قضايا

غالب المسعودي: تناسخ الأرواح وأسطورة العود الأبدي

جدلية الخلود بين الميتافيزيقا والواقع الموضوعي

معضلة الزمن والبحث عن الخلود

لطالما وقف الإنسان عاجزاً أمام ثنائية الوجود والفناء، محاولاً فك شفرة الزمن الذي يسير باتجاه واحد نحو الموت "الإنتروبيا"، لم يكن الوعي البشري منذ أقدم الحضارات، مستعداً لتقبل فكرة النهاية المطلقة أو العدم الذي يلي انطفاء الوجود. البيولوجي. من هنا، نبعت الحاجة الماسة لصياغة سرديات كبرى تفسر مصير الروح ليس كعزاء نفسي فحسب، بل كنظام كونية تمنح المعنى للمعاناة الأخلاقية والوجودية.

في هذا السياق، برزت نظريتان هيمنتا على الفكر الديني والفلسفي لآلاف السنين:

 تناسخ الأرواح والعود الأبدي. يفترض التناسخ زمناً "لولبياً"، حيث تعود الروح مراراً وتكراراً، لكنها في كل مرة تحمل معها "حمولة" مختلفة من الكارما والخبرات، مما يفتح الباب للتطور أو الانحدار؛ إنه نظام تربوي كوني يهدف في النهاية إلى "الخلاص" من الزمن نفسه. في المقابل، يفترض العود الأبدي - في صورته الرواقية أو النيتشوية الصارمة - زمناً "دائرياً" مغلقاً، حيث يتكرر كل حدث، وكل ألم، وكل فرح، بنفس التفاصيل الدقيقة إلى ما لا نهاية، دون أمل في التغيير، مما يضع الكائن البشري أمام اختبار وجودي هائل لمدى قبوله لمصيره.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك هاتين السرديتين من خلال مقاربة فلسفية وموضوعية شاملة، والغوص في البنى الميتافيزيقية للديانات الشرقية، والفكر اليوناني، والتيارات الباطنية، لنصل إلى التفسيرات الوجودية الحديثة، وننتهي بمواجهة هذه الأساطير مع الحقائق العلمية المعاصرة في الكوسمولوجيا، والفيزياء، وعلم النفس العصبي. وننتهي بالسؤال هل هذه الأفكار مجرد "أساطير" لتعطيل رعب التاريخ، أم أنها حدس مبكر بحقائق فيزيائية حول طبيعة الزمن والمادة؟.

 العجلة الشرقية - ميتافيزيقا السامسارا وآليات الكارما

تُعد الديانات الهندية المختبر الأضخم الذي نضجت فيه فكرة التناسخ، حيث تحولت من مجرد اعتقاد فلكلوري إلى قانون كوني صارم يحكم الآلهة والبشر على حد سواء. يرتكز هذا النظام على مفهوم "السامسارا" (Samsara): عجلة الولادة والموت التي لا تتوقف، والتي يُنظر إليها غالباً على أنها عبء ومعاناة يجب التحرر منها، لا نعمة يجب التمسك بها.

الهندوسية: رحلة الأتمان والذاكرة الكونية

في الفلسفة الهندوسية، التناسخ ليس فرضية بل بديهية. الأساس الميتافيزيقي هنا هو وجود "الأتمان"

اتمان وهي الروح الخالدة التي تُعتبر جوهر الفرد، والتي هي في حقيقتها متصلة أو متطابقة مع "البراهمان" (الروح الكونية المطلقة). تكمن المشكلة في "الجهل الذي يجعل الروح تظن أنها منفصلة ومحدودة بجسد مادي، مما يوقعها في شباك الرغبة والفعل.

تطرح الهندوسية إجابة على سؤال "لماذا لا نتذكر حيواتنا السابقة؟". الذاكرة العقلية مرتبطة بالدماغ الفاني الذي يتحلل، لكن "الذاكرة الجوهرية" تكمن في الميول والغرائز. فالطفل المعجزة في الموسيقى، أو الشخص الذي يشعر بنفور غير مبرر من شيء ما، يعبر عن ذاكرة كارمية مكبوتة. يحدث التحرر عندما تدرك الروح حقيقتها المتعالية وتتوقف عن مراكمة كارما جديد.

 البوذية: مفارقة التناسخ بلا روح

تقدم البوذية التحدي الفلسفي الأكبر لنظرية التناسخ التقليدية. رفض بوذا وجود "روح" ثابتة أو جوهر دائم. ومع ذلك، احتفظت البوذية بفكرة الكارما والولادة المتكررة، مما خلق إشكالاً فلسفياً: إذا لم تكن هناك روح، فمن الذي يولد من جديد؟ ترد البوذية بأن "الاستمرارية السببية" لتيار الوعي هي ما ينتقل، كشعلة تنتقل من شمعة إلى أخرى؛ الشعلة الجديدة ليست هي القديمة ولا تختلف عنها تماماً. وبينما تسعى الهندوسية لتوحيد الروح الفردية بالروح الكونية، تسعى البوذية لإطفاء عملية الصيرورة نفسها للوصول إلى "النيرفانا"، وهي حالة انقطاع لتيار الكارما وخروج نهائي من السامسارا.

الإرث اليوناني والباطني - من التطهير إلى العدالة

"الميتيمسايكوسيس" ارتبط بالديانة الأورفية والمدارس الفيثاغورية والأفلاطونية لم يكن التناسخ هنا مجرد تكرار ميكانيكي  بل كان رحلة تطهير أخلاقي.

الأورفية وفيثاغورس: آمن الأورفيون بأن الروح ذات أصل إلهي سُجنت في الجسد نتيجة خطيئة قديمة. وتبنى فيثاغورس هذه الرؤية مضيفاً إليها بعداً رياضياً، حيث ادعى قدرته على تذكر حيواته السابقة.

أفلاطون وأسطورة "إر":

 قدم أفلاطون في كتاب "الجمهورية" واحدة من أقدم النصوص الفلسفية المفصلة عن التناسخ. في "أسطورة إر"، تخضع الأرواح لمحاكمة ثم تختار حياتها القادمة. النقطة الجوهرية هنا هي المسؤولية؛ فالروح التي لم تتطهر بالفلسفة قد تختار حياة طاغية بدافع الجشع، غير مدركة للمصير المأساوي الذي ينتظرها، وبذلك تكون "المسؤولية تقع على المختار، والله بريء منها".

التقمص والعدالة الإلهية:

منطقة الهلال الخصيب، طورت الفرق الباطنية (المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة والغنوصية) مفاهيم خاصة للتقمص لتفسير "العدل الإلهي" وتبرير التفاوت في الأقدار الدنيوية.

أسطورة العود الأبدي - رعب التاريخ أم انتصار الحياة؟

على النقيض من التناسخ الذي يفترض "تغيراً" في كل دورة، تطرح نظرية "العود الأبدي" مفهوماً راديكالياً ومرعباً: تكرار الكون والزمن والأحداث بحذافيرها، بلا أدنى تغيير.

الزمن الدائري (ميرسيا إلياد):

 يرى مؤرخ الأديان ميرسيا إلياد أن الإنسان القديم عاش في رعب من "التاريخ" (الأحداث العرضية الخطية). ولمواجهة هذا الرعب، ابتكر "الزمن المقدس" من خلال الطقوس التي تعيد تمثيل لحظة الخلق الأولى، مما يلغي الزمن الخطي ويعيد الإنسان إلى اللحظة الأزلية.

الرواقية (الفيزياء القدرية):

 حولت المدرسة الرواقية العود الأبدي إلى نظرية فيزيائية. يمر الكون بدورة حياة ("السنة العظمى") تنتهي بحدث كوني هائل هو "الإكبيروسيس")) أو الاحتراق العظيم. وبما أن "اللوغوس" (العقل الكوني) كامل، فإن الدورة القادمة يجب أن تكون مطابقة تماماً للدورة السابقة؛ لأن أي تغيير يعني الانحراف عن الكمال.

نيتشه (الاختبار الوجودي):

 نقل فريدريك نيتشه المفهوم من الفيزياء إلى الأخلاق. في كتابه العلم المرح، يطرح تجربة "الشيطان" الفكرية: ماذا لو عشت حياتك هذه مرة أخرى ومرات لا تحصى؟ بالنسبة لنيتشه، هذا هو الاختبار الأقصى لقيمة الحياة وقهر العدمية. إذا كنت تعشق حياتك، فالتكرار هو الخلود المنشود.

نقد هايدغر ودولوز: رأى هايدغر في فكرة نيتشه محاولة لمصادرة "الصيرورة" وتحويلها إلى "كينونة" ثابتة، وهي قمة "إرادة القوة". بينما يرى جيل دولوز أن العود الأبدي "انتقائي"؛ فما يعود هو فقط ما هو قوي ومؤكد للحياة.

الواقع الموضوعي - العلم يواجه الأسطورة

هل تبقى هذه النظريات حبيسة الفلسفة، أم أن العلم الحديث يقدم مقاربات موازية؟

 الكوسمولوجيا والفيزياء: دورات الكون

أثبت هنري بوانكاريه رياضياً أن أي نظام ديناميكي مغلق ومحدود سيعود حتماً إلى حالة قريبة جداً من حالته الابتدائية بعد زمن طويل جداً. نظرياً، يعني هذا تكراراً فيزيائياً للأحداث، لكن توسع الكون المتسارع قد يحول دون ذلك في كوننا الحالي.

الكوسمولوجيا الدورية الامتثالية (CCC): يقترح الفيزيائي روجر بنروز نموذجاً دورياً يتجاوز مشكلة التوسع. يفترض أن الكون يمر بـ "دهورلا نهائية. عند النهاية الباردة للكون، تفقد الجسيمات كتلتها ويصبح الكون مجرد إشعاع، مما يجعله رياضياً مطابقاً للحظة الانفجار العظيم لكون جديد. ويدعي بنروز وجود "نقاط هوكينغ" في إشعاع الخلفية الكوني كآثار لثقوب سوداء من الكون السابق.

الكون الإكبيروتي مستوحى من نظرية الأوتار، يقترح هذا النموذج أن الانفجار العظيم ناتج عن تصادم دوري بين "غشائين" في بُعد خامس، مما يخلق سلسلة لا نهائية من الأكوان. استعارة المصطلح الرواقي "إكبيروتي" تظهر التلاقح المذهل بين الفيزياء الحديثة والميتافيزيقا القديمة.

 علم النفس والذاكرة

التفسير العصبي (الديجا فو): يرى العلماء أن شعور "سبق الرؤية" ناتج عن خلل في التزامن العصبي أو معالجة الذاكرة، وليس استعادة لحياة سابقة.

في اللاوعي الجمعي -كارل يونغ: اقترح يونغ أن "التناسخ" قد يكون تعبيراً عن "الأنماط الأولية "نكرر" حياة الأسلاف نفسياً خلال عيش نفس التجارب والرموز الإنسانية المشتركة.

 بين قدرية التكرار وحرية التطور

بعد هذا الطواف بين أروقة المعابد ومختبرات الفيزياء، يمكننا استخلاص مقاربة فلسفية. إن نظريتي التناسخ والعود الأبدي ليستا مجرد خرافات، بل هما "حدس" بشري عميق بطبيعة الواقع.

علمياً، يبدو أن الكون يجمع بين الاثنين، فهو يعيد تدوير المادة (عود أبدي للمادة) لكنه ينتج أشكالاً ووعياً متجدداً (تطور لولبي). كما يقترح فلاسفة الصيرورة مثل وايتهيد، الزمن يتضمن تكراراً للماضي لكنه يضيف دائماً "الجدة الإبداعية". في النهاية، وسواء كنا نعيش مرة واحدة أو مرات لا تحصى، تظل الرسالة الفلسفية الأعمق هي تلك التي تلتقي فيها البوذية مع نيتشه: "عش هذه اللحظة بوعي وكثافة، بحيث تكون جديراً بأن تُخلد".

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع والمصادر

المصادر الفلسفية والعلمية الأساسية

Plato. The Republic. (Book X, The Myth of Er).

Nietzsche, Friedrich. The Gay Science. (Section 341).

Eliade, Mircea. The Myth of the Eternal Return: Cosmos and History. Princeton University Press.

Penrose, Roger. "Cycles of Time: An Extraordinary New View of the Universe." (“Cycles of Time: An Extraordinary New View of the Universe”) The Bodley Head.

Steinhardt, P. J., & Turok, N. Endless Universe: Beyond the Big Bang. Doubleday.

في المثقف اليوم