عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: إشكالية التراث والعقل في الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة

يبدو أن سؤال التراث في الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة قد خرج منذ زمن عن دائرة التداول السطحي الذي يكتفي برفع شعارات الهوية أو القطيعة ليدخل مجالا أكثر التباسا وتعقيدا حيث تتقاطع رهانات المعرفة مع هواجس الوجود التاريخي ويتداخل فيه سؤال العقل مع سؤال الانتماء في لحظة فكرية مشحونة بقلق مزدوج: قلق المحافظة على المعنى في سياق التحول وقلق إنتاج المعنى في أفق لم يعد يقبل التكرار ولا الاستنساخ. ذلك أن التراث لم يعد مجرد مادة خام للشرح أو التمجيد بل تحول إلى حقل توتر تتجاذبه قراءات متباينة تتوزع بين من يرى فيه إمكانا للنهضة المؤجلة ومن يراه عبئا يثقل حركة الفكر ومن يحاول أن ينفذ إلى أعماقه لا لاستخراج أجوبة جاهزة بل لطرح أسئلة جديدة.

في هذا الأفق يتقدم العقل لا بوصفه أداة محايدة بل باعتباره رهانا وجوديا وثقافيا، إذ إن طبيعة العلاقة التي يقيمها المفكر مع تراثه تكشف في العمق عن تصوره للعقل ذاته، أهو عقل شارح يعيد ترتيب الموروث وفق منطق داخلي مغلق أم عقل ناقد يشتبك مع النصوص قصد تفكيك بنياتها وإعادة تركيبها أم عقل مبدع يغامر بتجاوز الحدود دون أن يفقد جذوره؟ ههنا تحديدا تنعقد الإشكالية في بعدها المغربي الخاص حيث لا يمكن فصل النقاش حول التراث عن السياق التاريخي الذي عرف تماسا كثيفا مع الحداثة الأوروبية ولا عن الإرث الأندلسي والمغاربي الذي منح للفكر المغربي خصوصيته داخل المجال العربي الإسلامي.

لقد أدرك عدد من المفكرين المغاربة أن التعامل مع التراث لا يحتمل موقفا ساذجا يقوم على التقديس أو الرفض إذ إن كليهما يعطل فعل التفكير. فالتقديس يحول النصوص إلى أصنام معرفية مغلقة والرفض يقطع الصلة مع ذاكرة فكرية شكلت شروط إمكان الوعي ذاته. من هنا جاءت الدعوة إلى ما يمكن تسميته “العقلنة الداخلية للتراث”، أي استنطاقه من داخله والبحث عن آلياته المعرفية واستكشاف منطقه الخاص بدل إسقاط نماذج خارجية عليه إسقاطا تعسفيا. هذا التوجه يجد صداه في قول أحد الأصوليين إن “النظر في الدليل فرع عن تصوره” وهو ما ينسحب على التراث ذاته إذ لا يمكن الحكم عليه قبل فهم بنيته وأدواته.

غير أن هذا المسعى لم يخل من مفارقات إذ سرعان ما اصطدم بإشكال أعمق يتعلق بطبيعة العقل الذي يمارس هذا الفهم، هل هو عقل تراثي يعيد إنتاج نفس الشروط التي أنتجت التراث أم عقل حديث يستعير أدواته من فلسفات أخرى؟ هنا تتجلى لحظة التوتر القصوى حيث يصبح العقل نفسه موضوع مساءلة وتغدو الكتابة الفلسفية مجالا لصراع خفي بين أنماط متعددة من العقلانية. في هذا السياق يُستحضر قول الغزالي بأن “العقل أصل النقل”، وقول ابن رشد بأن “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”، لتبرز محاولة التوفيق بين مرجعيتين لا يجمعهما دائما انسجام تاريخي.

إن الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة لم تتعامل مع التراث بوصفه موضوعا خارجيا بل بوصفه جزءا من الذات المفكرة وهو ما يفسر ذلك التوتر الأسلوبي والمعرفي الذي يطبع نصوصها. فالمفكر المغربي يكتب من داخل اللغة العربية التي تحمل آثار التراث وفي الآن ذاته يسعى إلى إدخال مفاهيم حديثة لم تنشأ في نفس السياق. هذه الازدواجية لا تعني عجزا بقدر ما تعكس وضعا تاريخيا خاصا حيث تتقاطع أنظمة دلالية مختلفة داخل نص واحد فيتحول النص إلى فضاء تفاوض بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والتجربة وبين الانتماء والسؤال.

ولعل ما يمنح هذه الإشكالية عمقها أن التراث نفسه ليس وحدة متجانسة بل هو تعدد في الأصوات والاتجاهات من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وصوفية لكل منهم تصوره للعقل وحدوده. فالعقل عند الأصولي يختلف عن العقل عند الفيلسوف كما أن العقل عند الصوفي يتجاوز حدود البرهان إلى أفق الذوق والكشف. هذا التعدد يجعل من كل قراءة للتراث اختيارا ضمنيا لموقف فلسفي حتى وإن ادعى صاحبه الحياد. ويمكن هنا فهم قول أحد الحكماء إن “الاختيار في الفكر قدر لا مهرب منه”، إذ لا يمكن استحضار التراث دون إعادة ترتيبه وفق أفق معين.

إن الرهان الحقيقي في الكتابة الفلسفية المغربية لا يكمن في استعادة التراث أو تجاوزه بل في القدرة على تحويله إلى مجال إنتاج أي إلى مادة تفكير قابلة لإعادة الصياغة ضمن أسئلة الحاضر. ذلك أن التراث الذي لا يتحول إلى قوة تفكير يظل مجرد ذاكرة جامدة والعقل الذي لا يشتبك مع جذوره يفقد عمقه التاريخي. وبين هذين الحدين تتحرك الكتابة الفلسفية محاولة أن تبتكر لنفسها موقعا يتيح لها أن تكون وفية لذاكرتها دون أن تقع في أسرها وأن تنفتح على الحداثة دون أن تذوب فيها.

إن إشكالية التراث والعقل في الفكر المغربي ليست مجرد موضوع نظري بل هي تعبير عن وضع وجودي وثقافي معقد حيث يتعين على المفكر أن يختار موقعه داخل شبكة من التوترات المتداخلة. وفي هذا الاختيار تتحدد ملامح الكتابة الفلسفية لا بوصفها نقلا للأفكار بل بوصفها فعلا تأويليا يخلق المعنى في منطقة تماس بين عوالم متعددة. وهنا تحديدا تكمن صعوبة المهمة وجمالها في الآن ذاته إذ إن التفكير في التراث يصبح تفكيرا في الذات، والتفكير في العقل يتحول إلى مساءلة لشروط إمكان هذا التفكير ذاته.

حين يُستأنف النظر في علاقة التراث بالعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة فإننا لا نكون بإزاء موضوع قابل للاختزال في ثنائية مريحة بين ماضٍ ينبغي حفظه وحاضرٍ يفرض تجاوزه بل نكون أمام بنية إشكالية مركبة يتداخل فيها التاريخي بالمعرفي واللغوي بالأنطولوجي والسياسي بالابستمولوجي على نحو يجعل من كل مقاربة جزئية انزلاقا نحو التبسيط. ذلك أن التراث في هذا السياق ليس معطى جاهزا ولا هو كتلة صماء قابلة للتداول كما تُتداول الأشياء بل هو نسيج دلالي كثيف تشكل عبر قرون من التفاعل بين النص والواقع، بين الوحي والعقل وبين السلطة والمعرفة بحيث يغدو استحضاره استحضارا لشروط إنتاجه لا لمضامينه فحسب.

إن أول ما يستوقف النظر في هذا الأفق هو أن الكتابة الفلسفية المغربية لم تدخل إلى سؤال التراث من باب الحنين أو النوستالجيا بل من باب القلق المعرفي الذي ولدته صدمة الحداثة حيث بدا أن الأطر التقليدية للفهم لم تعد قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي مست بنية العالم والإنسان. هذا القلق لم يتخذ شكل رفض مباشر بل ظهر في هيئة مراجعة مزدوجة: مراجعة للتراث من جهة ومراجعة للأدوات المفاهيمية المستعملة في قراءته من جهة أخرى. هكذا تحولت الكتابة الفلسفية إلى فضاء مساءلة لا يكتفي باستعادة النصوص بل يعمل على تفكيك شروط إمكانها مستحضرا في ذلك ما يشبه الوعي النقدي الذي تحدث عنه كانط حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل.

غير أن هذا الوعي لم يكن بريئا من التوتر إذ سرعان ما اصطدم بإشكال يتعلق بطبيعة العقل ذاته. فالعقل الذي يراد به أن يكون أداة للتحرر من سلطة التراث يجد نفسه مشدودا إلى نفس البنية التي يسعى إلى تجاوزها بحكم انتمائه اللغوي والثقافي. ويتجلى هنا ما يمكن تسميته بالمفارقة التأسيسية: إذ كيف لعقل تشكل داخل أفق تراثي أن يدعي القدرة على الحكم عليه من خارج؟ هذه المفارقة لم تكن مجرد معضلة نظرية بل كانت حاضرة في صميم الكتابة حيث يظهر التردد بين لغة تستعيد مفاهيم التراث ولغة أخرى تستعير أدواتها من الفلسفات الحديثة.

لقد حاول بعض المفكرين تجاوز هذه المفارقة عبر ما يمكن وصفه بإعادة بناء مفهوم العقل نفسه بحيث لا يُفهم بوصفه جوهرا ثابتا بل بوصفه ممارسة تاريخية تتشكل داخل شروط معينة. هذا التصور يجد جذوره في التراث ذاته، حيث لم يكن العقل مفهوما واحدا بل تعددت صوره بتعدد الحقول المعرفية. فالعقل الأصولي كما يظهر في كتب أصول الفقه عقل مقيد بقواعد الاستدلال وضوابط اللغة، يسعى إلى ضبط الفهم أكثر مما يسعى إلى ابتكار المعنى. في المقابل نجد عند الفلاسفة تصورا للعقل بوصفه قدرة على إدراك الكليات وعلى بناء نسق معرفي يتجاوز المعطى الحسي. أما عند الصوفية فإن العقل يواجه حدوده القصوى ليفسح المجال لنوع من المعرفة التي لا تُنال بالبرهان بل بالذوق.

هذا التعدد في صور العقل داخل التراث يطرح على الكتابة الفلسفية المغربية سؤالا حادا: أي عقل ينبغي استحضاره في قراءة التراث؟ هل يتم اعتماد عقل برهاني يسعى إلى إعادة بناء النسق الفلسفي أم عقل تأويلي ينفتح على تعددية المعاني أم عقل نقدي يفكك البنيات ويكشف عن شروطها التاريخية؟ إن كل اختيار من هذه الاختيارات يحمل في طياته تصورا معينا للتراث ويحدد في الآن ذاته أفق الكتابة.

إن إحدى السمات البارزة للكتابة الفلسفية المغربية هي محاولتها الجمع بين هذه الأنماط المختلفة من العقلانية دون أن تنجح دائما في تحقيق انسجام بينها. فالنص الفلسفي المغربي غالبا ما يتحرك بين رغبة في التأسيس النظري، تستلهم الفلسفة الغربية الحديثة وبين حرص على استنطاق التراث من داخله بما يفرضه ذلك من التزام بمنطقه الخاص. هذا التوتر لا ينبغي فهمه بوصفه ضعفا بل بوصفه تعبيرا عن وضعية فكرية تعيش على تخوم عالمين وتحاول أن تؤسس لنفسها موقعا داخل هذا التداخل.

إن استحضار التراث في هذا السياق لا يتم بوصفه مرجعية نهائية بل بوصفه موضوعا لإعادة القراءة. غير أن هذه القراءة لا يمكن أن تكون محايدة لأنها مشروطة بالأفق الذي تنطلق منه. من هنا يمكن فهم تعدد القراءات التي عرفها التراث داخل الفكر المغربي حيث نجد من يسعى إلى إبراز البعد العقلاني فيه معتبرا أن الأزمة لا تكمن في التراث ذاته بل في سوء فهمه. ونجد في المقابل من يرى أن التراث يحمل في بنيته عناصر تعيق تطور العقل مما يستدعي موقفا نقديا أكثر جذرية.

هذا التباين في المواقف يعكس في العمق اختلافا في تصور العلاقة بين الماضي والحاضر. فهناك من ينطلق من فرضية الاستمرارية حيث يُنظر إلى التراث باعتباره امتدادا للحاضر مما يتيح إمكانية تجديده من الداخل. في المقابل هناك من يتبنى منطق القطيعة معتبرا أن الحداثة تفرض إعادة بناء الفكر على أسس جديدة لا يمكن استخلاصها من التراث. غير أن كلا الموقفين يواجه صعوبات إذ إن الاستمرارية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس البنيات بينما القطيعة قد تفضي إلى فقدان العمق التاريخي.

في ضوء ذلك، برز اتجاه ثالث يحاول تجاوز هذا التعارض عبر تبني مقاربة تأويلية ترى في التراث نصا مفتوحا قابلا لقراءات متعددة وأن معناه لا يُستنفد في سياقه الأصلي بل يتجدد مع كل قراءة. هذا التصور يستند إلى فكرة أن النصوص لا تحمل معناها في ذاتها بل تكتسبه من خلال تفاعلها مع القارئ. هكذا يصبح التراث مجالا لإنتاج المعنى لا مجرد موضوع للفهم.

غير أن هذه المقاربة التأويلية لا تخلو من إشكالات إذ تطرح سؤالا حول حدود التأويل: إلى أي حد يمكن إعادة قراءة التراث دون الوقوع في إسقاطات تعسفية؟ وكيف يمكن التمييز بين قراءة مشروعة وأخرى متكلفة؟ هذه الأسئلة تعيدنا إلى مسألة المنهج التي تظل من أعقد القضايا في الكتابة الفلسفية المغربية. فاختيار المنهج ليس مسألة تقنية بل هو في جوهره اختيار فلسفي يحدد طبيعة العلاقة مع التراث ويؤثر في نوع الأسئلة المطروحة عليه.

إن ما يزيد من تعقيد هذه الإشكالية هو أن التراث ذاته لم يكن منفصلا عن العقل بل كان في جزء كبير منه نتاجا لممارسات عقلية متعددة. فكتب الأصول على سبيل المثال، تمثل محاولة لصياغة قواعد التفكير في النص الديني وهي بذلك تعكس وعيا منهجيا متقدما. كما أن الفلسفة الإسلامية في تجلياتها المختلفة كانت تعبيرا عن سعي إلى التوفيق بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة. هذا المعطى يجعل من الصعب التعامل مع التراث بوصفه نقيضا للعقل إذ إن العلاقة بينهما أكثر تعقيدا من ذلك.

وتبرز أهمية إعادة النظر في التصنيفات التقليدية التي تقسم الفكر إلى عقلاني ولا عقلاني أو إلى تقليدي وحداثي، لأن مثل هذه التقسيمات قد تحجب أكثر مما تكشف. فالتراث يحتوي على عناصر متعددة بعضها قد يكون قابلا للتفعيل في الحاضر وبعضها الآخر قد يكون متجاوزا. وتكون الحاجة ملحة إلى قراءة تفكيكية لا تهدف إلى الهدم بل إلى الكشف عن الطبقات المختلفة للنصوص وعن التوترات التي تسكنها.

إن الكتابة الفلسفية المغربية وهي تخوض هذا المسار، تجد نفسها أمام تحد مزدوج: من جهة، ضرورة الحفاظ على الدقة العلمية، ومن جهة أخرى الحاجة إلى الإبداع المفاهيمي. هذا التحدي يظهر بوضوح في اللغة حيث تسعى الكتابة إلى إيجاد توازن بين الوفاء للمصطلح التراثي والانفتاح على المفاهيم الحديثة. هذه المهمة ليست يسيرة لأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير بل هي حاملة لرؤية للعالم وأي تغيير فيها يستلزم إعادة بناء هذه الرؤية.

وتتكشف إشكالية التراث والعقل بوصفها إشكالية مفتوحة لا يمكن حسمها بشكل نهائي لأنها ترتبط بشروط تاريخية متغيرة. غير أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الكتابة الفلسفية المغربية قد نجحت في تحويل هذه الإشكالية إلى مجال للإنتاج الفكري حيث لم تعد العلاقة مع التراث علاقة تبعية بل أصبحت علاقة مساءلة. وهذا التحول يمثل في حد ذاته خطوة نحو تأسيس فكر قادر على مواجهة تحديات الحاضر دون أن يفقد صلته بجذوره.

ويمكن النظر إلى التراث لا بوصفه ماضيا منغلقا بل بوصفه إمكانا مفتوحا، شرط أن يُقرأ قراءة نقدية تستحضر سياقه وتفكك بنيته وتعيد صياغته في ضوء أسئلة جديدة. أما العقل فلا يُفهم بوصفه سلطة فوق التاريخ، بل بوصفه ممارسة تتشكل داخل هذا التاريخ وتتغير بتغير شروطه. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية مجالا للتوتر الخلاق حيث يولد الفكر من احتكاك الذاكرة بالسؤال ومن صراع المعنى مع ذاته.

يمتد هذا التوتر الخلاق بين التراث والعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية ليبلغ مستوى أكثر عمقا حين يتخذ شكل مساءلة لشروط إنتاج الحقيقة ذاتها إذ لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية قراءة التراث بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أنماط الحقيقة التي رسخها والأنساق المعرفية التي منحته سلطة الاستمرار. هنا تحديدا تنفتح الكتابة على أفق إبستمولوجي دقيق حيث يصبح التراث حقلا لاختبار حدود المعرفة ومجالا لإعادة تعريف العلاقة بين الذات المفكرة وموضوعها.

ذلك أن التراث في أحد وجوهه لم يكن مجرد مخزون نصوص بل كان منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة تتداخل فيها المرجعيات الدينية واللغوية والمنطقية وتتشكل عبرها أنماط خاصة من الاستدلال والتبرير. هذه المنظومة لم تكن بريئة من سلطة إذ كانت تؤطر إمكان التفكير وتحدد مجالات القول المشروع. ومن هذا المنظور تفرض المقاربة النقدية نفسها بوصفها أفقا ضروريا للفهم حيث لا تكتفي بفهم النصوص بل تسعى إلى كشف ما يسميه بعض المفكرين بالبنية التحتية للمعرفة، أي تلك الشبكة من الافتراضات غير المعلنة التي توجه التفكير دون أن تظهر في سطح الخطاب.

وتكاد تكون الكتابة الفلسفية فعلا مزدوجا: فعل كشف وفعل بناء. فهي تكشف عن الطبقات العميقة التي تشكل التراث وتعمل في الآن ذاته على بناء أفق جديد للفهم لا ينفصل عن شروط الحاضر. غير أن هذا الفعل لا يتم في فراغ بل يمر عبر صراع مع اللغة، لأن اللغة ليست مجرد وسيط محايد بل هي حاملة لذاكرة طويلة من الدلالات التي قد تقاوم كل محاولة لإعادة تشكيلها. وتتخذ الكتابة هنا طابعا تجريبيا حيث يسعى المفكر إلى تطويع اللغة دون أن يفقدها قدرتها على الإيحاء وإلى إدخال مفاهيم جديدة دون أن يقطع صلتها بجذورها.

إن هذه العلاقة المعقدة مع اللغة تكشف عن بعد آخر في إشكالية التراث والعقل، يتمثل في كون التفكير نفسه مشروطا بالبنية اللغوية التي يتم داخلها. فالعقل الذي يكتب بالعربية يجد نفسه محكوما بتاريخ هذه اللغة بما تحمله من مفاهيم ومصطلحات تشكلت في سياقات معينة. هذا المعطى يجعل من كل محاولة للتفكير في التراث محاولة للتفكير في اللغة ذاتها أي في حدودها وإمكاناتها. ومن هنا يمكن فهم الجهد الكبير الذي بذله المفكرون المغاربة في إعادة صياغة المفاهيم وفي البحث عن مقابلات دقيقة للمصطلحات الحديثة دون الوقوع في النقل الحرفي أو الترجمة المبتسرة.

غير أن هذه الجهود لا تخلو من مفارقات، إذ إن إدخال مفاهيم حديثة داخل لغة تراثية قد يؤدي إلى نوع من التوتر الدلالي حيث تتجاور معانٍ مختلفة داخل نفس اللفظ. هذا التوتر قد يكون مصدر غنى لأنه يفتح المجال لتعدد القراءات وقد يكون أيضا مصدر التباس لأنه يجعل المعنى غير مستقر. وتتجلى هنا صعوبة الكتابة الفلسفية التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على الدقة دون أن تفقد العمق وبالوضوح دون أن تسقط في التبسيط.

إن ما يمنح هذه الإشكالية بعدا أكثر تعقيدا هو أن التراث لا يحضر في الكتابة بوصفه موضوعا خارجيا فقط بل بوصفه جزءا من الوعي ذاته. فالمفكر لا يقرأ التراث من موقع خارجي بل من داخل تجربة ثقافية تشكل فيها هذا التراث أحد مكوناتها الأساسية. هذا الحضور الداخلي يجعل من عملية القراءة نوعا من الحوار مع الذات حيث تتداخل الأصوات ويصعب أحيانا التمييز بين ما ينتمي إلى الماضي وما ينتمي إلى الحاضر. وتأتي هنا تلك النبرة التأملية التي تطبع كثيرا من النصوص الفلسفية المغربية حيث لا يكون الهدف مجرد تحليل بل نوع من المصالحة أو المواجهة مع الذات التاريخية.

في هذا الأفق يكتسب مفهوم العقل دلالة خاصة إذ لا يُفهم فقط بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه قدرة على إعادة تشكيل العلاقة مع الذات ومع العالم. هذا التصور يجعل من العقل ممارسة حية تتجدد باستمرار ولا تقف عند حدود معينة. غير أن هذه الحيوية قد تصطدم أحيانا بسلطة التراث، خاصة حين يتحول إلى مرجعية مغلقة تفرض نفسها على التفكير. هنا تظهر الحاجة إلى نوع من الجرأة الفكرية التي تسمح بإعادة النظر في المسلمات دون الوقوع في القطيعة الجذرية.

إن هذه الجرأة لا تعني الانفصال عن التراث بل تعني القدرة على التعامل معه بوصفه مجالا مفتوحا للنقد. فالنقد في هذا السياق لا يُفهم بوصفه هدما بل بوصفه عملية تمييز تهدف إلى الكشف عن ما يمكن استثماره وما ينبغي تجاوزه. هذا الفهم للنقد يجد جذوره في التراث نفسه حيث كان العلماء يميزون بين الصحيح والضعيف وبين ما يصلح للاستدلال وما لا يصلح. غير أن النقد الفلسفي يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها الخطاب ذاته.

إن هذا التحول في طبيعة النقد يعكس انتقالا من عقلية الشرح إلى عقلية التحليل ومن إعادة إنتاج المعنى إلى إنتاج معنى جديد. وهذا الانتقال لم يكن سهلا لأنه يتطلب تغييرا في طريقة التفكير وفي علاقة المفكر بالنص. فبدل أن يكون النص سلطة نهائية يصبح موضوعا للفحص وبدل أن يكون الهدف فهم ما قاله القدماء يصبح الهدف أيضا طرح أسئلة لم يطرحوها. هنا تتجلى إحدى أهم سمات الحداثة الفكرية التي لا تكتفي بتلقي التراث بل تعيد تشكيله.

غير أن هذا المسار لا يخلو من توترات خاصة حين يتعلق الأمر بالحدود بين التأويل المشروع والتأويل المتكلف. فكل قراءة جديدة تحمل في طياتها خطر الإسقاط أي فرض معانٍ لم تكن حاضرة في النص. وهذا الخطر يزداد حين يتم استعمال مفاهيم حديثة في قراءة نصوص قديمة لأن هذه المفاهيم قد تحمل دلالات لم تكن موجودة في السياق الأصلي. وتأتي الحاجة هنا إلى وعي تاريخي دقيق يسمح بفهم النصوص في سياقها دون أن يمنع من إعادة قراءتها في ضوء الحاضر.

إن هذا الوعي التاريخي لا يعني الانغلاق داخل الماضي بل يعني إدراك أن المعنى يتشكل عبر الزمن وأن كل قراءة هي في حد ذاتها لحظة في هذا التشكل. والتراث لا يوجد إلا من خلال قراءاته وأنه يتجدد مع كل قراءة جديدة. هذا التصور يمنح للكتابة الفلسفية دورا حاسما لأنها تصبح المكان الذي يتشكل فيه التراث من جديد لا بوصفه ماضيا بل بوصفه إمكانا.

ويمكن فهم اهتمام الفكر المغربي بإعادة قراءة بعض الشخصيات التراثية لا من باب التمجيد بل من باب البحث عن إمكانات جديدة للفكر. فهذه القراءات لا تهدف إلى إعادة إنتاج ما قيل بل إلى استنطاق النصوص والكشف عن ما يمكن أن تقدمه للحاضر. غير أن هذه العملية تتطلب حذرا منهجيا لأن التعامل مع التراث بوصفه مخزونا جاهزا للحلول قد يؤدي إلى إسقاطات غير مبررة.

إن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل التراث إلى موضوع للتفكير لا إلى مصدر للإجابات الجاهزة. وهذا التحويل يتطلب نوعا من المسافة النقدية التي تسمح برؤية النصوص من زاوية جديدة دون فقدان الصلة بها. هذه المسافة لا تعني القطيعة بل تعني إعادة تحديد العلاقة بحيث لا يكون التراث سلطة مطلقة ولا يكون الحاضر منفصلا عنه.

وفي هذا الإطار تتجلى أهمية ما يمكن تسميته بالوعي المركب الذي يجمع بين الانتماء والنقد وبين الوفاء والتجاوز. هذا الوعي لا يسعى إلى حل التوتر بين التراث والعقل بل إلى استثماره لأن هذا التوتر هو الذي يولد الفكر. فحين يغيب التوتر يتحول التفكير إلى تكرار وحين يشتد دون ضابط يتحول إلى فوضى. ومن هنا تأتي أهمية التوازن الذي لا يعني التوفيق السطحي بل يعني القدرة على العيش داخل هذا التوتر.

إن الكتابة الفلسفية المغربية في سعيها إلى تحقيق هذا التوازن تواجه تحديات متعددة تتعلق بالمنهج واللغة والمرجعية. غير أن هذه التحديات تمثل في حد ذاتها فرصة لأنها تفتح المجال لإبداع أشكال جديدة من التفكير لا تكتفي باستنساخ نماذج جاهزة بل تسعى إلى إنتاج معرفة تنبع من خصوصية السياق. هذه المعرفة لا تدعي الكونية بمعناها المجرد بل تسعى إلى أن تكون كونية من خلال انطلاقها من تجربة محددة.

إن إشكالية التراث والعقل لا تخص فقط الفكر المغربي بل تطرح سؤالا أوسع يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة في سياقات غير غربية. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في تعدد روافدها حيث يلتقي التراث الإسلامي بالعناصر الأندلسية والمغاربية ويتفاعل مع الفكر الغربي الحديث. هذا التعدد يجعل من الكتابة الفلسفية مجالا غنيا لكنه في الآن ذاته يفرض عليها مسؤولية كبيرة لأنها مطالبة بإيجاد صيغ جديدة للتفكير قادرة على استيعاب هذا التنوع.

إن هذه المسؤولية تتجلى بشكل خاص في الحاجة إلى تجاوز الثنائيات التقليدية التي كثيرا ما تعيق التفكير. فالتقابل بين التراث والحداثة أو بين العقل والنقل قد يبدو في ظاهره واضحا لكنه يخفي تعقيدات لا يمكن اختزالها في هذه الثنائيات. ومن هذا المنظور تفرض أهمية التفكير نفسها حيث تسعى إلى تفكيك هذه التقابلات وإلى الكشف عن التداخلات التي تربط بين أطرافها.

في ضوء ذلك يمكن تأويل التراث لا بوصفه نقيضا للحداثة بل بوصفه أحد شروطها لأن الحداثة نفسها لا تنشأ في فراغ بل تتشكل عبر علاقة مع الماضي. كما يمكن النظر إلى العقل لا بوصفه سلطة مطلقة بل بوصفه ممارسة تتغير بتغير السياقات. هذا الفهم يسمح بإعادة صياغة العلاقة بين التراث والعقل بحيث لا تكون علاقة صراع بل علاقة تفاعل.

إن هذا التفاعل لا يعني الانسجام الكامل بل يعني وجود توتر دائم لأن كل طرف يحمل في داخله عناصر قد تتعارض مع الآخر. غير أن هذا التعارض يمكن أن يكون مصدرا للإبداع إذا ما تم التعامل معه بطريقة نقدية. والكتابة الفلسفية المغربية في أفضل تجلياتها هي كتابة تعيش هذا التوتر وتحوله إلى قوة دافعة للتفكير.

إن إشكالية التراث والعقل ليست قضية قابلة للحسم لأنها ترتبط بأسئلة أساسية حول الهوية والمعرفة والزمان. غير أن ما يمكن تأكيده هو أن هذه الإشكالية قد شكلت أحد المحركات الأساسية للفكر المغربي الحديث حيث دفعت المفكرين إلى إعادة النظر في مسلماتهم وإلى البحث عن طرق جديدة للتفكير. هذا البحث لم يصل إلى نتائج نهائية لكنه فتح آفاقا واسعة وجعل من الكتابة الفلسفية مجالا حيا يتجدد باستمرار.

إن التراث في ضوء هذا الفهم لم يعد عبئا ينبغي التخلص منه ولا كنزا ينبغي حفظه بل أصبح مجالا للتفكير يتيح إمكانات متعددة شرط أن يتم التعامل معه بوعي نقدي. أما العقل فلم يعد مجرد أداة بل أصبح موضوعا للتفكير يتطلب إعادة تعريف مستمرة. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية فضاء مفتوحا حيث يتشكل المعنى في حركة دائمة لا تعرف الاستقرار ولا تقبل الانغلاق.

ينتهي القول عند حدٍّ لا يُغلق، حيث يظل السؤال قائما بوصفه أفقا للتفكير لا يُستنفد. فالفكر لا يتحقق في امتلاك الأجوبة بل في قدرته على تعميق المساءلة وإبقاء المعنى في حالة انفتاح دائم. ومن ثمّ فإن ما يُحصَّل ليس يقينا نهائيا بل وعيٌ متجدد بحدود المعرفة وإمكاناتها حيث تتجدد الفلسفة بوصفها فعلا لا ينفد.

***

د. حمزة مولخنيف