قراءات نقدية

جورج منصور: رواية "ما تخيله الحفيد".. رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والمدينة العراقية

تمثّل رواية "ما تخيّله الحفيد" للشاعر والروائي العراقي مروان ياسين الدليمي تجربة سردية تتجاوز الإطار التقليدي للرواية العائلية، لتغدو مشروعاً رمزياً لاستعادة الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، لا مجرد حنين إلى الماضي. فالرواية لا تنشغل بتتبّع سيرة عائلة عراقية بقدر ما تشتغل على تفكيك العلاقة بين الفرد والتاريخ، بين الصمت والكلام، وبين ما عُيش فعلاً وما أُجبر على الاختفاء.

تنهض الفكرة المحورية على أن السرد ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية؛ فالحفيد لا يروي ليحكي قصة، بل ليمنع اختفاءها. إنه يكتب من موقع القلق، من فجوة بين ذاكرة مثقوبة وواقع مشحون بالخوف. وهكذا يتحول السرد إلى أداة مواجهة لنظام قمعي لا يكتفي بالهيمنة على الجسد، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والذاكرة ذاتها.

الزمن في الرواية ليس خطياً، بل متكسّر، يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي. ويغدو يوم "الاثنين" رمزاً دائرياً للانتظار والإذلال، في إحالة إلى تجربة اجتماعية تتجاوز حدود الأسرة نحو مجتمع كامل عاش طقوس الخوف ذاتها. وهكذا يصبح الخاص مرآة للعام، والعائلة نموذجاً مصغراً لوطن مكسور.

تتمركز البنية الدلالية حول شخصية "أمينة" بوصفها بؤرة رمزية. فهي قليلة الحركة في مستوى الحدث، لكنها مركز الثقل في مستوى المعنى. صمتها ليس عجزاً، بل خطاباً مضاداً؛ إنها تمثل الذاكرة النسوية المقموعة، والبعد الأخلاقي الذي ظل خارج السرد الرسمي.

وتتعزّز هذه العلاقة بعلاقتها بالبيت؛ فالبيت ليس مكاناً فحسب، بل خزّاناً للزمن المؤجَّل، ووعاء للآلام المكبوتة. وجودها عند تقاطع البيت والغياب واللغة يجعلها أقرب إلى استعارة كبرى: استعارة الزمن المعلّق، والحنان المؤجل، والكرامة الصامتة.

قرارها بالمشي بعد زيارة ابنها المعتقل يكثف فلسفة الرواية: حين يصبح الخوف مادة يومية، يتحوّل أبسط فعل إلى مساحة تفكير ومقاومة داخلية. هنا ينتقل النص من توصيف تجربة فردية إلى تشريح حالة جماعية من الرعب الموروث.

أما العلاقة بين سليمان وآمال فتكشف بعداً آخر: الحب لا يُمنع بالقوة المباشرة، بل يُستبعَد بالخوف. الهروب من الحب هو امتداد لمنظومة القمع ذاتها. وهنا يبرز المعنى الأكثر قسوة: القمع لا يقتل الأجساد أو يملأ السجون فحسب، بل يعيد تشكيل العواطف، ويجعل النجاة مرادفة للتنازل.

لا تعد الرواية بخلاص نهائي، ولا تمنح بطلاً مركزياً. شخصياتها شظايا، لكنها شظايا حيّة. فالكتابة لا تنقذ أحداً، لكنها تمنحهم أثراً. وهذا هو جوهر فحواها: مقاومة النسيان، لا الانتصار على المأساة.

تكشف الرواية عن رؤية ترى في التخييل وسيلة لحماية ما تآكل من الحقيقة. إنها لا تكتب تاريخاً بديلاً، بل تصغي إلى ما سقط من التاريخ. ومن خلال الحفيد وأمينة وبقية الشخصيات، يتحول السرد إلى مساحة أخلاقية لإعادة الاعتبار لما هُمِّش، وتخليد ما كان مهدداً بالمحو.

هي رواية عن العراق بوصفه ذاكرة مجروحة، وعن العائلة بوصفها وطناً مصغراً، وعن الصمت بوصفه لغة لا تقل بلاغة عن الكلام.

تتجاوز الرواية حدود السرد العائلي لتغدو قراءة في سيرة مدينة ومرحلة تاريخية كاملة، تُستعاد فيها الموصل لا كجغرافيا فحسب، بل كطبقات زمنية متراكبة، تتجاور فيها الحِرف القديمة، والمقاهي، والعلاقات الحميمة، مع ظلال الخوف وأقبية السجون وتقلبات السياسة.

تنهض الرواية على عائلة تقليدية: الجدة أمينة القادمة من ماردين، وأبناؤها، وأحفادها. غير أن هذا الإطار يتخطى خصوصيته ليغدو مرآة لتاريخ العراق الحديث. فاعتقال شكيب بجريرة أخيه غالب المعارض، وسجن الجدة وتعذيبها، ثم إعدام غالب، كلّها حلقات في سلسلة عسف سلطوي يتكرر عبر الأجيال.

 العائلة هنا ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل بنية رمزية تختصر مصير المجتمع: خيارات شبه معدومة، ومصائر تُقرَّر خارج الإرادة الفردية. وهكذا تتحول المأساة الخاصة إلى استعارة عن وطن يعيش تحت وطأة سلطة تتدخل في أدق تفاصيل الحياة.

يعتمد العمل على مونولوجات الأب سليمان التي تبدو أحياناً غير مترابطة، لكنها تعبّر عن تشظي الذاكرة نفسها. فالذاكرة لا تستعاد وفق منطق كرونولوجي صارم، بل عبر تداعيات نفسية يتداخل فيها الخاص بالعام، والعاطفي بالسياسي.

هيمنة التحليل النفسي تمنح الرواية كثافة داخلية، لكنها تثير سؤالاً نقدياً حول تجانس الأصوات؛ إذ تأتي هواجس بعض الشخصيات، خصوصاً النسائية غير المتعلمة، محمّلة بوعي تحليلي يفوق مستواها المفترض، مما يوحي احياناً بتدخل الراوي بوصفه منظِّماً لوعي الجميع. عند هذه النقطة تتوحد مستويات البوح، ويغدو النص أقرب إلى تيار داخلي واحد، وإن تعددت الشخصيات.

تستحضر الرواية فترة ما قبل الحرب العراقية- الإيرانية، بما حفلت به من صراعات وملاحقات أمنية. غير أن السياسة لا تُقدَّم كخلفية تاريخية فحسب، بل كقوة غاشمة تعيد تشكيل المصائر: سجون، تعذيب، هجرة، إعدام، شلل جسدي ونفسي. حتى قصة الحب بين سليمان وآمال القادمة من السليمانية تظل مهددة بظلال الانقسام القومي والسياسي، بما يعكس هشاشة العلاقات الإنسانية أمام جبروت السلطة.

يتحوّل الأب المشلول إلى رمز: جسد معطّل يقابل وطناً معطّلاً، وذاكرة مثقلة تقابل حاضراً ملتبساً. أما الحفيد، المقيم في مالمو، فيمثل خيار الهجرة بوصفه خلاصاً فردياً، لكنه خلاص ناقص؛ إذ يبقى مشدوداً إلى تاريخ لم يُحسم.

عنوان الرواية "ما تخيله الحفيد"، يوحي بفعل تخييلي، غير أن الخيال هنا ليس بديلاً عن الواقع، بل وسيلة لإعادة ترتيبه وفهمه. فالمصائر المأساوية- جنون أمينة، إعدام غالب، شلل سليمان، اغتراب الحفيد- تؤكد أن الواقع أصلب من أن يُمحى بالسرد. ومع ذلك، تمنح الكتابة تلك الحيوات معنى، وتقاوم نسيانها.

تأتي هذه الرواية لتؤكد توجه مروان ياسين الفني نحو مساءلة الواقع، عبر تفكيكه وإعادة بنائه في منطقة التخييل السردي، بعد روايته "اكتشاف الحب".

تشتغل الرواية على ثلاث دوائر متداخلة: ذاكرة المدينة، وبنية العائلة، وسطوة السياسة. وهي، وإن بدت قصيرة نسبياً، تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في علاقة الفرد بالمكان، والذاكرة بالسلطة، والخيال بالواقع. إنها ليست مجرد حكاية عائلة موصلية، بل محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير مدوَّن، من زاوية الحفيد الذي يستمع، ويعيد تخيّل ما لم يعشه، ليمنحه حياة أخرى في النص.

تدور أحداث الرواية المركزية في سبعينيات القرن الماضي داخل فضاء مدينة الموصل العراقية، حيث تنتمي الشخصيات إلى شريحة الطبقة الوسطى بكل تعقيداتها وحضورها الفاعل في صراعات المدينة السياسية والاجتماعية. غير أن الرحلة السردية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تمتد ارتداداً في الزمن إلى خمسينيات القرن الماضي، وصولاً إلى السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ما يتيح للرواية مساءلة مراحل ملتبسة من تاريخ العراق المعاصر.

تقنياً، تعتمد الرواية بنية متعددة الأصوات، تتناوب فيها وجهات النظر على صياغة الحدث، منطلقة من زمن الحفيد لتعود بالقارئ إلى الماضي. كما توظّف تقنية "النص داخل النص"، حيث يمنح المؤلف مساحة لنسج لعبته الزمنية، في إبراز شغف الإنسان بالحرية رغم قسوة السلطات التي تمارس ضده شتى أساليب القمع والتغييب.

تشكل النساء العنصر المحوري في انتظام الحبكة، إذ تتوزع أدوارهن بين الجدة والزوجة والعشيقة، ويخضن صراعات متعددة الأبعاد: اجتماعية، وسياسية، وعاطفية، مما يضفي على الرواية عمقاً إنسانياً ودرامياً.

***

جورج منصور

 

في المثقف اليوم