قراءات نقدية
كاظم أبو جويدة: البيروقراطية وإعادة تشكيل الهوية
قراءة نقدية في فيلم المراكبي.. صراع الوجود بين الطبيعة والنظام
الفيلم العربي "المراكبي" رغم إنتاجه قبل أربعة عقود إلا أنه يستحق إعادة نقد جادة لأن الفيلم في أصل وجوده شكل عملية نقد شجاعة للبيروقراطية الشمولية في فترة خانقة، عانت فيها أفلام اجتماعية مميزة ظلماً نقدياً لجرأتها على نقد النظام. الفيلم وثيقة حية تصور آليات الحكم الشمولي وتحويل المواطن لمخالف بالإجبار، وراهنيته تبرر دراسته الأكاديمية الجادة اليوم.
الفيلم يندرج ضمن موجة السينما الواقعية الاجتماعية المصرية التي بدأت في الستينيات والسبعينيات (أفلام صلاح أبو سيف، يوسف شاهين، عاطف الطيب). لكنه يتميز بقدرته على الموازنة بين النقد الحاد والكوميديا الإنسانية، دون أن يتحول إلى وعظ مباشر.
في العام ذاته الذي دارت فيه أحداث رواية جورج أورويل الديستوبية "1984" التي كتبها عام 1948 كتحذير ورؤية استشرافية من مستقبل تتحكم فيه الدولة الشمولية بكل تفاصيل حياة الأفراد، تم إنتاج فيلم "المراكبي" للمخرج كريم ضياء الدين / قصة وسيناريو وحوار للكاتب أحمد عوض، ومن بطولة الراحلين صلاح السعدني، معالي زايد، ومجموعة مميزة من عباقرة الزمن الجميل...حسين الشربيني، مصطفى متولي، أحمد فؤاد، ممدوح وافي، أحمد السقا وآخرين.
الفيلم أنتج وعُرض في منتصف الثمانينيات، فترة حساسة في التاريخ المصري. بعد وفاة الرئيس السادات (1981)، حيث تولى حسني مبارك السلطة. كان المجتمع حينها يعاني من تضخم بيروقراطي ضخم، فساد متفشٍ، وفجوة طبقية متزايدة بين الأغنياء والفقراء. كما إن هذه الفترة شهدت تحولاً جذرياً في علاقة الدولة بالمواطنين: من الدولة "الرعائية" في العهد الناصري، التي ادّعت الاهتمام بالفقراء والعمال، إلى الدولة "النيوليبرالية" العقابية التي تخلت عن الرعاية الاجتماعية وزادت من آليات المراقبة والعقاب.
حيث أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي بدأها السادات في السبعينيات خلقت طبقة جديدة من الأغنياء، بينما بقيت الطبقات الفقيرة مهمشة.
الفيلم يعكس هذا التناقض الصارخ: هناك مصر: الوزراء والأثرياء (الفرح "العرس" الفاخر في نهاية الفيلم حيث يلتقي أحمد بالوزير)، ومصر: المراكبي والصيادين. عالمان يلتقيان نادراً، وعندما يلتقيان، يكون اللقاء عرضياً، استثنائياً، محفوفاً بالتوتر.
توهج الفيلم كنص بصري معقد فكك آليات السلطة البيروقراطية وكشف عن العنف الرمزي الذي تمارسه الدولة على المواطن المهمش من خلال قصة مواطن أسمه "أحمد عليش" وُلد وعاش وسينتهي به المطاف طريح الهامش.
وقد تجاوز الفيلم حدود الواقعية الاجتماعية الكلاسيكية ليدخل في منطقة ما بعد الدراما، حيث الصراع الأزلي الذي يدور في دوامة نيتشوية للعود الأبدي بين الإنسان ومنظومة لغوية-إدارية تحوله إلى ملف، إلى رقم، إلى "ساقط قيد". وقد اشترك الفيلم مع رؤية أورويل في تصوير الآليات التي تمارس بها السلطة البيروقراطية سيطرتها على الأجساد والهويات.
أحمد السيد عليش (صلاح السعدني)، الصياد الذي أفنى عمره في مركب صيد للسمك على نهر النيل، يمثل نموذجاً لـ"الإنسان الفائض" في المصطلح السوسيولوجي- ذلك الذي يمتلك وجوداً بيولوجياً، لكنه يفتقد الاعتراف البيروقراطي، مما يطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل يتطلب الوجود الإنساني الاعتراف المؤسساتي؟ وهل يمكن للإنسان الحفاظ على كرامته وهويته خارج شبكة القيد والتوثيق التي تفرضها الدولة الحديثة؟
، تمارس المؤسسات "العنف الرمزي" من خلال سلطتها عبر فرض تصنيفات ومعايير تحدد من يستحق الاعتراف ومن يقع خارج دائرته. أحمد، بوصفه "ساقط قيد"، يتحول إلى كائن خارج التصنيف، خارج النظام، وبالتالي خارج الحماية القانونية والاجتماعية.
الفيلم يصور رحلة أحمد للحصول على بطاقة هوية تجيز له استخراج أوراق ثبوتية لابنه الصغير للدخول للمدرسة وتحقيق حلم أتى صدفة، عفوياً، راهناً عندما أخبرهم "صلاح" - أحد أبناء الصيادين بأنه سيدخل معهد المعلمين (ندخلوا العلام، وليه ما ندخلوش).
رحلة أحمد المتمثلة بالحصول على البطاقة الثبوتية هي رحلة محفوفة بالوجع النفسي والجسدي أتت كرحلة كافكاوية لا نهاية لها نسبة إلى كافكا الذي صور في رواياته مثل "المحاكمة" و"القصر" أفراداً محاصرين في متاهات بيروقراطية عبثية حيث القواعد غامضة ومتناقضة والسلطة غير مرئية والعقاب يأتي دون ذنب واضح.
في الفلسفة السياسية المعاصرة، تمثل بطاقة الهوية أداة أساسية من أدوات "الحكم الحيوي أي سلطة الدولة على حياة الأفراد وأجسادهم. البطاقة تتحول إلى شرط الوجود الاجتماعي: بدونها، تستحيل ممارسة العمل رسمياً، أو الدراسة، أو الزواج، أو حتى تلقي العلاج في المستشفيات الحكومية.
وعند خروجه بابنه لأقرب مدرسة في اليابسة في هذا المشهد البسيط ظاهرياً، يختصر كريم ضياء الدين كل الفجوة بين العالمين – عالم البحر الهادئ وعالم البر الصاخب: المراكبي الذي روّض الماء صديقاً له يمده بالأمن والرزق يقف مذهولاً، خائفاً، حذراً، متردداً أمام الأسفلت، وصلاح السعدني يؤدي الاغتراب بصمت مطلق، بعينيه فقط. لا حوار، لا تفسير، فقط نظرات تتبادل مع ما تراه الكاميرا من منظوره الخاص: عمارات تحاصر السماء، شارع يجري بإيقاع لا يعرفه، وجوه غريبة تمر مسرعة بلا مبالاة.
هنا يصبح الشارع العادي فضاءً معادياً، والمدينة التي يفترض أنه جزء منها تتحول إلى متاهة رمزية تمهّد لمتاهته البيروقراطية القادمة. المخرج يستخدم تقنية الكادر/ الكادر المعاكس تجاوز مجرد إظهار ما يرى المراكبي، ليجعلنا نحن أيضاً نستغرب المألوف، نرى المدينة بعيون من لا ينتمي إليها، فتنكشف عنفيتها الصامتة وقسوتها المعمارية.
الأسفلت تجاوز كونه مجرد طريق، فأصبح استعارة بصرية للصلابة المؤسسية التي ستسحقه لاحقاً، والعمارات الشاهقة فضلاً عن كونها عمراناً تحولت لأبراج سلطة تعنفه بقولها: أنت في عالم غير عالمك.
وحين يمسك بيد ابنه بقوة غير معهودة، نفهم أن الخوف ليس من السيارات فحسب، بل من أن يسلّم ابنه لهذا العالم الذي لا يفهم شفرته، العالم الذي سيطالبه بعد قليل بأوراق ووثائق وأختام، العالم الذي سيحوله من "أحمد عليش المراكبي" إلى "ساقط قيد".
المشهد عبقري لأنه يقول كل شيء دون أن ينطق بحرف واحد، ولأن السعدني حول وجهه إلى نص مفتوح نقرأ فيه الدهشة والقلق والحيرة دفعة واحدة، وكأن الكاميرا تلتقط لحظة الوعي الأولى بأن المعركة الحقيقية ليست مع الأمواج، بل مع الأسفلت وما يرمز إليه.
مشهد دخول أحمد وابنه إلى المدرسة يكثّف صداماً حضارياً بين عالمين: البحر (البساطة الإنسانية) والأسفلت (البيروقراطية القاسية). أحمد ذكي في عالمه، يقتحم منظومة تتحدث لغة مختلفة تماماً. حين يُسأل عن "الأوراق" يفكر في أوراق الورد، وحين يُطلب "إيصال نور" يقول "أنا بَنَوَّر بلمبة صاروخ" - استجابة صادقة من إنسان يترجم واقعاً معروفاً إلى منظومة غريبة الأطوار. الحوار يكشف تصادم حتمي بين لغتين: لغة الحياة البسيطة ولغة الأوراق الرسمية.
(ومين يثبت إن العيل ده ابنك؟)
التناقض الحاد: في عالم أحمد الابن معروف بوجه أبيه والثقة تكفي، أما في عالم الأسفلت فالإنسان معدوم حتى يثبت العكس بأوراق. المفارقة أن أحمد يملك ذكاءً عملياً (يصطاد، يبني، يعيش) لكن النظام يراه "جاهلاً" لأنه لا يعرف طقوس البيروقراطية. الموظفون لا يرونه إنساناً بل "تحفة" و"ظاهرة" - استهزاء طبقي يكشف الجوهر: النظام يُعقّد الحياة على البسطاء ثم يسخر من عجزهم.
في بساطة أحمد ينكشف معيار تشوه العالم الأسفلتي. حين يقول للوزير لاحقاً "اللوائح الجامدة الناشفة زي الأسفلت ما بتفرقش بين الكويس والوحش" فهو يعبّر عن جوهر الأزمة: النظام البيروقراطي يفقد الإنسانية حين يعامل الجميع كأرقام. المشهد نقد اجتماعي حاد يكشف كيف تتحول الدولة من خادم للمواطن إلى حارس بوابة يمنع البسطاء من حقوقهم، وكيف يصبح "الوجود القانوني" أهم من الوجود الإنساني ذاته.
أحمد السيد عليش يخوض رحلة مريرة عبر متاهة بيروقراطية تتطلب: استمارة 26، توقيعَيْن من موظفين اثنين، تحديد العمر، شيخ الحارة، لجنة الأحوال المدنية، لجنة إصدار القيد، مندوب التجنيد، المحكمة العسكرية. هذه السلسلة تكشف عن منطق التأجيل المؤسسي: "فاضل آخر حاجة" عبارة تحولت من لازمة كوميدية إلى رمز للنظام الذي يُعيد إنتاج نفسه بخلق متطلبات لا نهائية.
"آخر حاجة" ليست نقطة نهاية، بل أفق متحرك-كلما اقتربت منه تراجع. هذا يُشبه ما وصفه ميشيل فوكو بـ"الانضباط الجزئي": تفتيت الفرد إلى عناصر قابلة للتوثيق، حتى يصبح الإنسان مُجرد ملف.
في الفلسفة الوجودية، سيزيف يدفع صخرته أبدياً. أحمد المراكبي يُجسّد سيزيف معاصراً: يجمع الأوراق، تُرفض، يجمعها ثانية-لا لخطأ ارتكبه، بل لأن النظام يحتاج إلى تبرير وجوده بإنتاج العوائق.
لكن الفارق: سيزيف يعرف عبثيته، أما أحمد فيظن أن "آخر حاجة" قريبة-وهنا تكمن مأساة البيروقراطية الأعمق: الوهم بأن الإجراء التالي سيكون الأخير.
بساطة أحمد إزاء كل هذا التعقيد تكمن في مركبه الذي تحول إلى هوية له، متجاوزاً كونه وسيلة عيش. عندما يُسأل عن عنوانه، يقول "في البحر". حتى طريقته في تحديد عمره من خلال القوارب السبعة التي امتلكها تُظهر أن حياته كلها مرتبطة بالبحر.
البحر يمثل المساحة الحرة حيث يمارس أحمد وجوده الإنساني الكامل دون وساطة بيروقراطية. على المركب، يكون سيد نفسه، يصطاد، يأكل، ينام، يربي أولاده. هذه المساحة تتناقض مع المساحة المنضبطة للمدينة، حيث كل حركة تتطلب إذناً، كل فعل يحتاج إلى ورقة.
مشهد مفتش الصحة الذي يحاول تحديد عمر أحمد يمثل لحظة محورية في الفيلم. الدكتور يسأل أحمد: "كم عمرك؟" لكن أحمد يفهم السؤال بطريقة تختلف عن المنطق البيروقراطي. بالنسبة له، العمر يتحول إلى تجربة معيشة، مقاسة بالقوارب التي "دوَّبها" (امتلكها وفقدها) عبر السنين:
"أنا دوَّبت سبع قوارب، والقارب يقعد ما بين 4-8 سنين..."
هذا السرد الشفوي العضوي يصطدم بالمنطق البيروقراطي الذي يتطلب رقماً دقيقاً: 30 سنة، 40 سنة، 50 سنة. الدكتور، المنهك من تعقيد الحساب، يقرر في النهاية عمراً تعسفياً (40 عاماً). هذا "التسنين" القسري يكشف عن عنف الحداثة البيروقراطية: تحويل الإنسان من كائن تاريخي-تجريبي إلى كيان رقمي قابل للتصنيف والمراقبة.
في إطار نظرية ما بعد الإنسانية، يمكن قراءة هذا المشهد كتعبير عن أزمة الذات المتمركزة: أحمد يفقد سيطرته على تحديد هويته، حيث تتولى المؤسسة "إنتاجها". جسده يصبح ملكاً للدولة التي تقرر عمره، تاريخ ميلاده، وحتى ماضيه (من خلال اختراع نسب وعنوان مزيفين).
أحد أذكى أبعاد السيناريو الذي كتبه أحمد عوض يتمثل في استخدامه للغة كأداة لكشف الهوة الطبقية والثقافية. أحمد يتحدث بلغة شعبية بسيطة، مليئة بالتحريفات اللفظية: "ساقط كيك" (ساقط القيد)، "السجن البدني" (السجل المدني)، "لجنة الأحوال الميدالية" (لجنة الأحوال المدنية). "طب المأزون (المأذون) كتب كتابك إزي" (المأزوم مين)؟ "سكرتير" (سكرتين!) هذه التحريفات اللغوية تتحول إلى تعبير عن عدم التناسب الرمزي بين عالم أحمد الشفوي وعالم الدولة المكتوب.
الموظف يصحح له: "ساقط قيد، مش ساقط كيك". التصحيح اللغوي هنا يتحول إلى ممارسة للسلطة، يتجاوز درس النحو البسيط. اللغة البيروقراطية تمثل لغة الطبقة المسيطرة، وعدم إتقانها يعني الإقصاء التلقائي. الذين يتقنون لغة المؤسسات يملكون القدرة على التنقل داخلها، بينما يُحرم الآخرون من الوصول.
في مشهد السجل المدني، يُسأل أحمد عن اسم جده، فيبدأ في سرد متناقض: "عبد القادر... سليم... فرغلي... مرسي..." هذا التشوش يتحول إلى تعبير عن الهوية السائلة، ففي المجتمعات التقليدية الشفوية، الهوية تتشكل كسردية متغيرة تُروى وتُعاد صياغتها حسب السياق. الدولة الحديثة تتطلب هوية ثابتة، موثقة، غير قابلة للتعديل.
مشهد المحكمة العسكرية يمثل ذروة العنف البيروقراطي حيث أحمد، الذي لم يسمع أبداً عن الخدمة العسكرية، يُحاكم ويُغرَّم خمسة آلاف جنيه خُفضت لاحقاً إلى ألف جنيه بعد تدخل الوزير. الضابط يشرح له بجفاء أنه كان يجب عليه أن يستخرج بطاقة ويقدم للخدمة العسكرية، لكن كيف يستخرج بطاقة وهو ساقط القيد؟ هذا التناقض يلخص مأساة الفيلم بأكملها حيث يُعاقَب الإنسان على نتيجة حالة لم يختارها بل عاجز عن تغييرها.
القاضي العسكري، المهيب في زيه الرسمي، يمثل وجه الدولة القاسي يتحدث بلغة جافة، قانونية، خالية من التعاطف الإنساني. الحكم يصدر بسرعة كأن أحمد مجرد حالة في سجل، رقم في إحصائية. هذا المشهد يطرح سؤالاً أخلاقياً: هل العدالة تتحقق من خلال تطبيق القوانين بحرفية، أم من خلال فهم السياقات الإنسانية؟ الفيلم يجيب بوضوح أن العدالة البيروقراطية عمياء، تطبق القانون دون تمييز، ودون رحمة.
في مشهد المستشفى الخاص، بعد أن يتعرض أحمد لحادث، يتغير تعامل الأطباء معه بشكل جذري عندما يدعي كذباً "شعبان بيه" الذي دهسه بأنه مدير أمن القاهرة. فجأة، يتحول أحمد بنظر المستشفى وإدارتها من "رجل مجهول" إلى "رجل مهم". لكن عندما ينكشف الأمر ويتضح احتيال السائق وزوجته على المستشفى، يُطالب أحمد عليش بفاتورة 8600 جنيه - مبلغ يعادل سنوات من دخله.
هذا المشهد يكشف عن الطبقية الطبية: العلاج يتحول إلى سلعة تُباع لمن يملك "الهوية" المناسبة أو المال الكافي.
الفيلم يكشف عن التناقض الجوهري في خطاب الدولة: من جهة، تدّعي الحكومة أنها تحمي المواطنين من خلال التوثيق والقيد ("النظام لازم يقيدك في دفاتره عشان يحميك" - كما يقول الوزير في نهاية الفيلم). من جهة أخرى، هذا النظام نفسه يحول حياة الإنسان البسيط إلى جحيم: أحمد يُعاقب بغرامة 5000 جنيه (خُفضت إلى 1000) لأنه لم يؤدِ الخدمة العسكرية - وهو أمر كان سيتجنبه لو كان مسجلاً من الأساس. هذه الحلقة المفرغة تكشف عن المنطق العقابي للبيروقراطية: يُعاقَب الإنسان على نتيجة تهميشه الأصلي.
أحمد يعيش في اقتصاد الكفاف: دخله اليومي من صيد السمك غير مستقر، دخل ضئيل يجعل أي نفقة غير متوقعة كارثة وجودية: فاتورة المستشفى (8600 جنيه)، غرامة المحكمة (5000 جنيه ثم 1000 جنيه)، حتى رسوم الاستمارات والتنقلات - كلها مبالغ تتجاوز قدرته المالية بشكل مهول.
هذا يكشف عما يسمى "الاستبعاد الاقتصادي" الفقر يتحول إلى حرمان من القدرات الأساسية - القدرة على الوصول للخدمات الصحية، التعليمية، القانونية. أحمد يعجز عن الدفاع عن نفسه قانونياً، يعجز عن علاج نفسه في المستشفيات الخاصة، ويعجز حتى عن تسجيل ابنه في المدرسة - كل هذا بسبب الفقر المادي والرمزي المزدوج.
في المشهد الحاسم الذي يعرض أحمد فرصة الحصول على شهادة ميلاد مزورة مقابل 500 جنيه، وهو يحاور سكرتير المدرسة لتسجيل ابنه، يفضح الفيلم الفخ المنطقي الذي تصنعه البيروقراطية: النظام يُغلق كل أبواب الحل الشرعي بحيث يَدفع المواطن العادي نحو الجريمة كملاذ وحيد. أحمد لم يكن يريد سوى قيد ابنه في المدرسة-طلب بسيط وإنساني-لكن الإجراءات اللانهائية (استمارة 26، موظفون، شيخ حارة، لجنة أحوال مدنية، مندوب تجنيد، محكمة عسكرية) حولته إلى شخص خارج القانون بالفعل. الموظف الذي يعرض التزوير يمثل المنطق الفاسد للنظام نفسه: إذا كانت الطرق الشرعية مستحيلة، فإن الحل السريع يصبح الوسيلة الوحيدة. لكن الفيلم لا يقدم التزوير كخيار أخلاقي، بل كـفخ آخر-أحمد يرفضه تماماً خوفاً من السجن، وبذلك يبقى معلقاً بين استحالتين: استحالة الطريق الشرعي واستحالة الطريق البديل. هذا يكشف عن مفارقة النظام الأعمق: البيروقراطية لا تنتج فقط المخالفين، بل تُجبر على خلقهم، ثم تُعاقبهم على ما أجبرتم على ارتكابه.
النظام يقول للمواطن "أنت لا تُوجد" (ساقط قيد)، لكنه يُحاسبه كما لو أنه موجود بالفعل ومسؤول عن عدم أدائه الخدمة العسكرية. وبالتالي تصبح المخالفة نفسها آلية من آليات تطبيق القانون-أي أن النظام لا يحمي المواطنين من الانزلاق نحو الجريمة، بل هو يُصمم بحيث يضطرهم إليها، ثم يُعاقبهم عليها. التزوير، في هذا السياق، ليس اختياراً أخلاقياً بقدر ما هو نتيجة حتمية لنظام تناقضي يسحق الضعفاء بين ثقل القوانين الجامدة وعجز هذه القوانين نفسها عن تحقيق أي عدالة حقيقية
الأداء أو التمثيل
صلاح السعدني يقدم أداءً استثنائياً يتجاوز "التقمص" التقليدي للشخصية ليدخل في منطقة الجسد الناطق، جسده المتعب، مشيته المتأرجحة بسبب الجبس، نظراته الحائرة في المصالح الحكومية، ابتسامته الطفولية عندما يُخبر بأن "فاضل آخر حاجة" - كل هذه العناصر تشكل لغة بصرية تنقل معاناة الإنسان المهمش بعمق يتجاوز أي حوار.
في نظرية "المسرح الجسدي" الجسد يتحول إلى مادة التعبير الأساسية، يتجاوز كونه وسيلة لنقل الكلمات. السعدني يستخدم جسده كأداة للمقاومة: في مشهد الكشف الطبي الشامل، حيث يُجبر على خلع ملابسه والخضوع لفحوصات مذلة، يتحول جسده إلى موقع للصراع بين الكرامة الإنسانية والانضباط المؤسساتي.
الكوميديا في أداء السعدني تتحول إلى ما يسميه الناقد الماركسي الروسي ميخائيل باختين "الكوميديا الكرنفالية" أي كوميديا تقلب الهرميات الاجتماعية رأساً على عقب وتكشف عن سخف السلطة. عندما يصحح أحمد للموظف "أنا ساكن في البحر"، والموظف يرد "البحر مش عنوان!"، نحن أمام لحظة كوميدية-تراجيدية تكشف عن عدم قدرة النظام على استيعاب أنماط الحياة التي تقع خارج تصنيفاته الجامدة.
معالي زايد في دور عزيزة، زوجة أحمد، تقدم أداءً مؤثراً يجسد المرأة المصرية الصابرة القوية. رغم أن دورها يأتي ثانوياً، لكنها تمثل العمود الفقري للأسرة. في المشاهد التي تنتظر فيها عودة زوجها من رحلاته البيروقراطية، تعبر عن القلق والخوف والأمل بتعبيرات وجه بسيطة تحمل عمقاً إنسانياً. مشهد المستشفى الخاص، عندما يتعرض أحمد لحادث ويُطلب منها دفع 8600 جنيه، يظهر قوتها وصلابتها. وفي النهاية، عندما تجمع نساء الصيادين ألف جنيه لدفع الغرامة، نرى تجسيداً للتكافل الاجتماعي وقوة المجتمع البسيط.
الإخراج: كريم ضياء الدين يتبنى في "المراكبي" أسلوب الواقعية الحرجة، وهو نهج إخراجي يجمع بين التوثيق الفوتوغرافي الدقيق للواقع الاجتماعي وبين الوعي النقدي الذي يكشف عن البُنى السلطوية الخفية. معظم المشاهد مصورة في أماكن حقيقية: نهر النيل، المصالح الحكومية، الأحياء الشعبية، الأسواق. هذا الاختيار الجمالي يمنح الفيلم مصداقية وثائقية، يحولها إلى شهادة تتهم بدلاً من توثيق سلبي.
استخدام ضياء الدين للمساحات المفتوحة مقابل المساحات المغلقة يخلق ثنائية رمزية: البحر يساوي الحرية، السيولة، الحياة العضوية، بينما المكاتب تساوي القيد، الجمود، الموت البيروقراطي. أحمد يبدو في البحر كإنسان كامل، يصطاد، يغني، يتفاعل مع عائلته، أما عندما يصعد إلى "الأسفلت" فيتحول إلى كائن محاصر، ضائع في متاهة من الممرات والأوراق.
المخرج كريم ضياء الدين يستخدم مونتاج التكرار لخلق إحساس بالإنهاك والدوران في حلقة مفرغة. نرى أحمد يدخل مكتباً، يملأ استمارة، يُطلب منه وثيقة إضافية، يخرج، يدخل مكتباً آخر، يملأ استمارة أخرى، يُطلب منه وثيقة أخرى... هذا التكرار يتحول إلى محاكاة بصرية لتجربة البيروقراطية نفسها: العودة إلى نقطة الصفر باستمرار، عدم إحراز تقدم حقيقي، الإحساس بأن "آخر حاجة" تظل بعيدة المنال.
الإضاءة الطبيعية في مشاهد البحر تخلق دفئاً بصرياً، بينما الإضاءة الباردة الفلورسنت في المصالح الحكومية تعزز الإحساس باللاإنسانية. هذا التباين البصري يتحول إلى بيان سياسي عن الفرق بين الحياة الحرة والحياة المنضبطة.
مدير التصوير سمير فرج يتبنى استراتيجية بصرية تقوم على التباين بين اللقطات الواسعة والقريبة جداً لخلق إيقاع بصري يعكس التوتر الدرامي. في مشاهد البحر نرى لقطات واسعة جداً تلتقط المركب وسط اتساع النيل مما يخلق إحساساً بالحرية والانتماء للطبيعة، بينما في المصالح الحكومية تسود اللقطات الضيقة والمتوسطة التي تحاصر أحمد داخل إطار الكادر وكأنه محبوس في قفص بصري. الكاميرا تستخدم مستوى النظر الطبيعي عند تصوير أحمد في بيئته البحرية مما يمنحه كرامة بصرية وحضوراً متوازناً، أما في مشاهد المواجهة مع السلطة فتنخفض الكاميرا لتصويره من أعلى مما يجعله يبدو أصغر وأضعف.
في مشهد المحكمة العسكرية نرى الزوايا المنخفضة لتصوير القضاة مما يضخم حضورهم السلطوي بينما يُصوّر أحمد من زوايا عالية مما يجعله يبدو صغيراً، ضعيفاً، مسحوقاً. تستخدم اللقطة القريبة جداً على وجه أحمد في لحظات الحيرة والإرهاق خاصة بعد كل رفض أو طلب إضافي حيث نرى تفاصيل التجاعيد والعرق والعيون المتعبة مما يخلق تعاطفاً حسياً مع الشخصية. هذه الاختيارات البصرية تترجم علاقات القوة إلى لغة سينمائية محسوسة.
حركة الكاميرا تتسم بالهدوء والثبات في مشاهد البحر حيث تتابع أحمد وهو يصطاد أو يجلس مع عائلته من خلال لقطات ثابتة أو حركات بانورامية بطيئة تعكس السكينة والاستقرار النفسي. في المصالح الحكومية تصبح الكاميرا أكثر حركة وتوتراً من خلال لقطات تتبع سريعة تلاحق أحمد وهو ينتقل من مكتب لآخر أو حركات يدوية تخلق اهتزازاً خفيفاً يعكس القلق والفوضى.
العمق الميداني يُستغل بذكاء ففي مشهد الطابور أمام السجل المدني نرى أحمد في المقدمة واضحاً بينما خلفه طابور طويل من البشر خارج نطاق التركيز مما يخلق إحساساً بالزحام واللانهائية. التكوين البصري يعتمد على وضع أحمد في مركز الكادر عندما يكون في البحر بينما في المكاتب غالباً ما يُدفع إلى جوانب الكادر أو يُحاط بالأوراق والملفات والموظفين مما يخلق إحساساً بالاختناق البصري.
الموسيقى التصويرية للراحل حسين الإمام في الفيلم تلعب دوراً حاسماً في تعميق البعد النفسي والعاطفي للتجربة الإنسانية التي يعيشها أحمد السيد عليش. الملفت في الاختيار الموسيقي أن المؤلف الموسيقي يستخدم ألحاناً هادئة وشاعرية في اللحظات التي يُصاب فيها أحمد بالإحباط والهزيمة وهو اختيار يتحدى المنطق السينمائي التقليدي الذي يستخدم الموسيقى الدرامية الصاخبة لتضخيم الأزمات. هذه الموسيقى الهادئة تخلق تناقضاً عاطفياً عميقاً بين الصورة والصوت فبينما نرى أحمد محطماً ومنهكاً ومسحوقاً تحت وطأة البيروقراطية تأتي الموسيقى كنسيم حزين يحتضن ألمه بدلاً من أن تصرخ معه. هذا التباين يعمق الإحساس بالمأساة الصامتة حيث الموسيقى تتحدث عن الكرامة الداخلية التي تصمد رغم الانهيار الخارجي.
في مشهد خروج أحمد من المحكمة العسكرية بعد تغريمه ألف جنيه تصاحبه موسيقى حزينة هادئة تعتمد على آلات وترية تعزف لحناً بطيئاً يشبه النحيب المكتوم وكأن الموسيقى تبكي نيابة عن أحمد الذي فقد القدرة على البكاء.
الموسيقى هنا تعمل كصوت داخلي لأحمد كتجسيد لمونولوج نفسي صامت يعبر عن الحيرة والعجز والاستسلام المؤقت. في لحظات أخرى حين يجلس أحمد على المركب بعد يوم شاق من المعاملات الحكومية تأتي موسيقى هادئة تمتزج مع صوت الماء وحركة الأمواج لتخلق جواً تأملياً يعكس محاولة الشخصية استعادة توازنها النفسي.
هذا الاستخدام الذكي للموسيقى يحول الصوت إلى شريك درامي يعمل على مستوى اللاوعي العاطفي للمشاهد فيجعله يشعر بالحزن الذي يعجز أحمد عن التعبير عنه بالكلمات.
الإيقاع السردي يتناوب بين اللحظات الكوميدية السريعة واللحظات الدرامية البطيئة. في مشهد الكشف الطبي الشامل، يتسارع الإيقاع (أحمد يتنقل بين آلات التصوير بالأشعة، يُصوَّر قلبه، معدته، كليته...) مما يخلق كوميديا الفوضى. في مشهد عودته من المحكمة العسكرية، يتباطأ الإيقاع بشكل ملحوظ (لقطات طويلة لوجهه المنهك، صمت، مشي بطيء...) مما يعمق الإحساس بالهزيمة.
هذا التلاعب بالإيقاع يخلق ما يسميه المنظّر السينمائي الروسي سيرغي آيزنشتاين "المونتاج الديالكتيكي" التصادم بين مشاهد متناقضة (كوميدي/درامي، سريع/بطيء) يولد معنى ثالثاً أعمق - في هذه الحالة، المأساة الكوميدية للوجود البيروقراطي.
في النهاية، بعد كل المعاناة، يحصل أحمد على كارت من الوزير يسمح لابنه الطيب بدخول المدرسة لحد ما يستكمل الأوراق. هذا الحل يأتي جزئياً، مؤقتاً، هشاً فالطفل يلتحق بالمدرسة لكن أحمد يبقى ساقط القيد، والأوراق تبقى ناقصة. المشهد الأخير يُظهر أحمد وهو يعود إلى مركبه حيث البحر، مكانه الحقيقي، يستقبله. هذه نهاية مفتوحة تحمل أملاً حذراً فالحياة تستمر لكن المشاكل تبقى قائمة. الفيلم يرفض تقديم نهاية هوليودية سعيدة ويختار الواقعية المصرية انتصار صغير وسط معركة مستمرة.
لكن الجميل في الفيلم أن أحمد في حواره مع الوزير في تلك اللحظة، كشف عن وعي نقدي عميق: هو انتم يا بيه حاطين لوايح جامدة ناشفة... ما بتعرفش تفرق بين الكويس وبين الوحش. أنما ربنا سبحانه وتعالى أعلم بالنيات، بيعرف الطيب من الخبيث."
هذه الجملة تلخص نقد الفيلم الجوهري: القوانين البيروقراطية الجامدة تعجز عن التعامل مع التعقيد الإنساني. تعامل الجميع بنفس القسوة، دون تمييز بين المجرم والفقير الغلبان. وهو ما يسمى "عنف القانون- ذلك القانون، الذي حتى عندما يدّعي العدالة، يمارس شكلاً من أشكال العنف الرمزي على من يقع خارج تصنيفاته.
فيلم المراكبي ترك أثراً عميقاً في الوعي الجماعي المصري فعبارة فاضل آخر حاجة أصبحت مثلاً شعبياً يُستخدم للسخرية من تعقيدات البيروقراطية، وشخصية أحمد السعدني أصبحت رمزاً للإنسان البسيط المطحون في آلة النظام.
فيلم المراكبي تتجاوز كونه فيلماً عن بيروقراطية معقدة ليصبح عملاً إنسانياً عميقاً يطرح أسئلة جوهرية عن الهوية والكرامة والعدالة الاجتماعية. من خلال حكاية صياد بسيط قدم الفيلم تشريحاً دقيقاً للمجتمع المصري بكل طبقاته وتناقضاته
فنياً، الفيلم متماسك: التصوير واقعي، الموسيقى مناسبة، المونتاج يحافظ على الإيقاع. لكن القوة الحقيقية تكمن في الرسالة: الإنسان يستحق الاعتراف بوجوده، يستحق الكرامة، يستحق الحق في الحياة دون أن يُحاصر بمتاهة من الأوراق والإجراءات.
رغم مرور أكثر من أربعة عقود على إنتاج الفيلم، تظل قضاياه راهنة بشكل مذهل. البيروقراطية المصرية لم تتحسن كثيراً، والفقراء يواجهون نفس المعاناة في الحصول على حقوقهم الأساسية. في عصر الرقمنة، تغيرت الأدوات (استمارات إلكترونية بدلاً من ورقية)، لكن المنطق الأساسي بقي كما هو: التعقيد، التأجيل، الإقصاء.
***
كاظم أبو جويدة






