، يُعدّ الخيال ضرورة تربوية، لا تقلُّ أهمية عن المعرفة ذاتها، لأنه يمنح الطفل القدرة على التّكيُّف من دون أن يفقد ذاته، وعلى الابتكار من دون أن يقطع صلته بواقعه. فالطّفل الذي يتخيل، لا يعيد تشكيل العالم فحسب، بل يعيد تشكيل نفسه أيضا. إنه يبني عالما يوازي الواقع، لكنه أكثر رحابة، وأكثر إنسانية، وأكثر استعدادا للمستقبل.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب

الدار البيضاء/المغرب

في المثقف اليوم