قراءة في كتاب
صالح الرزوق: الاستشراق الناعم في كتابات ريبيكا روث غولد
لا يمكن أن لا ننظر إلى كتابات ريبيكا روث غولد إلا ضمن تيار الاستشراق الأوروبي. فمؤلفاتها تهتم بشعرية الدين الإسلامي. والشعرية بالنسبة لها هي أسلوب حياة أو رؤية قبل أن تكون بلاغة وطريقة من طرق التعبير. ويتضح ذلك من متابعتها لشعراء السجن السياسي في إيران، ثم من دراستها المعمقة لشعراء القوقاز وعلاقتهم المجحفة مع دول الجوار وبالأخص القوميين الروس. ومن المؤكد أن هذا الكتاب يتجاوز المبادئ التي تعارفنا عليها بخصوص النقد الأدبي. فهو يضع الدين بمواجهة القومية أو الانتماء الروحي أمام العرق. ولو تابعنا مع هذا الخط تستطيع أن تلاحظ أن مفهوم الثورة عند ريبيكا غولد ينطوي على اتجاه يشمل المواقف البطولية الفردية، لذلك حمل كتابها عنوان "أدباء وثوار"، وفيه توظف شخصية الأبريك abrek المتمرد الوحيد أو الذئاب المنفردة بالتعريف المعاصر، وتؤهله للترقية من فرد إلى بطل، وتجرد الثورة من مضمونها السياسي وتحولها إلى وجدان يتحكم به الوعي الباطن. فالثورة في مقاربة غولد تتكئ على الوجدان قبل التفكير، وهي سلوك اختياري يضع المتمرد بمرتبة القديسين والمعصومين، وينطبق ذلك أولا على شعراء السجن السياسي (خاقاني مثلا في نظرها إما نبي أو ملك). ولكن يأخذ هذا المفهوم عكس ما تعودنا عليه من كتابات العالم الثالث (وأخص بالذكر سلسلة ذاكرة الشعوب التي أشرف عليها المرحوم إلياس خوري). فقد توفر فيها لأدباء آسيا وإفريقيا درجة كافية من الوعي والفهم ونظروا إلى الحرمان على أنه تجريد لسياسة طبقة من المنتفعين والمستغلين، ودائما وراءهم خطط وسياسات دول استعمارية. ويتضح نفس الأمر في نماذج من خارج السلسلة (مثل الجذور لأليكس هالي حيث أن الجوع والإرهاق يرادف معنى اغتصاب النساء، الأمر الذي يحول التابع إلى مؤنث أو رمز تجريدي يعبر عن تدني مرتبته في مجتمعات ذكورية. وكذلك أطلس الحنين المستحيل لأنورادا روي - وفيها يتطور الاستغلال من امتلاك المرأة إلى امتلاك الأرض - ويصبح المرابي والمقاول بمثابة نائب الإله). وإذا حرص المثقف في العالم الثالث على أنسنة شخصياته، تضفي عليها حركة الاستشراق دراما تعبر عن غرائز مكبوتة وعواطف غامضة. ويدخل في هذا المضمار قصص كتاب غرباء لغولد - صدر بطبعة سابقة تحت عنوان غرباء عشاق.
جدير بالذكر أنه لا يخلو كتاب لمستشرق من موضوع الحب، بالإضافة إلى الإفراط بالخيال وظواهر ما فوق الطبيعة. كما يتضح من حركة الاستشراق الأوروبي. فقد اعتمدت على تجنيس وتعرية الحب، وتصحر وتعرية الطبيعة والأرض. ولكن طرأ تحول على هذا الموقف في الاستشراق الأمريكي باعتبار أن الصحراء والطبيعة الجافة والعارية ليست غريبة على الولايات الجنوبية مثل أريزونا وتكساس. ولكن هذا لا يعني حكما أن غولد تنتمي إلى الاستشراق الكلاسيكي، وهي برأيي أقرب إلى الاستشراق الناعم، ومن أهم مواصفاته.
أنه أولا يتناول طبقة مثقفة من المجتمع. فشخصياتها أساتذة جامعات أو طلاب وفي بعض الأحيان من فئة المرشدين السياحيين المشهود لهم بالكفاءة ومعرفة التاريخ، وليس لهم علاقة بنموذج المتشرد والقاتل المتسلسل أو العاطل عن العمل ولا الجاسوس (حالة غراهام غرين ولورنس داريل).
وثانيا أنها وضعت الشرقي على أرض غربية. ودائما يكون برحلة لطلب العلم، ولا علاقة له لا بالسياحة ولا طلب اللجوء أو مشكلة الوقت الضائع.
وثالثا أن استشراقها سياسي أيضا. فرحلاتها الغرامية في شرق أوروبا، محكومة كذلك بالفشل، وتدخل في سياق الحرب الباردة. لكنها لا تنحاز إلى مفهوم الحرية الغربي، وتكتفي بنقد النموذج - الحكومات الأبوية في حلف وارسو. وهي حالة نقد ذاتي معكوسة، فشرق أوروبا استغل، أو حرفيا، استعمر شعوبه، لكن استعمر الغرب أراضي غيره. وجدير بالتنويه أن لغولد مثلثا حضاريا أضلاعه هي: الدولة الأبوية في شرق العالم، الكيانات الرمادية في الغرب، ودكتاتوريات الشرق الأوسط المتخلف وما وراءها (ويعبر عن نزوع دولاتي يتصف بأقسى أشكال الطغيان حيث تفرض المؤسسة الحاكمة سيطرتها على الإنسان وأرضه - بمعنى المجتمع والمصادر).
رابعا وأخيرا أن التعارف - ومن ضمنه علاقات الحب- تجري في المطاعم والبيوت والمكتبات. لذلك يبتعد استشراقها عن الفانتازيا والعجائب ويقترب من مشاكل التاريخ والأخلاق والسلوك – وكلها جوانب اجتماعية ومعرفية.
ولكن تحتفظ غولد من الاستشراق المعروف بعدة عناصر وهي الحب المؤقت. فبعد عدة أسابيع تنتصب الحواجز الحضارية وتجف منابع الحب ولا يبقى منه غير المرارة، ويأخذ الشرق مكانا أدنى في سلم العلاقات، وبالأخص في مجال الحرية والخبرة. ولا يبقى لابن المشرق غير ألغاز تاريخه القديم. وهو جانب رومنسي آخر، تستبدل فيه غولد غموض الصحراء ومعطيات التاريخ - كالأهرامات و المدافن - بغموض الروح والنفس. ويمكن أن تستدل من قصصها أن هذه الجوانب هي مجرد استعارة مكنية لتشيؤ الإنسان، إن لم نقل لأنسنة الطبيعة. وفي جو من هذا النوع تعمد لاختزال المشاهد الطبيعية بصور في غرف النوم وعلى السرير، كي تدعم مقاربتها الناعمة لمفهوم العرق والدين. فالاستشراق الكلاسيكي يضخم أي مواجهة ويؤهلها لاشتباك وصدام حضاري، بينما تختزلها غولد بنوع من الحوار - بين اثنين- وإن كان يتخلله احتكاك وتلامس. والملاحظة الأخيرة لا تخلو بلغة الأعماق من الاختلاف. كما أنها في النهاية تمهيد لاكتشاف الصدع الذي لا يمكن تجنبه. بتعبير آخر هو حوار يرقى إلى درجة التشاحن، ويتبعه تعميق الصدع. ويؤكد على ذلك الاختلاف البيولوجي، فهو أيضا اختلاف في الفوائد المتوقعة، وطريقة التعامل معها. ولتوضيح هذه المسألة: لا يوجد في قصص الكتاب حبكة تجمع بين أصدقاء ولا زملاء عمل أو أخوة siblings ولكن دائما يجب أن نتوقع المضيف المذكر، والضيف المؤنث، أو العكس، وكأن البيولوجيا مبدأ حضاري أو أنها قدر سوسيولوجي لا بد منه. وبهذا المنطق يكون الجندر هو الفكرة والمكان بوقت واحد. وما يسجل لغولد أن نهاية قصصها الغرامية لا تتحول إلى جرح حضاري، ولكن إلى معلومة عن المعنى الاجتماعي للشرق الذي يستميت من أجل البقاء – ولو بدون حب وفي ثقافة يحكمها الغش وضعف الإرادة (كما ورد في قصتها نفس).
***
د. صالح الرزوق






