قراءة في كتاب
مصطفى غلمان: فيليب روث في "الجزء المتوحّش للديمقراطية"
أو تشريح الحلم الأميركي من الداخل
في سنة 2025 أصدرت دار Éditions Grasset كتاب «الجزء المتوحّش» للصحافي والناقد الفرنسي مارك ويتزمان، وهو عمل يتخذ من العلاقة التي جمعته بالروائي الأميركي فيليب روث مدخلا لطرح أسئلة تتجاوز حدود السيرة الشخصية إلى تخوم الفلسفة السياسية ونقد الحداثة الأميركية. الكتاب لا يكتفي بإضاءة صداقة امتدت من 1999 إلى 2018، بل يحوّل تلك الصلة إلى مختبر فكري تُفكَّك فيه أساطير الهوية، وسرديات الاندماج، وتوترات الديمقراطية المعاصرة، في سياق بلغ ذروته الرمزية مع صعود دونالد ترامب.
لا يقدّم ويتزمان ذكرياته بوصفها مادة حميمية مستقلة، بل يجعلها أداة معرفية لفهم النص الروائي، حيث الصداقة تتحول إلى موقع تأويلي، وإلى زاوية رؤية تكشف ما يختبئ بين السطور. هذا الاختيار يضع العمل في تماس مع تصور بول ريكور للهوية السردية؛ فالذات تُبنى عبر الحكي، وتتعرّف إلى نفسها من خلال إعادة تركيب خبراتها في صيغة قصة. ويتزمان، وهو يروي روث، يعيد بناء موقعه كقارئ وكمثقف أوروبي يطل على أميركا بعين مزدوجة: عين الإعجاب بعنفوان التجربة الديمقراطية، وعين القلق من تشققاتها.
ومن زاوية أخرى، يتقاطع هذا المسار مع تصورات يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي، حيث يغدو الأدب مجالا يتداول فيه المجتمع أسئلته الأخلاقية والسياسية. روايات روث لا تُقرأ باعتبارها تخييلا محضا، بل باعتبارها مساهمة في النقاش العمومي حول معنى الانتماء، وحدود الحرية، وشرعية السلطة.
في قراءته لرواية «الوصمة البشرية»، يكشف ويتزمان عن عمق المعضلة التي يشتغل عليها روث: الهوية ليست جوهراً مستقراً، بل بناء هشّ يخضع لقوى التصنيف والرقابة الاجتماعية. الشخصية التي تخفي أصولها الأفريقية وتعيش بهوية بيضاء تجسّد ما يمكن تسميته "دراما الأداء الاجتماعي"، حيث يتحول الانتماء إلى مسرح تُفرض فيه أدوار محددة.
هذا التحليل يستدعي أصداء أفكار ميشيل فوكو حول إنتاج الذوات عبر شبكات السلطة، كما يلامس أطروحات ستيوارت هول التي ترى الهوية سيرورة تاريخية متغيرة. قراءة ويتزمان تضيف بعداً جدلياً: المجتمع الأميركي الذي يعلن مساواته القانونية يحمل في بنيته رواسب تصنيفية تظل قابلة للانفجار في كل لحظة.
عند تناوله لرواية «التآمر على أميركا»، يتوقف ويتزمان عند تقنية التاريخ البديل، حيث يُفترض وصول الطيار ليندبيرغ إلى الرئاسة بدل فرانكلين روزفلت. هذا الافتراض لا يُستثمر كحيلة تخييلية فحسب، بل كاختبار لمرونة النظام الديمقراطي. الديمقراطية تُقدَّم هنا ككائن حيّ قابل للانزلاق نحو السلطوية.
نفس المنحى يتقاطع مع تحليلات حنة آرندت حول نشأة الشمولية من داخل المجتمعات الحديثة، ومع دفاع كارل بوبر عن "المجتمع المفتوح" الذي يظل مهدَّداً بأعدائه من الداخل. قراءة ويتزمان تضفي بُعداً راهناً على هذه الإشكالية، إذ يرى في صعود الشعبوية المعاصرة امتداداً لتلك الإمكانية الكامنة في بنية الديمقراطية الأميركية.
في تحليله لرواية «الرعوي الأميركي»، يبرز ويتزمان التصدع القائم بين مثال الاندماج الناجح وتمرد الجيل الجديد. العنف الذي تمارسه الابنة احتجاجاً على حرب فيتنام يكشف عن شقّ داخلي في سردية التقدم. المجتمع الذي يعد بالرخاء والاستقرار يحمل في داخله توترات لا تُحلّ بسهولة.
ويمكن قراءة هذا التوتر في ضوء أفكار سيغموند فرويد حول العنف المكبوت في الحضارة، كما يجد صداه في نقد هربرت ماركوزه للمجتمع الصناعي الذي يُنتج الامتثال بقدر ما يولّد الرغبة في الرفض. "الجزء المتوحش" الذي يتحدث عنه ويتزمان يحيل إلى تلك الطاقة الكامنة التي ترافق مشروع الحداثة الأميركية، وتكشف حدود قدرتها على احتواء تناقضاتها.
ينتهي ويتزمان إلى أن أدب روث التقط إشارات القلق قبل أن تتحول إلى ظواهر سياسية صريحة. الرواية تُقرأ هنا كفضاء استشرافي، يختبر سيناريوهات المستقبل في شكل سردي. هذا التصور ينسجم مع رؤية تيودور أدورنو الذي رأى في الفن معرفة سلبية تكشف ما تعجز اللغة السياسية المباشرة عن قوله.
إن كتاب «الجزء المتوحّش» يفتح بهذا الامتداد الفلسفي، نقاشا يتجاوز العلاقة بين ناقد وكاتب، ليطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن للسرد أن يكون أقدر على تشخيص مصير الديمقراطية من التحليل السياسي؟ وهل تكشف الرواية ما يتوارى في اللاوعي الجمعي قبل أن يتجسد في صناديق الاقتراع؟
إنه عمل يضع الأدب في قلب الجدل حول مستقبل الحداثة الغربية، ويقترح أن ما يُكتب في عزلة الكاتب قد يتحول إلى مرآة دقيقة لاضطرابات التاريخ.
***
د. مصطفى غَلْمان






