عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: لماذا فشلت مجتمعاتنا في تحمل عبء الفلسفة؟

ليس من الصدفة ان يظل التعليم الفلسفي في افريقيا والعالم العربي هامشيا، ضعيفا، ومثار شك دائم. المسألة لا تتعلق فقط بنقص في المناهج او قلة في الكفاءات، بل هي ازمة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الثقافة، والدين مع السلطة، والاقتصاد مع الوعي الجمعي. الفلسفة في جوهرها ليست مادة دراسية يمكن احتواؤها داخل كتاب مدرسي، بل هي فعل نقدي مستمر يهدد البنى الجامدة، ويزعزع اليقين السهل، ويطرح اسئلة غير مريحة. ولهذا تحديدا يتم التعامل معها بحذر، بل احيانا بعداء صامت.

حين ننظر الى طبيعة الانظمة التعليمية في كثير من الدول الافريقية والعربية، نجد انها قائمة على مبدأ الضبط لا التحرير، وعلى انتاج الامتثال لا التفكير. الطالب لا يدرب على السؤال، بل على الاجابة النموذجية. لا يشجع على الشك، بل على اليقين الجاهز. في مثل هذا الواقع، تصبح الفلسفة جسما غريبا، لانها تتعارض مع البنية العميقة لهذا النظام. فكيف يمكن لمؤسسة تخشى التفكير النقدي ان ترعى تعليما فلسفيا حقيقيا؟ لهذا يتم ادخال الفلسفة في كثير من الاحيان كجزء من ديكور الحداثة، اي كعلامة شكلية على التقدم، دون ان يسمح لها بان تمارس دورها الحقيقي. تدرس نصوص افلاطون وارسطو وديكارت داخل الفصول، لكن بطريقة تجريدية، منفصلة عن السياق الاجتماعي والسياسي للطلاب. يتحول التفكير الفلسفي الى محفوظات، الى تعريفات جامدة، الى اسماء وتواريخ، بدلا من ان يكون اداة لفهم الواقع وتحليله.

هذا الفصل بين الفلسفة والواقع هو احد اخطر اسباب فشلها في الانتشار. الطالب لا يرى اي علاقة بين ما يدرسه وبين حياته اليومية. لا يجد في الفلسفة اجابات لاسئلته الوجودية او الاجتماعية، لان الطريقة التي تقدم بها تجعلها بعيدة، نخبوية، ومغلقة. وهكذا تتكرس صورة الفلسفة كمجال غامض لا فائدة منه، وهو تصور يعزز بدوره تهميشها. لكن الاشكالية لا تتوقف عند حدود المنهج، بل تمتد الى البنية الثقافية للمجتمع. في كثير من السياقات، ينظر الى السؤال باعتباره تشكيكا، والى الشك باعتباره تهديدا. هذا الفهم يجعل الفلسفة في موقع دفاعي دائم. يتم ربطها احيانا بالالحاد او بالتمرد غير المقبول، مما يخلق حاجزا نفسيا لدى الطلاب قبل ان يدخلوا حتى الى قاعة الدرس. هذه النظرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية، حيث تم تأطير العلاقة بين العقل والنقل في صيغ صراعية بدل ان تكون تكاملية.ومع ذلك، فان التاريخ الفكري نفسه يقدم نماذج مختلفة. فقد حاول ابن رشد ان يؤسس لعلاقة متوازنة بين الفلسفة والدين، مؤكدا ان الحقيقة لا يمكن ان تتناقض مع نفسها، وان العقل ليس عدوا للايمان، بل وسيلة لفهمه. غير ان هذا الخط التوفيقي لم يتم تطويره بشكل كاف، بل تم تهميشه لصالح قراءات اكثر انغلاقا.

في الواقع الافريقي، تبرز مشكلة اضافية تتعلق بالهوية المعرفية. الفلسفة التي تدرس في المدارس والجامعات غالبا ما تكون امتدادا للنموذج الاوروبي، نتيجة للارث الاستعماري الذي فرض منظومة تعليمية كاملة. هذا النموذج لم يكتف بتهميش الفلسفات المحلية، بل ساهم في خلق شعور ضمني بان التفكير الفلسفي هو نشاط مستورد. وهكذا يتم تجاهل الحكمة الافريقية، والتقاليد الشفوية، وانماط التفكير المحلية، رغم انها تحتوي على عناصر فلسفية غنية. السؤال هنا ليس مجرد سؤال محتوى، بل سؤال اعتراف: هل نعترف بان لدينا فلسفة اصلا؟ ام اننا ما زلنا نرى انفسنا كمستهلكين للفكر لا كمنتجين له؟ هذه العقدة المعرفية تعيق اي محاولة لبناء تعليم فلسفي اصيل، لانها تجعل المرجعية دائما خارجية.

في العالم العربي، الصورة تختلف قليلا لكنها لا تقل تعقيدا. هناك تراث فلسفي غني، من الكندي الى الفارابي الى ابن رشد، لكن هذا التراث غالبا ما يتم التعامل معه بطريقتين متناقضتين: اما التقديس غير النقدي، حيث يتم تحويله الى نصوص جامدة لا يجوز مساءلتها، او الاهمال الكامل، حيث يتم تجاوزه لصالح الفكر الغربي المعاصر. في الحالتين، يتم فقدان الروح الفلسفية الحقيقية، التي تقوم على الحوار، والنقد، واعادة القراءة. اضافة الى ذلك، هناك ضعف واضح في تكوين المعلمين. تدريس الفلسفة يتطلب مهارات خاصة، تتجاوز نقل المعرفة الى ادارة النقاش، وتحفيز التفكير، وطرح الاسئلة المفتوحة. لكن في كثير من الاحيان، يتم تكليف معلمين غير مؤهلين فلسفيا بشكل كاف، او يتم تدريبهم وفق مناهج تقليدية لا تعترف بطبيعة الفلسفة كحوار حي. النتيجة هي دروس جافة، تقتل اي اهتمام محتمل لدى الطلاب.

العامل الاقتصادي يلعب ايضا دورا حاسما. في مجتمعات تعاني من البطالة والفقر، يتم توجيه التعليم نحو التخصصات التي توفر فرص عمل مباشرة. الفلسفة، باعتبارها تخصصا غير عملي في نظر الكثيرين، يتم تهميشها لصالح مجالات مثل الطب والهندسة. هذا التصور يعكس فهما اداتيا للتعليم، حيث يتم اختزاله في كونه وسيلة لكسب العيش، لا لبناء الانسان. لكن هذا الفهم نفسه هو جزء من المشكلة. لان المجتمعات التي تفتقر الى التفكير النقدي، تصبح اكثر عرضة للتلاعب، واكثر هشاشة امام الازمات. الفلسفة ليست بديلا عن التخصصات العلمية، بل هي مكملة لها، لانها توفر الاطار النقدي الذي يسمح بفهم اعمق للمعرفة وتطبيقاتها. من جهة اخرى، لا يمكن تجاهل دور الاعلام والثقافة العامة في تشكيل صورة الفلسفة. نادرا ما نجد محتوى اعلاميا يقدم الفلسفة بشكل مبسط وجذاب، او يربطها بالقضايا اليومية. في المقابل، تنتشر الخطابات السطحية التي تقدم اجابات جاهزة، وتختزل التعقيد. هذا المناخ لا يشجع على التفكير، بل على الاستهلاك السريع للافكار.

الازمة، في جوهرها، هي ازمة تصور: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده ان ينتج موظفين فقط، ام مواطنين قادرين على التفكير والمساءلة؟ طالما لم يتم حسم هذا السؤال، ستظل الفلسفة في موقع هامشي. ان اصلاح التعليم الفلسفي يتطلب رؤية شاملة، تبدأ من اعادة تعريف الفلسفة نفسها، ليس كمادة، بل كمنهج تفكير يمكن ان يتقاطع مع كل التخصصات. يجب ان يتم ادماج التفكير النقدي في جميع مراحل التعليم، لا حصره في مادة واحدة. كما يجب تطوير مناهج تربط الفلسفة بالواقع المحلي، وتطرح اسئلة تنبع من حياة الطلاب. كذلك، من الضروري الاستثمار في تكوين المعلمين، وتدريبهم على اساليب تدريس تفاعلية تقوم على الحوار، لا التلقين. يجب ان تتحول قاعة الدرس الى فضاء للنقاش، حيث يمكن للطلاب ان يعبروا عن افكارهم بحرية، دون خوف من الخطأ.

على المستوى الثقافي، نحتاج الى اعادة الاعتبار لقيمة السؤال. يجب ان يتم تفكيك الفكرة التي تربط الشك بالتهديد، واستبدالها بفهم يرى في التفكير النقدي اداة للفهم، لا للهدم. هذا يتطلب جهدا مشتركا بين التعليم، والاعلام، والمؤسسات الثقافية. في الواقع الافريقي، من المهم ايضا اعادة اكتشاف الفلسفات المحلية، ودمجها في المناهج، ليس كتراث فولكلوري، بل كمصدر حي للتفكير. هذا من شأنه ان يعزز الثقة بالذات، ويخلق ارتباطا اعمق بين الطالب ومحتوى التعليم. لا يمكن ان ينمو التعليم الفلسفي في بيئة تخاف الحرية. الفلسفة، في جوهرها، مرتبطة بالقدرة على التفكير المستقل، وهذه القدرة لا يمكن ان تزدهر دون مساحة من الحرية. لذلك، فان اي حديث عن تطوير الفلسفة دون اصلاح اوسع في البنية السياسية والثقافية، سيظل ناقصا.

المجتمعات التي لا تنتج فكرا، تستهلكه. والتي لا تسأل، تقاد. الفلسفة ليست ترفا، بل ضرورة وجودية. ليست خيارا، بل شرطا لاي نهضة حقيقية. وفي افريقيا والعالم العربي، حيث التحديات عميقة ومعقدة، يصبح غياب الفلسفة ليس مجرد نقص، بل خطر حقيقي على المستقبل.

***

زكريا - نمر