قضايا

فؤاد لوطة: الإنسان والآلة.. من يفكّر حقا في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية تُيسّر تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح مرآة كبرى تعكس أسئلة الإنسان عن ذاته، حدود تفكيره، ومصير وعيه في عالم تُدار مفاصله بخوارزميات دقيقة. ففي هذا العصر الرقمي المتسارع، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل صار السؤال الأعمق: ماذا يفعل بنا؟ وكيف يعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، حدود وعينا، ومعنى إنسانيتنا ذاتها؟

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تفكير في الإنسان: في امتداداته المعرفية، في مسؤوليته الأخلاقية، وفي موقعه داخل عالم لم تعد فيه الآلة محايدة، ولا الإنسان معفى من المحاسبة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا محايدًا في بنيته التقنية، يظل مشبعًا بخيارات بشرية، ومنظومات قيمية كامنة، وقرارات تتجاوز حدود البرمجة الصرفة.

لقد أثّر التقدّم المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تأثيرًا عميقًا في طرائق تفكير البشر وأنماط تفاعلهم مع العالم. وأثار إدماج هذه التكنولوجيا في مجالات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والنقل، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفكر البشري في عصر الذكاء الاصطناعي. ويسعى هذا المقال إلى مقاربة آثار هذه التقنية في عمليات التفكير الإنساني، وكيف يمكن لها أن تعيد تشكيل أفقنا المعرفي ومستقبلنا الوجودي.

يتمثّل أحد أبرز المخاوف المرتبطة بهذا التحوّل في احتمال أن تحلّ التكنولوجيا محلّ القدرات المعرفية الإنسانية. فمع التطوّر المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يتنامى القلق من اعتماد الإنسان المفرط عليها، بما قد يفضي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والاستقلالي، وانحسار الإبداع والابتكار، حيث يتحوّل الإنسان إلى مستهلك سلبي للمعلومة بدل أن يكون فاعلًا في إنتاجها وتأويلها.

غير أن الخطر الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يتعلّق فقط بإزاحة بعض الوظائف أو إعادة تشكيل أنماط التفكير، بل يمسّ سؤال المعنى ذاته. فالآلة، مهما بلغت قدرتها على المعالجة والتحليل، تظل عاجزة عن طرح سؤال «لماذا؟» بوصفه سؤالًا وجوديًا وأخلاقيًا. إنها تجيب عن «كيف» و«متى» و«بأيّ كفاءة»، لكنها لا تفكّر في الغاية، ولا تُقيم وزنًا للقيمة. ومن هنا يظلّ المعنى حكرًا على الإنسان، بوصفه كائنًا يسائل أفعاله، ويتحمّل تبعاتها، ويعيد توجيهها وفق منظومة قيمية متحوّلة.

في المقابل، لا يمكن إغفال قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية وتوسيع آفاق الفكر الإنساني. فمن خلال أدواته المتقدّمة، أصبح الإنسان قادرًا على الولوج إلى كمّ هائل من المعارف والمعطيات التي لم يكن بلوغها ممكنًا في السابق. وهو ما قد يفضي إلى تحوّلات نوعية في البحث العلمي، وحلّ المشكلات، وصناعة القرار، بما يسهم في الارتقاء بنوعية التفكير الإنساني.

ومع ذلك، فإنّ هذا الاتّساع المعرفي يفرض تمييزًا ضروريًا بين الذكاء الحسابي والحكمة الإنسانية. فالذكاء الاصطناعي يوسّع حدود المعرفة، لكنه لا يُنتج الحكمة. والحكمة، كما أكد الفلاسفة، تقتضي تجربة إنسانية، وحدسًا، ومسؤولية، ووعيًا تاريخيًا، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في خوارزمية أو نموذج تنبّؤي. ومن ثمّ، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في تطوير آلات أذكى، بل في تربية إنسان أقدر على توظيف هذا الذكاء دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

ويتميّز الذكاء الاصطناعي كذلك بقدرته على إضفاء طابع ديمقراطي على المعرفة، عبر جعل التعليم في متناول فئات واسعة من البشر. فالأدوات التعليمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح تجارب تعلم مخصّصة تراعي الفروق الفردية، وتعيد صياغة علاقتنا التقليدية بالمعرفة، بما يمكّن الأفراد من استثمار إمكاناتهم إلى أقصى حدّ ممكن. غير أن هذا التحوّل يضع التربية أمام مسؤولية تاريخية جديدة: تربية الإنسان على ملكات السؤال، والشكّ، والتأويل، والتمييز بين المعلومة والمعنى.

فالتربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معنيّة بنقل المعرفة فحسب، بل بتكوين عقل ناقد قادر على مساءلة ما تقدّمه له الآلة بدل الاكتفاء باستهلاكه.

غير أن هذا الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي لا يخلو من إشكالات أخلاقية عميقة، تتعلق بتأثير التكنولوجيا في الفكر والسلوك الإنسانيين. إذ يظلّ خطر إعادة إنتاج التحيّزات الاجتماعية والثقافية قائمًا، بل قد تتكثّف داخل خوارزميات تبدو محايدة في ظاهرها. ومن هنا تبرز أهمية تحمّل المطوّرين وصنّاع القرار لمسؤولياتهم الأخلاقية، والعمل على توجيه الذكاء الاصطناعي توجيهًا واعيًا يحمي الإنسان من الانزلاقات التقنية غير المحسوبة.

وثمّة بُعد آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز التواصل والتعاون بين البشر. فبفضل التقدّم في معالجة اللغات الطبيعية والتعلّم الآلي، باتت هذه الأنظمة قادرة على تقليص الحواجز اللغوية والثقافية، وتعزيز التفاهم بين المجتمعات، بما يدعم بناء عالم إنساني أكثر ترابطًا.

كما يُنتظر أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلًا عميقًا في مجال الرعاية الصحية، من خلال تحسين دقّة التشخيص وفعالية العلاج. إذ يتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية استخلاص أنماط خفيّة تساعد المهنيين الصحيين على اتخاذ قرارات أدقّ وأكثر آنية، وهو ما يعزّز ثقافة القرار المستند إلى المعطيات والأدلّة.

اليوم، أصبح لعقولنا، المحدودة نسبيًا، شريك سريع يُدعى «الذكاء الاصطناعي». والسؤال الجوهري: هل يشكّل هذا التحالف إضافة نوعية أم تهديدًا مبطّنًا؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كمّ هائل من المعلومات في زمن قياسي، والتعرّف إلى أنماط تتجاوز الإدراك البشري، وتحفيزنا على التفكير من زوايا غير مألوفة.

ومع ذلك فإن هذا «الصديق الذكي» قد يُغذّي، في الآن ذاته، نزعتنا إلى الكسل المعرفي. فالثقة المفرطة في إجابات الأنظمة الآلية، وتغاضي الإنسان عن مساءلتها أو اختبارها، قد يؤدي إلى ما يُعرف بالتحيّز للأتمتة، حيث تتآكل تدريجيًا قدرات التفكير والاستدلال الذاتي.

وفي هذا السياق، يشير غيوم ديلاكور، الرئيس العالمي لتطوير الأفراد بشركة «إيه بي بي»، إلى أن امتلاك الذكاء الاصطناعي لإجابات جاهزة يمثّل فائدة وتحدّيًا في آن واحد، مؤكدًا أن الحاجة إلى التفكير النقدي تصبح أكثر إلحاحًا في بيئة تُقدّم فيها الإجابات بسرعة ويقين ظاهريين.

كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته. فمع أتمتة عدد متزايد من الوظائف، لم يعد العمل مجرّد نشاط إنتاجي، بل أضحى سؤالًا مرتبطًا بالكرامة والاعتراف الاجتماعي. ويستدعي هذا التحوّل تفكيرًا سياسيًا وتربويًا جديدًا، يعيد الاعتبار للعمل الإبداعي والرمزي، ويبحث عن صيغ بديلة للاندماج الاجتماعي تحفظ للإنسان موقعه في عالم تتقاسمه الآلة والخوارزمية.

وفي عمق هذا التحوّل، يبرز توتّر خفي بين منطق السيطرة التقنية ومنطق الحرية الإنسانية. فكلّما ازدادت الأنظمة الذكية قدرة على التنبّؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، تزايد خطر تقليص هامش الحرية الفردية. ومن هنا تكتسب مسألة السيادة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية بعدًا فلسفيًا، لا تقنيًا فقط.

وعلى خلاف التصوّرات التشاؤمية، تكشف قراءة فلسفية شمولية للشرط الإنساني المعاصر أن الإنسان، بوصفه مبدع الذكاء الاصطناعي، لا ينفكّ يكتشف ذاته عبر هذا الامتداد العلمي والمعلوماتي. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلًا، بل تجلٍّ من تجلّيات الذكاء الإنساني ذاته، فيما يشكّل الحفظ الرقمي للمعطيات استعارة حديثة لفكرة التوثيق والمساءلة.

ومن ثمّ يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشكّل اختبارًا أخلاقيًا للحضارة المعاصرة. فهو يكشف طبيعة علاقتنا بالسلطة والمعرفة والإنسان. فإذا استُخدم أداة للتحرّر، أمكن له أن يفتح آفاقًا جديدة للعدالة والمعرفة، أمّا إذا تُرك لمنطق الهيمنة والسوق، فقد يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج اللامساواة والاغتراب.

كما يجب النظر إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة لإعادة صياغة الثقافة الرقمية، وإرساء منظومة قيمية تحمي الإنسان من الانزلاق نحو استهلاك المعرفة بشكل آلي أو رقمي فقط.

إننا نتّجه نحو مجتمع إنساني جديد، تتداخل فيه العوالم الواقعية والافتراضية، ضمن حضارة يكون فيها الإنسان مدعومًا بالتقنية لا مستلبًا بها. فالآلة، مهما بلغت درجة تطوّرها، تظلّ أداة، ولا يمكنها أن تكون بديلًا عن الإنسان بوصفه غاية الحضارة ومرجعيتها القصوى.

يظلّ الإنسان، مهما تقدّمت الآلات وتطوّر الذكاء الاصطناعي، محورًا للمعنى وللسؤال الوجودي. فالوعي، والحرية، والمسؤولية الأخلاقية، هي مفاتيح لا يمكن لأي خوارزمية أن تحلّ محلّها. والإنسانية الحقيقية تكمن في قدرتنا على استعمال الذكاء الاصطناعي كامتداد لوعينا، لا كبديل عنه، على أن تظلّ كل خطوة في هذا الامتداد خاضعة للتأمل النقدي، والمساءلة الأخلاقية، والإبداع الوجودي. فالآلة تساعدنا على رؤية العالم أسرع، لكن الإنسان وحده قادر على تساؤل «لماذا؟» وصياغة معنى الحياة والوجود.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي

 

في المثقف اليوم