أقلام فكرية

زهير الخويلدي: الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية.. مقاربة أنطولوجية

الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية يمثل لحظة جوهرية في الوعي الإنساني، حيث يتوقف الفرد على حافة الانتقال بين ما هو مألوف وما هو غير معلوم، بين الداخل والخارج، بين الوجود الحالي والإمكانية المستقبلية. هذه التجربة ليست مجرد موقف جسدي أو مكاني، بل هي حالة أنطولوجية تكشف عن طبيعة الكينونة الإنسانية في عمقها، حيث يصبح الوقوف عند العتبة استعارة للتوتر الداخلي الذي يعيشه الإنسان في مواجهة الزمن، الهوية، والآخر. في مقاربة أنطولوجية، يُفهم هذا الوقوف كلحظة تتجاوز الظاهري لتغوص في جوهر الوجود، حيث يصبح الفرد مدركًا للفراغ الذي يفصل بين العوالم، ويواجه القلق الذي ينبع من عدم اليقين، مما يجعله يتساءل عن معنى الكينونة ذاتها. إن العتبة هنا ليست بابًا ماديًا فحسب، بل هي حدود وجودية تفصل بين الثبات والتغيير، بين الذات المغلقة والعالم المفتوح، وبالتالي تكشف عن الطبيعة الديالكتيكية للوجود الإنساني الذي يعيش دائمًا في حالة من التوتر الإبداعي.  فما دلالة العتبة من الناحية الفلسفية؟ وكيف يمكن التعامل معها كتجربة فلسفية مثمرة على الصعيد الأنطولوجي؟

في جوهرها الأنطولوجي، يمثل الوقوف عند العتبة تجربة الانتظار الذي يتجاوز الزمن الخطي ليصبح زمنًا وجوديًا، حيث يتوقف الإنسان عن الحركة الآلية ويتأمل في إمكانياته الكامنة. هذا الانتظار ليس سلبيًا، بل هو فعل فلسفي يفتح أبواب الوعي على اللامتناهي، فالإنسان الواقف عند العتبة يدرك أن وجوده ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التشكل والتفكك. أنطولوجيًا، يعكس هذا الوقوف الثنائية الأساسية في الكينونة: الوجود كحضور وكغياب في الوقت نفسه، حيث تكون العتبة رمزًا للحدود التي تفصل بين الذات والآخر، لكنها في الوقت ذاته توحي بإمكانية الاندماج. إن الإنسان هنا يواجه الفراغ، ذلك الفراغ الذي ليس عدمًا مطلقًا بل هو فضاء إمكاني يسمح بولادة المعاني الجديدة. في هذه اللحظة، يصبح الجسد نفسه عتبة، فهو يحمل الذاكرة الماضية ويتوقع المستقبل، مما يجعل التجربة تجسيدًا للزمن ككينونة، حيث يتدفق الزمن ليس كتسلسل أحداث بل كتجربة داخلية تكشف عن هشاشة الوجود. هكذا، يتحول الوقوف عند العتبة إلى فعل تأملي يعيد صياغة الهوية، فالإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال مواجهة هذه الحدود، التي تذكره بأنه ليس كيانًا مغلقًا بل هو دائم التجاوز.

من منظور أنطولوجي أعمق، يمكن تفسير الوقوف عند العتبة كتجربة القلق الوجودي، ذلك القلق الذي ينبع من الوعي بالحرية المطلقة والمسؤولية التي ترافقها. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يواجه خيارًا: الدخول إلى المجهول أو البقاء في المألوف، وهذا الخيار يكشف عن طبيعة الكينونة كحرية، لكنه في الوقت ذاته يولد القلق لأن الحرية تعني عدم الضمانات. أنطولوجيًا، هذا القلق ليس مرضيًا بل هو شرط أساسي للوجود الأصيل، حيث يدفع الإنسان إلى الخروج من الروتين اليومي والانخراط في عملية الاكتشاف الذاتي. العتبة هنا تصبح رمزًا للانفتاح على الآخر، سواء كان هذا الآخر شخصًا آخر أو عالمًا خارجيًا أو حتى جوانب مجهولة في الذات نفسها. في هذه التجربة، يتجاوز الوجود الإنساني البعد الفردي ليصبح اجتماعيًا وثقافيًا، فالعتبة تفصل بين الخصوصي والعام، بين المنزل كرمز للأمان والشارع كرمز للخطر والفرصة. هكذا، يصبح الوقوف عندها فعلًا فلسفيًا يعيد تعريف العلاقة بالعالم، حيث يدرك الإنسان أن كينونته ليست معزولة بل هي مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالآخرين والمحيط، مما يفتح أبوابًا لفهم الوجود كشبكة من العلاقات المتشابكة.

في سياق أنطولوجي، يمكن أن نرى الوقوف عند العتبة كتجربة التحول، حيث يصبح الإنسان مدركًا للطبيعة الديناميكية للوجود، الذي ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التغيير. هذا التحول ليس خارجيًا فحسب، بل هو داخلي يمس جوهر الكينونة، فالعتبة تمثل نقطة التحول حيث يموت الذات القديمة وتولد الذات الجديدة. أنطولوجيًا، هذا يعكس فكرة الوجود كصيرورة، حيث يتجاوز الإنسان حالته الحالية نحو إمكانيات أعلى، لكنه في الوقت ذاته يواجه خطر السقوط في العدم إذا تردد طويلًا. الوقوف عند العتبة، إذن، هو تجربة التوازن الدقيق بين الثبات والحركة، بين اليقين والشك، مما يجعله لحظة فلسفية تكشف عن التناقضات الجوهرية في الكينونة الإنسانية. هنا، يصبح الجسد أداة للوعي، فالإحساس بالعتبة تحت القدمين يذكر الإنسان بماديته، بينما النظر إلى ما وراءها يفتح أبواب الروحاني والميتافيزيقي. هذه الثنائية تجعل التجربة غنية، حيث يتجاوز الوجود البعد المادي ليصبح تجربة روحية، تذكر الإنسان بأنه ليس مجرد كائن بيولوجي بل هو كائن يسعى إلى المعنى في عالم يبدو عشوائيًا.

علاوة على ذلك، يمكن مقاربة الوقوف عند العتبة أنطولوجيًا كتجربة الغربة، ذلك الشعور بالانفصال عن العالم الذي يولد الوعي بالذات ككيان منفصل. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يشعر بالغربة عن المكان الذي يتركه وعن المكان الذي ينتظره، مما يجعله يتساءل عن انتمائه الحقيقي. هذه الغربة ليست سلبية بل هي محرك للفكر الفلسفي، حيث تدفع الإنسان إلى إعادة بناء هويته في مواجهة الفراغ. أنطولوجيًا، تعكس هذه التجربة فكرة الوجود كغربة أساسية، حيث يعيش الإنسان دائمًا في حالة من اللاانتماء، مما يجعله يبحث عن الجذور في عالم متغير. العتبة هنا تصبح رمزًا للحدود الثقافية والاجتماعية، حيث يواجه الإنسان الآخر كمرآة لنفسه، ويتعلم أن كينونته تتشكل من خلال هذه المواجهات. في هذه اللحظة، يصبح الوقوف فعلًا مقاومًا، يرفض الاندماج السريع في العالم ليسمح بتأمل عميق في طبيعة الوجود، مما يؤدي إلى ولادة فهم جديد للذات والعالم.

الوقوف عند العتبة، كتجربة فلسفية أنطولوجية، يجد في فلسفة مارتن هيدغر مرجعًا عميقًا يثري المقاربة ويوسعها، لكنه في الوقت ذاته يبرز تباينات جوهرية تجعل هذه التجربة تتجاوز حدود التفكير الهيدغري أو تكمله بطريقة مختلفة. عند هيدغر، لا يظهر مفهوم العتبة كمصطلح مركزي مباشر في "الكينونة والزمان"، لكنه يحضر بقوة في أعماله اللاحقة، خاصة في تأملاته حول اللغة والشعر والمكان، حيث يصف العتبة كعنصر يحمل الباب ككل، ويحافظ على الوسط الذي يتخلل فيه الخارج والداخل بعضهما بعضًا. هذا الوصف يجعل العتبة ليست مجرد حد مادي، بل هي مكان الاختراق المتبادل، فضاء يجمع ويفصل في آن، وهو ما يتردد صداه مع فكرة "الفرق الأنطولوجي" التي تميز بين الكينونة والموجودات. فالوقوف عند العتبة يمكن أن يُقرأ هيدغريًا كلحظة تكشف فيها الكينونة عن نفسها من خلال الفرق، حيث يصبح الإنسان مدركًا للـ "بين" ، ذلك الفضاء الذي لا ينتمي إلى داخل أو خارج، بل يمثل الـ "انفتاح" أو الـ "تصفية" التي تسمح للموجودات بالظهور. في "الوجود والزمان"، يركز هيدغر على الدازاين ككائن يُلقى في العالم ، ويعيش في حالة من السبق إلى الإمكانيات ، مما يجعل الوجود دائمًا "متجاوزًا". الوقوف عند العتبة يتطابق جزئيًا مع هذه الديناميكية، إذ يمثل لحظة الـ "توقف" التي تكشف عن الـ "قلق" الذي ينتزع الدازاين من سقوطه في المألوف ويواجهه بإمكانية عدمه الخاص، أي الموت كإمكانية الأقصى. هنا، العتبة تصبح استعارة للحدود الوجودية التي تفصل بين اليومي والأصيل، حيث يقف الإنسان على عتبة التحول من الوجود غير الأصيل إلى الوجود الأصيل، مواجهًا الفراغ الذي يسبق كل قرار. لكن هيدغر لا يتوقف عند هذا الحد الوجودي الفردي؛ ففي أعماله اللاحقة، يتحول التأمل إلى الكينونة ذاتها كحدث ، حيث تُمنح الكينونة للموجودات من خلال الانسحاب والكشف المتبادلين. العتبة، في هذا السياق، تُصبح رمزًا للـ "حد" الذي ليس انقطاعًا بل مشاركة ، كما في قراءاته لشعر تراكل، حيث يصبح الحد فضاءً يجمع الغريب والأليف، الألم واللطف، الذكر والأنثى، في حركة من الـ "جمع" والـ "نشر".

مقارنة بهذه الرؤية الهيدغرية، تبرز تجربة الوقوف عند العتبة في المقاربة السابقة كتجربة أكثر تركيزًا على الجانب الجسدي والحسي والانتظاري، حيث يظل الإنسان واقفًا في حالة من التوتر الديالكتيكي بين الثبات والحركة، اليقين والشك، الذات والآخر. عند هيدغر، يميل التفكير نحو تجاوز هذا التوتر نحو "التفكير في الكينونة" ، حيث يصبح الوقوف ليس مجرد حالة قلق فردية بل مشاركة في حدث الكينونة نفسه، أي الحدث الذي يجمع الدازاين بالكينونة في علاقة متبادلة الملكية. بينما في التجربة المقترحة، يبقى الوقوف أقرب إلى القلق الوجودي الكيركغاردي أو السارتيري، حيث يظل الخيار والحرية محورًا، والعتبة مكانًا للقرار الشخصي الذي يولد معنى جديدًا، أما عند هيدغر فالعتبة تتجاوز الذات نحو "الحدث" الذي يسبق الذات ويؤسسها.

من ناحية أخرى، يتقارب المنظوران في فكرة أن العتبة ليست نهاية بل بداية للكشف: ففي هيدغر، تكشف العتبة عن "الفرق" الذي يسمح للوجود بالظهور، وفي المقاربة الأنطولوجية للوقوف، تكشف عن الفراغ الإمكاني الذي يولد المعاني. لكن الاختلاف يكمن في التوجه: هيدغر يسعى إلى "التجاوز" للميتافيزيقا التقليدية نحو تفكير ما بعد-ميتافيزيقي يترك الذات تُمنح للكينونة، بينما التجربة المقترحة تحتفظ ببعد أكثر إنسانية وتجسدية، حيث يبقى الجسد والإحساس بالعتبة تحت القدمين نقطة انطلاق للتأمل في هشاشة الوجود. هكذا، يمكن القول إن الوقوف عند العتبة يمثل نوعًا من "الدازاين في حالة الانتظار"، لكنه يرفض الاندماج الكامل في الحدث ، محتفظًا بمساحة للقلق والغربة والتحول الشخصي الذي لا يذوب تمامًا في حركة الكينونة الكبرى.

 في الختام، يظهر الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية أنطولوجية أنها ليست مجرد لحظة عابرة بل هي جوهر الكينونة الإنسانية، حيث يتجلى الوجود في توتره الدائم بين الثبات والتغيير، بين الذات والآخر، بين اليقين والشك. هذه التجربة تدعو الإنسان إلى الغوص في أعماق نفسه، ليدرك أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث بل هي عملية مستمرة من التجاوز والتحول، مما يجعلها مصدر إلهام للفكر الفلسفي الذي يسعى إلى فهم سر الوجود في عالم مليء بالعتبات غير المرئية. في النهاية، تثري مقارنة الوقوف عند العتبة بفكر هيدغر التجربة بإضافة بعد كوني وتاريخي للوجود، حيث تصبح العتبة ليست مجرد لحظة فردية بل مشاركة في مصير الكينونة في عصرنا، عصر التقنية والنسيان. لكنها في الوقت ذاته تذكرنا بأن التجربة الإنسانية تبقى متجذرة في الجسد والانتظار والخيار، مما يجعلها أقرب إلى الوجود اليومي الملموس من التأمل الهيدغري الذي يميل نحو الشعري والميتافيزيقي المتعالي. هكذا تظل العتبة فضاءً مفتوحًا للتفكير المستمر، يجمع بين الفرق الهيدغري والتوتر الوجودي الإنساني في حركة لا تنتهي. فهل يمكن مقارنة تجربة العتبة بمسألة الحدود في البحوث المعرفية والوجودية والقيمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم