قضايا
زهير ياسين شليبه: العلاقات العربية الدنماركية والمخطوطات ورحلة ابن فضالان
رحلة ابن فضلان والمخطوطات العربية والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد في القرن الثامن عشر
بروفسوران ودكتوران وملازم ومستشرق في جولة عربية لا يعود منها حيا غير واحد منهم
***
إذا أردنا ان نؤرخ للعلاقات العربية الدَنمركية، فلابد لنا من التطرق الى ثلاث ظاهرات هامة:
الأولى: رحلة بن فضلان إلى بلاد البلغار والثانية المخطوطات، اما الثالثة فهي الرحلة العربية 1761-1767 الى اليمن. وقد ترجمها الى الدنمركية المستعرب البروفيسور يورجِن بيك سيمونسِن، ونلقي الضوء هنا على المخطوطات والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد.
الظاهرة الثانية: المخطوطات العربية في الدَنمرك: يكاد لا يخلو بلد من بلدان العالم من المخطوطات العربية، بغض النظر عن قِدمها وأهميتها. ولكن قد يكون لوجود المخطوطات العربية في الدَنمرك غرابته، وقد يصاب المرء بالدهشة عند اطّلاعه عليها، بسبب بُعد هذه الجزر عن العرب وصغرها قياسا الى بلدان اخرى مثل روسيا وبريطانيا مثلا، اللذين تميزا بعلاقات قديمة مع الشرق والمسلمين.
ومع ذلك فان المكتبة الملكية الدَنمركية تمتلك مجموعة قيمة من المخطوطات العربية، تعتز بها وتعتني بها عناية كبيرة وتقدم كل التسهيلات لكل من يرغب بتحقيقها.
نذكر من هذه المخطوطات على سبيل المثال لا الحصر: إتحاف الإخصاء بفضائل المسجد الاقصى، أزهار الروضتين في أخبار الدولتين، أنوار العقول في أشعار وصي الرسول، بانت سعاد، دفتر الكتب في جامع الأزهر، ديوان ابي الحسن عمارة بن ابي الحسن، ابن الخياط، ابن المعتز، ابن الفارض، ذكر بلاد أفريقيا ولماذا سميت أفريقيا، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، وغيرها الكثير من المخطوطات التي تناولت التاريخ والفقه والسيرة والادب والحياة الاجتماعية عند العرب.
من أين جاءت هذه المخطوطات وكيف؟
قد يكون لهذا التساؤل اهمية خاصة عندما يدور الحديث عن دول الشمال مثل الجزر الإسكندنافية لبعدها كما قلنا، لكنه السحر العربي والشرقي وراء اقتناء هذه المخطوطات والرغبة في اكتشاف هذا العالم المليء بالمعلومات والجوانب الحضارية والتاريخية. وهذا بالذات هو ما دفع الملك الدنمركي لاحقا الى تشجيع بعثة علمية ودعمها للتوجه الى اليمن السعيد. وهو ما سنتحدث عنه فيما بعد في هذا المقال.
وعلى الرغم من أنه لا يمكننا المبالغة والقول بان هذه المخطوطات تضاهي نظيراتها في بلدان اخرى مثل روسيا، التي كتب عنها المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي ويهتم بها ويحققها "جيش" من الباحثين المستشرقين المسلمين والروس وغيرهم.
مخطوطات المكتبة الملكية ليست نادرة، إذا ما استثنينا بعضها مثل مخطوطة تتحدث عن تاريخ اليمن وتعد من الوثائق المهمة للغاية، او مخطوطة دفتر الكتب في جامع الازهر، التي تعود الى عام 1762 ونسخ القرآن الكريم وتفسيره للبيضاوي. وقد صدر أول فهرس لهذه المخطوطات عام 1851 متضمنا 309 مخطوطة عربية، ثم صدر فهرس اخر عام 1857 شاملا كل المخطوطات.
ولكن من يقوم يا ترى بتحقيق هذه المخطوطات؟
إنه سؤال محير، لا سيما وأننا نتحدث عن دولة صغيرة ومغلقة إلى حدّ ما مثل الدَنمَرك، لديها إمكانيات كثيرة لكنها محدودة وتتحرك ضمن قوانين بيروقراطية وتكاليف مادية باهظة فيما إذا رغب أحد المتخصصين هنا بتحقيق مخطوطة ما وطباعتها فيما بعد.
عدد الاختصاصين المستشرقين الدنمركيين قليل جداً، أما الأكاديميون العرب أصحاب الشهادات العليا القادمون حديثا الى هنا فيلاقون تهميشاً وصعوباتٍ وحواجزَ كثيرةً فينصرفون عن تحقيقها لاسباب كثيرة.
ومع ذلك فقد ظهر بعض المستشرقين الدنمركيين الذين حققوا واستخدموا بعض المخطوطات. نذكر من هؤلاء الاستاذ يورجين بيك سيمونسِن، المدير السابق لمعهد كارستن نيبوهور للدراسات الشرقية، الذي كتب اطروحة دكتوراه في التاريخ عن الخراج الإسلامي واستعان بمخطوطات اخرى في دراسته الاكاديمية.
وكان من قبله المستشرق المعروف يوهانس بيترسن قد حقق قبل أكثر من ثلاثين سنة مخطوطة "طبقات الصوفية" للسلمي ونشرها في كتاب مستقل، الا انها لم تترجم الى الدنمركية، لكن الحديث عن تحقيق هذه المخطوطات يقودنا الى الكلام عن العلاقات العربية الدنمركية وبداياتها، مثل تعليم اللغة العربية في جامعة كوبنهاغن في القرن الخامس عشر.
ظهرت ضرورة تدريس اللغة العربية بسبب الدراسات اللاهوتية والعبرية والسريانية من اجل فهم الإنجيل واعادة تفسيره وفهمه جيدا. ودراسة العربية كانت جزءا من هذه النشاطات الدينية في اغلب الدول الاوروبية الغربية بما فيها الدَنمَرك.
اما ملك الدَنمَرك فريذريك الثالث فقد حصل عام 1664 على هدية كبيرة هي القرآن الكريم، ولم يُعرف عن الدنمركيين كُرهُهُم للعرب أو عدوانيتهم لكن بعضهم شاركَ كمسيحيين في الحروب الصليبية ضد المسلمين، ولهذا فان نشاطاتهم الاستشراقية كانت لأسباب علمية ولحب الاطلاّع عليهم.
وهناك مخطوطات عربية وصلت عن طريق السياح الأوروبيين والمسافرين، أو بسبب الحروب المختلفة مثل الحرب الروسية- التركية. وتوجد في المكتبة الملكية حوالي 43 نسخة من القرآن الكريم وكلها من المجموعات القديمة. ويبلغ عدد المخطوطات العربية هنا حاليا حوالي 500 مخطوطة.
والظاهرة الثالثة هي الرحلة العربية، بعثة بمنظار علمي:
يمكن القول إن الاهتمام بالعرب وحضارتهم توج بقرار ملك الدَنمَرك والنرويج فريذريك الخامس بتمويل رحلة يقوم بها مجموعة من الاختصاصيين الدنمركيين وغيرهم الى اليمن السعيد.
كان ذلك عام 1756 وتقرر فيما بعد ان تضم الرحلة كلا من البروفيسور فريذريك كريستيان فون هافن وهو متخصص في علوم اللغة، والبروفيسور بيتروس فورسكول عالم الطبيعيات والنبات، والملازم المهندس المتخصص بالرياضيات المستشرق الالماني كارستين نيبوهر والرسام جورج باورينفانيد والدكتور كريستيان كارل كراكرة، إضافة الى السويدي بيرك كرين. وقد توفى الجميع في هذه الرحلة ولم تُكتب النجاة الا لنيبوهر حيث تمكن من الاستمرار في الرحلة قاصدا عمان، بلاد فارس، العراق، سورية، قبرص، القسطنطينية، أوروبا ثم الدَنمَرك حيث وصلها سالما عام 1767، اي بعد ستة اعوام حيث بدأت الرحلة العربية عام 1761.
هذا وقد اتحفَ الكاتب الدنمركي توركل هانس المكتبة الدنمركية بكتابه القصصي الجميل رواية "العربية السعيدة" حيث اصدرها عام 1962م ومن المؤسف انها لم تترجم الى العربية حتى وقتنا الحاضر.
اما المستشرق ستيج راسموسين فقد عمل منذ عام 1984 حيث زارت ملكة الدَنمَرك مارغريته الثانية المملكة العربية السعودية فقام بجمع كل ما يمكن جمعه من مخطوطات ووثائق عن هذه الرحلة وغيرها. وقد تمكن من انجاز كتابه الكبير:الرحلة العربية 1761-1767 عام 1990
وقد أصدرته دارمونك سكورد ويقع في 413 صفحة من القطع الكبير والورق الصقيل وتضمن المعلومات الكاملة عن رحلة كارستين نيبور الى العرب وجميع اكتشافاتهم ورسومهم وانطباعاتهم عن العرب والمسلمين.
أصبح كارستين نيبوهر علما بارزا في الاستشراق الدنمركي، يحمل اسمه أكبر معهد للدراسات الشرقية في الدنمرك، حيث تدرس العربية وعلومها ويحصل طلابه على شهادات اكاديمية فيها.
وأود أن اشير في نهاية هذا المقال إلى أني كنت في بداية التسعينات أرغب في ترجمة هذا الكتاب، "الرحلة العربية 1761-1767" وطلبت دار نشر مونك سكورد مبلغا كبيراً جداً، الا ان الكتاب لا يقدر بثمن وسيكون صغيراً لو بادرت كل المؤسسات العربية الثقافية في كل الدول العربية بالمساهمة في جميع المبلغ، او على الاقل التوجه الى الدار والبحث في إمكانية التفاهم معها حول هذا الموضوع.
***
د. زهير ياسين شليبه
.............................
- مقال قديم من التسعينات، نُشر في إحدى الصحف العربية






