عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: الانتحار الرهيب.. نتائج ثقافة العنف وعنف الثقافة

(حينما يتكرر السلوك يتحول إلى عادة، وحينما تترسخ العادة تتحول إلى ثقافة) ق.م.

بذهول شديد شاهدت فيديوهات لفتاتين احدهما يمنية القت بجسده الحي من سطع عمارة والدها في الدور الثامن بعد إن ترددت خوفا ورهبة من ذلك الفعل العنيف جدا الذي لا يجرؤ عليه إلا شخصا فقد الأمل بكل ممكنات الحياة؛ ارتمت في حوش العمارة الصخرة وانتهى كل شيء وفيديو، من الإسكندرية في مصر تظهر فيه سيدة تدعى بسنت سليمان وهي تنهي حياتها انتحارا في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ القت بنفسها من الدور الثالث عشر بعد إن ودعت العالم بالبث المباشر.

فما الذي دفع هاتين السيدتين إلى الانتحار بهذه الطريق الشديدة العنف؟

ولأنني لا اكتفي بمشاعر المؤمن تجاه المشاهد المروعة بل احاول النظر إلى الإسباب والعوامل التي جعلتها ممكنة فقد حاولت في دراسة سابقة فهم البنية الحقيقة التي تتطلع منها رؤوس الأفاعي! اقصد هذه الشرور الخطيرة على الاستقرار الاجتماعي وذلك بالنظر إلى العنف، لا بوصفه فعلاً طارئًا، بل بوصفه بنية عميقة تتسلل إلى الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. فالعنف في مجتمعاتنا لم يعد مجرد رد فعل على ظروف استثنائية، بل صار نسقًا مستبطنًا، يتجدد عبر التربية واللغة والعلاقات اليومية، حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا وللعالم من حولنا إذ إن أكثر ما يبعث على القلق ليس مشاهد العنف الصادمة في ذاتها، بل ذلك الاعتياد البارد عليها، ذلك التآكل التدريجي في الحساسية الإنسانية الذي يجعل المأساة حدثًا عابرًا، والخبر الدامي مادة استهلاك يومي. حين تقف فتاة على حافة الحياة، مترددة بين القفز والتراجع، فإنها لا تواجه الموت وحدها، بل تواجه تاريخًا من القهر، وثقافةً ضاقت بها حتى لم تترك لها منفذًا سوى السقوط. تلك اللحظة ليست لحظة فردية، بل خلاصة مسار طويل من العنف المادي والرمزي الذي يطوق الإنسان منذ ولادته. واكثر تجليات هذا العنف المادي والرمز تتبدى بوضوح في العلاقة المختلة مع المرأة، حيث لا يبدأ العنف عند لحظة الاعتداء، بل قبل ذلك بكثير، منذ التكوين الأول، منذ اللحظة التي يُستقبل فيها الجنين بالدعاء المشروط: أن يكون ذكرًا لا أنثى. هنا، في هذه اللحظة الرمزية المبكرة، يتأسس أول شكل من أشكال العنف، حيث يُمنح الوجود نفسه قيمة متفاوتة، ويُختزل الكائن البشري في نوعه البيولوجي. ومنذ تلك اللحظة، تدخل الأنثى في مسار طويل من التمييز، يبدأ بالقلق المحيط بالأم، ويمتد إلى لحظة الميلاد حيث تتجلى المفارقة الفجة بين الاحتفاء بالذكر والحزن من قدوم الأنثى.

إن هذه الصدمة الأولى ليست عابرة، بل تؤسس لعلاقة مضطربة بين المرأة ووجودها ذاته. فهي تتعلم، منذ لحظاتها الأولى، أنها ليست موضع ترحيب كامل، وأن عليها أن تبرر وجودها في عالم لم يُصمم لها. وهنا يتخذ العنف شكله الأكثر خبثًا: الوأد الرمزي، حيث لا تُقتل الأنثى جسديًا، بل تُمحى تدريجيًا عبر التهميش والإقصاء والتقليل من القيمة. تُخفى، تُقيد، تُربى على الخوف، وتُحاصر بسلسلة من المحظورات التي تجعل حياتها فضاءً ضيقًا لا يتسع لحريتها.

ومع نموها، تتسع دائرة العنف وتتعقد. فالعنف لا يُمارس فقط بالضرب أو الإكراه، بل يُمارس أيضًا عبر المنع: منع من اللعب، من التعلم، من الاختيار، من الحلم. تُحرم من أبسط حقوقها في تقرير مصيرها، ويُعاد تشكيلها لتكون كائنًا تابعًا، خاضعًا لمنطق السيطرة الذكورية. وفي كثير من الحالات، تُدفع إلى الزواج المبكر، قبل أن تكتمل ملامح وعيها، وكأن حياتها مشروع يُدار من الخارج لا تجربة تُعاش من الداخل.

هكذا يبدا العنف ضد النساء في مجتمعنا من لحظة الأخصاب الاولى إذ الأم الحامل في حالة قلق وتوتر طوال مدة حملها بشأن هذا الكائن الذي بدأ يتحرك في رحمها! خشية من غضب الزوج وذويه، ولا يزول القلق إلا في لحظة الولادة، حيث يبلغ التمييز أوجه، بانشراح الأسارير وإطلاق الزغاريد بالقادم الجديد إذا كان ذكرًا، بينما تعبس الوجوه وتذرف الدموع ويعم الحزن والغضب والتجهم إذا كان المولد الجديد أنثى، وبهذا تواجه الأنثى منذ لحظة ميلادها أول صدمة عنيفة في حياتها، صدمة تتمثل برفض المجتمع لوجودها بوصفها كائنًا غير مرحب به، ولا بد من وأدها بالمهد، كما كان يفعل العرب قبل الإسلام، غير أن العقلية الذكورية المهيمنة ابتكرت طرقًا شتى لممارسة وأد البنات بعد الإسلام الذي حرمه؛ الوأد الرمزي، إذ يتم وأد الجنين الأنثى بعدم الترحيب بميلادها وبإخفاء خبر مجيئها، بعكس المولود الذكر الذي يعد ميلاده في العائلة العربية موسم احتفال مستمر منذ الصرخة الأولى والختان والتهاني والهدايا والزيارات التي تستمر مدة أربعين يومًا وأكثر! منذ ذلك الحين يتم وأد أنثى الإنسان بالمزيد من الإخفاء عبر التمييز الجنوسي باختيار الملابس والألعاب، والإهمال، والقسوة في التربية، والتحقير والتخجيل من جميع أفراد العائلة، ومن ثم الحرمان من اللعب الحر في الشارع والفضاء العام كما هو حاصل في بعض الدول العربية الأشد تخلفًا، والتي تحرم على البنات الخروج للعب في الشارع والكلام مع الغرباء، والحرمان من التعليم، وإجبار الفتيات على البقاء في البيت حتى يأتي العريس الذي يتم تدبير أمره برغبة أهلها دون علمها وبغير إرادتها، قبل بلوغها سن النضج، وقد شهدت اليمن ودول الخليج حالات لا تحصى من زواج الصغيرات، وبعضهن يتم ربطهن منذ الولادة في ما يعرف بزواج المبادلة وهذا التمييز ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو بنية ثقافية متكاملة، تتغذى من العادات والتقاليد والتفسيرات المشوهة للدين، وتعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال. فالأم التي عانت من القهر قد تعيد إنتاجه على ابنتها، ليس بدافع القسوة، بل بوصفه “الطبيعي” الذي لا يمكن تغييره. وهكذا يتحول العنف إلى ميراث غير مكتوب، ينتقل من جيل إلى آخر، ويترسخ كجزء من “الهابيتوس” الاجتماعي، أي ذلك النسق من الاستعدادات الذهنية والسلوكية التي تحدد كيف نفكر ونشعر ونتصرف.

ولا يقف الأمر عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. فالمرأة تواجه عنفًا اقتصاديًا بحرمانها من العمل أو الاستقلال المالي، وعنفًا سياسيًا بإقصائها عن مراكز القرار، وعنفًا قانونيًا عبر تشريعات تنتقص من حقوقها، وعنفًا أخلاقيًا في النظرة التي تختزلها في جسد أو موضوع رغبة. وفي الفضاء العام، تصبح عرضة للتحرش والملاحقة، دون حماية كافية، وكأن المجتمع بأسره يشارك، بصمت أو بفعل، في تكريس هذا الوضع.

إن أخطر ما في هذا الواقع هو أنه لا يُنظر إليه دائمًا بوصفه ظلمًا، بل يُبرر أحيانًا باسم “الخصوصية الثقافية” أو “التقاليد”. وهنا يتجلى العنف الرمزي بأوضح صوره، حيث يتم تحويل القهر إلى قيمة، والتمييز إلى نظام طبيعي، والمساواة إلى تهديد. وهذا ما يجعل مقاومة العنف أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتطلب فقط تغيير السلوك، بل تغيير البنية الفكرية التي تشرعنه.

غير أن نتائج هذا العنف لا تتوقف عند النساء وحدهن، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فالمرأة المقهورة لا تستطيع أن تكون مصدر أمان، والطفل الذي ينشأ في بيئة مشبعة بالخوف والإهانة يحمل داخله بذور اضطراب عميق. وهكذا يتشكل جيل يعيد إنتاج العنف، لا لأنه يريده، بل لأنه لم يعرف غيره. ومع كل جيل جديد، تتعمق الأزمة، ويصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

إن المجتمعات التي تهمش نساءها تدمر نفسها ببطء. فهي تحرم نصف طاقتها البشرية من الإسهام، وتفقد توازنها الأخلاقي، وتنتج علاقات مشوهة قائمة على الهيمنة لا على الشراكة. لذلك فإن وضع المرأة ليس قضية هامشية، بل هو مؤشر حاسم على مستوى التحضر الإنساني. فحيث تُحترم المرأة، يُحترم الإنسان؛ وحيث تُهان، يُهان الجميع.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بعض الجهود الإصلاحية قد بدأت تظهر في عدد من الدول، عبر سياسات تمكين وتشريعات أكثر عدالة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل محدودة ما لم تترافق مع تحول ثقافي عميق. فالدولة قد تشرع القوانين، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير العقول. وهذا يتطلب انخراطًا واسعًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، لإعادة بناء الوعي على أسس جديدة.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل مطروحًا في السياقات المنهارة، حيث تغيب الدولة نفسها، كما هو الحال في بعض البلدان التي أنهكتها الحروب. في هذه البيئات، تصبح المرأة أكثر عرضة لكل أشكال العنف، دون أي شبكات حماية حقيقية. وهنا يتضاعف التحدي، لأن مواجهة العنف لا تتطلب فقط إصلاح الثقافة، بل إعادة بناء الدولة ذاتها. فنقد الصور النمطية للعنف ضد المرأة والتنوير بأهمية دور المرأة في التنمية المستدامة لا يكفي لوحده، بل لا بد من اتخاذ خطوات عملية ملموسة في واقع الممارسة الحياتية، خطوات تشريعية وسياسية ومؤسسية واضحة في منح المرأة المكانة المستحقة.

إن العنف، حين يتحول إلى ثقافة، يصبح أشبه بمرض مزمن يتغلغل في كل خلايا المجتمع. لا يظهر فقط في الحروب والجرائم، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة: في الكلمات، في النظرات، في طرق التربية، في ما نعتبره عاديًا أو مقبولًا. ومع الزمن، يفقد الناس قدرتهم على تخيل عالم مختلف، ويصبح العنف قدرًا لا مفر منه لكن هذا القدر ليس حتميًا. فكما صُنع العنف، يمكن تفكيكه. غير أن ذلك يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية، تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وتمر بنقد جذري للذات، وتنتهي بإعادة بناء منظومة القيم. ويتطلب أيضًا إعادة الاعتبار للإنسان كغاية لا وسيلة، وللكرامة كقيمة لا تقبل المساومة.

وفي قلب هذه المعركة، تظل قضية المرأة مركزية، لأنها تمثل نقطة التقاطع بين كل أشكال العنف: الجسدي والرمزي، الفردي والمؤسسي، الخاص والعام. وحمايتها ليست فقط واجبًا أخلاقيًا، بل شرطًا لبقاء المجتمع نفسه. لأن مجتمعًا يعجز عن حماية أضعف أفراده، إنما يعلن، بطريقة غير مباشرة، عجزه عن حماية ذاته.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستطيع كسر هذه الحلقة؟ هل يمكن لمجتمع تشرب العنف لعقود أن يعيد اكتشاف إنسانيته؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من إدراك حقيقة أساسية: أن أخطر ما في العنف ليس ما يفعله بنا، بل ما يجعلنا نصبحه. وحين نصل إلى هذه النقطة، يصبح الصمت مشاركة، والتبرير جريمة، ويغدو التغيير، مهما بدا صعبًا، ضرورة لا خيارًا لأن كل ما في هذا العالم، مهما تضخم، لا يساوي لحظة كرامة مهدورة، ولا دمعة فجيعة في عيني طفلة.

***

أ. د. قاسم المحبشي - استاذ فلسفة التاريخ والحضارة مقيم في هولندا