أقلام فكرية
منير محقق: سبينوزا والسياسة
نحو تأسيس عقلاني للدولة بين سلطة السيادة وأفق الحرية
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا من خلال استكشاف مفاهيمه المركزية، وعلى رأسها الحق الطبيعي، والدولة، والسيادة، والحرية. وتنطلق من فرضية مفادها أن سبينوزا لا يقدّم مجرد نظرية سياسية جزئية، بل يؤسس تصوراً فلسفياً متكاملاً يعيد بناء العلاقة بين الفرد والسلطة على أسس عقلانية. كما تسعى الدراسة إلى إبراز التوتر الداخلي في هذا المشروع بين توسيع سلطة الدولة وضمان حرية الأفراد. وتعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يستند إلى نصوص سبينوزا الأساسية، مع استحضار قراءات فلسفية حديثة، وإبراز راهنية هذا الفكر في السياق العربي والمغربي.
على سبيل الافتتاح:
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، حيث تتصدع اليقينيات التقليدية وتبرز الحاجة إلى إعادة بناء أسس العيش المشترك، يتقدم الفكر الفلسفي ليؤدي وظيفة نقدية وتأسيسية في آن واحد. وفي هذا الإطار، يبرز باروخ سبينوزا بوصفه أحد أعمدة الفلسفة الحديثة الذين سعوا إلى تحرير السياسة من هيمنة اللاهوت، دون الوقوع في العدمية أو الفوضى.
لقد عاش سبينوزا في سياق أوروبي اتسم بالصراعات الدينية والانقسامات السياسية، مما جعله يدرك أن مصدر الأزمة لا يكمن فقط في اختلاف المعتقدات، بل في غياب إطار عقلاني ينظم العلاقة بين الأفراد داخل الدولة. ومن هنا، تشكل مشروعه السياسي كاستجابة فلسفية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي على أساس عقلاني، يضمن في الوقت ذاته حرية التفكير والتعبير.
السياق التاريخي وتشكّل الوعي السياسي:
لا يمكن فهم التصور السياسي السبينوزي دون استحضار السياق التاريخي الذي تشكّل فيه. فقد ولد سبينوزا سنة 1632 في أمستردام، داخل مجتمع متعدد الانتماءات الدينية، وعرف مبكراً تجربة الإقصاء بعد طرده من الجماعة اليهودية بسبب آرائه النقدية. وقد كان لهذا الحدث أثر عميق في توجيه تفكيره نحو مساءلة أسس السلطة، سواء كانت دينية أو سياسية.
إن تجربة النفي هذه لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل شكلت لحظة تأسيسية دفعت سبينوزا إلى البحث عن نموذج سياسي بديل يضمن حرية الفرد داخل إطار جماعي منظم. ومن هنا، يمكن القول إن مشروعه السياسي هو استجابة فلسفية لأزمة تاريخية، تتجاوز سياقها الخاص لتطرح أسئلة ما تزال راهنة إلى اليوم .
الحق الطبيعي كأساس أنطولوجي للسياسة:
يشكل مفهوم الحق الطبيعي حجر الزاوية في البناء السياسي لدى سبينوزا. غير أن هذا المفهوم يأخذ لديه دلالة مغايرة للتصورات التقليدية، إذ لا يرتبط بالقيم الأخلاقية أو القوانين الوضعية، بل يعبر عن قدرة الكائن على الفعل. فكل موجود، بحسب سبينوزا، يمتلك من الحق بقدر ما يمتلك من القوة.
هذا التصور يفضي إلى فهم واقعي للطبيعة البشرية، حيث لا يُنظر إلى الإنسان ككائن أخلاقي بالضرورة، بل ككائن يسعى إلى الحفاظ على وجوده. ومن ثم، فإن الصراع يصبح عنصراً بنيوياً في حالة الطبيعة، مما يجعل الانتقال إلى الدولة ضرورة لا مفر منها.
غير أن هذا الربط بين الحق والقوة يثير إشكالاً فلسفياً عميقاً، يتمثل في مدى إمكانية تأسيس نظام عادل على أساس غير معياري، وهو ما يفتح المجال لنقد المشروع السبينوزي من زاوية أخلاقية.
الدولة كضرورة عقلانية لتنظيم الوجود المشترك:
ينتقل سبينوزا من تحليل حالة الطبيعة إلى تبرير قيام الدولة بوصفها ضرورة عقلانية. فحالة الطبيعة، رغم ما تتيحه من حرية، تظل غير مستقرة، لأنها تقوم على صراع دائم بين الأفراد. ومن هنا، تظهر الدولة كإطار تنظيمي يهدف إلى ضمان الأمن وتحقيق الاستقرار.
غير أن ما يميز هذا التصور هو أن الدولة لا تُفهم كقيد على الحرية، بل كشرط لتحقيقها. فهي تتيح للأفراد الانتقال من وضع تحكمه الأهواء إلى وضع تحكمه القوانين، وهو ما يعزز قدرتهم على العيش المشترك .
ومع ذلك، فإن هذا التبرير العقلاني للدولة لا يخلو من توتر، إذ يمنحها سلطة واسعة قد تتحول، في بعض السياقات، إلى أداة للهيمنة، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في حدود السلطة السياسية.
السيادة بين المصلحة العامة وإشكال السلطة:
يمنح سبينوزا للسلطة السياسية مكانة مركزية، حيث يعتبرها الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم الشأن العام. وتستمد هذه السيادة مشروعيتها من قدرتها على تحقيق المصلحة المشتركة، لا من أي أساس ديني أو تقليدي.
غير أن هذا التصور يطرح تساؤلات نقدية، تتعلق بمدى إمكانية ضمان التزام الدولة بهذا الهدف. فالتاريخ يبين أن السلطة، حتى حين تُبرر عقلانياً، قد تنحرف عن غاياتها، وهو ما يجعل من الضروري التفكير في آليات لضبطها.
الحرية الفكرية كشرط للاستقرار السياسي:
يُعد دفاع سبينوزا عن حرية التفكير من أبرز ملامح مشروعه السياسي، حيث يرى أن قمع الأفكار لا يؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار. ولذلك، يدعو إلى ضمان حرية التعبير، معتبراً أنها لا تتعارض مع سلطة الدولة، بل تعززها.
غير أن هذه الحرية لا تُفهم بمعناها المطلق، بل ضمن حدود تضمن عدم الإضرار بالنظام العام. وهنا يظهر التوازن الدقيق الذي يسعى إليه سبينوزا بين الحرية والنظام، وهو توازن يظل إشكالياً، لكنه يعكس وعياً عميقاً بتعقيد الحياة السياسية.
على سبيل الختام:
يتضح من خلال هذا التحليل أن المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا يمثل محاولة فلسفية متقدمة لتأسيس دولة عقلانية، قوامها تنظيم القوة وتحقيق الحرية. فقد نجح في تجاوز التبريرات اللاهوتية التقليدية، مقدماً تصوراً يقوم على فهم واقعي للطبيعة البشرية.
غير أن هذا المشروع، رغم قوته النظرية، يظل محكوماً بتوتر داخلي بين منطق السلطة ومتطلبات الحرية، وهو ما يجعله مفتوحاً على التأويل والنقد. وتكمن أهميته اليوم في كونه يتيح أفقاً للتفكير في شروط بناء دولة حديثة، خاصة في السياق العربي والمغربي، حيث تظل مسألة التوازن بين الاستقرار السياسي وضمان الحريات من أبرز التحديات.
نتائج الدراسة
يؤسس سبينوزا لنظرية سياسية عقلانية مستقلة عن اللاهوت.
الدولة ضرورة لتنظيم الحرية لا لإلغائها.
الحرية الفكرية شرط للاستقرار السياسي.
المشروع السبينوزي يتضمن توتراً بين السلطة والحرية.
توصيات الدراسة
ضرورة توظيف الفكر السبينوزي في تحليل الإشكالات السياسية المعاصرة.
تعزيز حرية التفكير كمدخل للإصلاح.
تطوير دراسات مقارنة بين سبينوزا والفكر السياسي الإسلامي
استثمار هذا التصور في بناء نموذج سياسي متوازن في الدول العربية.
***
د. منير محقق
................................
لائحة المصادر والمراجع
Spinoza, B. (2002). Ethics (Trans. Edwin Curley). Penguin Classics. (Original work published 1677)
Spinoza, B. (2020). Theological-Political Treatise (Trans. Michael Silverthorne & Jonathan Israel). Cambridge University Press. (Original work published 1670)
Strauss, L. (1952). Persecution and the Art of Writing. University of Chicago Press.
Balibar, E. (1998). Spinoza and Politics. Verso.
Zac, S. (1998). Spinoza et la politique. Presses Universitaires de France.







