قراءات نقدية
عبير العبدلي: أهمية كتابة الرواية في عصر التّحول الرقمي
على الرغم من تنوع الكتابة الإبداعية ووجود أكثر من نوع، إلا أن الرواية بدأت تفرض هيمنتها على بقية الأنواع، وأخذت تتطور استجابة للمتغيرات التي تحدث في المجتمعات، لذا لم تعد الرواية عنصر ترفيه فحسب، بل صارت شاهداً على أحداث تاريخية واجتماعية وسياسية، كما أن الرواية ذات الجودة العالية من حيث الشكل والمضمون أصبحت ضمن العلاجات النفسية، لأنّها توفر شبكة اجتماعية داعمة للمريض من خلال أحداثها وشخوصها وأماكنها، وكذلك اللغة، فقراءة رواية عالية الجودة قد تُغني عن زيارة طبيب نفسي وتحمي من تناول أدوية ذات مضار خطيرة على العقل والدماغ.
الروايات عالية الجودة تحّول الكوابيس إلى أحلام سعيدة، بعد أن تُحّفز هرمونات السعادة، فتخفف القلق وتزيد جرعة الثقة بالنفس، وتنير الدروب المعتمة، لأنها باختصار رحلة في عالم النفس البشرية، حيث تكشف لنا تأثير اللامرئي على المرئي.
كما يمكن للرواية الجيدة أن تُغيّر قانوناً رسمياً أو تنقل عادة اجتماعية من ضارة إلى حميدة، فعلى سبيل المثال، حققت رواية "البيت الكئيب" (Bleak House) للمؤلف تشارلز ديكنز تأثيراً كبيراً في قانون المحاكم، والإرث، وسلطّت الضوء على مسألة اللقطاء واستغناء الآباء والأمهات عنهم، وطالبت بحلول تشريعية وإنسانية في بريطانيا، ومنذ صدورها عام 1853، وإلى الآن وهي تُدّرس في الجامعات لأهميتها، فهناك العديد من المشاكل التي طرحتها مازالت موجودة في بلدان عديدة.
كذلك، قدمت رواية " صورة دوريان جراي" (The Picture of Dorian Gray) للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد التي نُشِرت عام 1890، درساً عظيماً عن " الضمير"، وحوّلت هذا الشيء غير المرئي إلى مرئي من خلال رسم صورة جميلة جدا تبدأ بالتشّوه مع كل عمل رديء يرتكبه صاحبها إلى أن تصبح بشعة جدا. هنا يُقّدم لنا وايلد تشريحاً عن آلية اشتغال الضمير، هذا الجهاز المخفي غير الملموس.
جمعت "صورة دوريان جراي" أدب الرعب ((Gothic والخيال الفلسفي fiction) Philosophical) والأدب التعليمي (Didactic fiction)، فضلاً عن سحر أسلوبها، وطرحت مواضيع عدة، منها حلم الجمال الدائم، حيث يتم الآن في أمريكا والغرب تداول مصطلح "متلازمة دوريان جراي"(Dorian Gray Syndrome) الخاص بالتجميل، وهذا تأثير واضح للرواية، كما هو تأثيرها في بقية الأشياء، منها علم النفس، وتأثير اللغة، وسلبيات التثقيف الذاتي التي تعد مدمرة في بعض الأحيان، فدوريان بطل الرواية انحرف بشدة عن الطريق الصحيح بعد أن قرأ "الكتاب الأصفر" الذي يدعو إلى الانحراف، إلى أن واجه مصيره المأساوي.
ولا ننسى رواية " جين أير"(Jane Eyre) للكاتبة البريطانية شارلوت برونتي التي نُشِرتْ عام 1847، حيث تعد واحدة من أبرز روايات تطوير الذات، التي بقيت خالدة، يقرأها جيل بعد جيل.
تتصدر الأعمال الروائية الآن في أمريكا مبيعات الكتب لما لها من فوائد جمة من حيث رفع الوعي المعرفي، واكتشاف الذات، وتحفيز مشاعر التعاطف مع الآخرين، والتفكير في معالجة مشاكل شخصيات الرواية.
على الرغم من ارتفاع تكاليف النشر وتطور الذكاء الاصطناعي، حافظت مبيعات الكتب المطبوعة في أمريكا على قوتها في عام 2025، حيث بيع منها ما يقارب 707 ملايين نسخة، وفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز. ازدهرت مبيعات روايات الكبار، لا سيما روايات الخيال العلمي، بينما عانت الكتب غير الروائية، وانخفضت مبيعات روايات اليافعين بنسبة 12% مقارنة بالعام الماضي. في المقابل، ارتفعت مبيعات الروايات الرومانسية بشكل ملحوظ. شكلّت الكتب الورقية الغالبية العظمى من المبيعات، بينما استقرت مبيعات الكتب الإلكترونية. وافتُتح أكثر من 420 مكتبة العام الماضي، بزيادة قدرها 24% عن عام 2024.
هذه الأرقام تؤكد ازدهار صناعة النشر في أمريكا رغم وجود الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتبرهن على وجود قراّء، والسبب يكمن في جودة التأليف وسحره.
من المؤسف أن صناعة النشر في العراق مازالت دون المستوى المطلوب على الرغم من الحرية والانفتاح وعدم وجود رقابة تُقيّد المؤلفين، حتى أن معظم الإصدارات لا تسدد ثمن كلفتها. ليس من المعقول أن تموت العادات القرائية في العراق في ظل وجود 45 مليون نسمة وعدد كبير من الجامعات والمعاهد والمدارس، ربما تمرض هذه العادات، لكنها لا تموت، وأن علاجها يكمن بوجود نصوص قابلة للقراءة. تقول الأديبة والفيلسوفة البريطانية جوان رولينغ مؤلفة هاري بوتر: " "إذا كنت لا تحب القراءة، فأنت لم تجد الكتاب المناسب بعد."
تعاني الروايات العراقية أزمة تسويق، والتسويق هنا ليس الترويج الإعلاني فقط، بل التسويق الداخلي للرواية، مثل التشويق والإثارة والأهمية والأسلوب واللغة ونوعية السرد الذي يمنح فرصة للقارئ في الانخراط في النص، أو المشاركة في أحداثه.
في منتصف عام 2025، تم إجراء استبيان في محافظتي البصرة وميسان حول أسباب عدم قراءة الرواية، شارك فيه أكثر من ألف قارئ، فجاء الملل في الدرجة الأولى، حيث شكّل نسبة 72% من بقية الأسباب، وهذا الملل ناتج عن اللغة المعقدة، غموض بلا مفاتيح، ضعف الصياغة، سرد عادي وسطحي. وأكد بعض المشاركين الذين يقرؤون روايات أجنبية رغبتهم في الحصول على سرد عراقي قابل للقراءة، فيه المتعة والتشويق والفائدة.
حقيقة، هناك روايات عراقية جيدة، لأن بعض كتّاب العراق مبدعون. ظهور ساردات عراقيات مهم جدا للساحة الروائية، مثل سمية المشتت وروايتها "ما قبل القبر قبلة" التي صدرت العام الماضي، فقد كُتبت هذه الرواية بصورة مؤثرة ومتماسكة، وناقشت موضوعاً نفسياّ شديد الخطورة يهّم كل عائلة عراقية. استخدمت المؤلفة الأسلوب الشعري في الصياغة من دون أن تؤثر سلباً في مجرى السرد. وكذلك ركز المؤلف سلمان كيوش في روايته " عرقشينة السيد" على قضايا أجتماعية وبيئية، في حين سجل الروائي والصحفي عبد الستار البيضاني معاناة العراقيين خلال فترة ما قبل 2003، ومأساة العائلة العراقية بفقد أولادها في الحروب والسجون في روايته " نوائح سومر".
أهمية الرواية
اكتشف علماء الأعصاب أن قراءة الروايات تُحسّن وظائف الدماغ. حسب موقع علم النفس اليوم (Psychology Today)، أُجريت دراسة حديثة حول فوائد قراءة الروايات للدماغ في جامعة إيموري (Emory University). ونُشرت الدراسة، تحت عنوان "الآثار قصيرة وطويلة المدى للرواية على الترابط الدماغي".
(“Short- and Long-Term Effects of a Novel on Connectivity in the Brain،")
أشار الباحثون إلى أن الانغماس في رواية يُعزز الترابط الدماغي ويُحسّن وظائف الدماغ، وأن قراءة الروايات تُحسّن قدرة القرّاءعلى التعاطف مع الآخرين وتنمية الخيال لديهم.
يقول عالم الأعصاب البروفيسور غريغوري س. بيرنز، المؤلف الرئيسي للدراسة: "تشير التغييرات العصبية التي وجدناها مرتبطة بأنظمة الإحساس الجسدي والحركة إلى أن قراءة رواية تُمكن القارئ من الانغماس في عالم بطل الرواية. إن القدرة على وضع نفسك مكان الآخرين تُحسّن فهمك لنظرية العقل."(Theory of Mind).
ويضيف الدكتور بيرنز، مدير مركز السياسات العصبية بجامعة إيموري في أتلانتا: "القصص تُشكّل حياتنا، وفي بعض الحالات تُساعد في تعريف شخصيتنا". وأضاف: "نريد أن نفهم كيف تصل القصص إلى الدماغ، وماذا تفعل به".
يُعدّ الجانب القصصي في الرواية شكلاً متعدد الأوجه من أشكال التواصل، يُفعّل نطاقاً واسعاً من مناطق الدماغ. ورغم وجود العديد من النظريات اللغوية والأدبية التي تُحدد ماهية القصة، إلا أن الأبحاث العصبية البيولوجية بدأت للتو في تحديد شبكات الدماغ النشطة أثناء معالجة القصص.
في هذه الدراسة، قاس الباحثون التغيّرات في ترابطات الدماغ في حالة الراحة قبل وبعد قراءة رواية. وقد اختار الباحثون رواية بدلاً من قصة قصيرة لأن طول الرواية وعمقها يسمحان لهم بتكرار التفاعل مع محفزات فريدة مرتبطة بها (أجزاء من الرواية) ضمن سياق تحفيزي أوسع وأكثر تحكماً، يمكن استيعابه بين فترات متعددة في فحص الدماغ.
تتيح لك قراءة رواية جيدة إطلاق العنان لخيالك. فالروايات تُنسيك همومك اليومية وتُنقلك إلى عالم خيالي يتحول إلى حقيقة في مخيلتك.
هذه المعلومات التي استخلصتها الدراسة توضح لنا أهمية قراءة الرواية، ومن قبل أهمية كتابتها.
يقول الروائي مارك هادون: " كل الكتب تتحدث، لكن الكتاب الجيد يصغي أيضًا. "
تُبرز هذه المقولة أن الأدب الاستثنائي يأخذ القرّاء إلى العمق، مما يسمح لهم بالتأمل والتساؤل والتفاعل.
الإلهام، الدافع، الموهبة، أم الشغف؟
يشّكل الإلهام 1% من العبقرية، ويشّكل الكد 99% "، قول منسوب للمخترع ورجل الأعمال الأمريكي توماس أديسون.
وفي كتابها "داء منتصف الليل، الدافع إلى الكتابة،"(The Midnight Disease Alice W. Flaherty) تقول عالمة الأعصاب والأديبة الأمريكية أليس ويفر: " يبدو أن الإجماع يعدّ الدافع مهمّاً أكثر من الموهبة في إنتاج الإبداع." وتضيف: "قد يكون للباعث الخارجي تأثير سلبي في الإبداع من خلال صرف انتباه الفرد عن المهمَّة إلى أفكارٍ تتعلق بالثواب والعقاب." في حين يرى الإغريق أن الشغف والدافع هما منبع الإبداع.
هذه الإجابات ليست كافية، لكنها تضع أقدامنا على طريق البحث والتقصي لاكتشاف الأسرار التي تختفي خلف أسوار النجاح، لذا على المختصين اكتشاف سر الطبخات اللذيذة.
كتابة الروايات تشمل فوائد عدة، منها التطور الشخصي والصحة النفسية، ويخفف هذا النوع من التوتر، ويساعد على الاسترخاء الذهني، وزيادة الوعي الذاتي. كما تُساعد الساردين على معالجة المشاعر المعقدة، من خلال الانشغال في بناء عالم الرواية، من أماكن وشخصيات وأحداث، ويعزز بناء السرد العملية الإبداعية، ويُحسّن الذاكرة، وينّمي مهارة حل المشكلات، ويمنح فرصة كبيرة للتخطيط، وتعزز الرواية التعاطف من خلال إتاحة الفرصة للمتلقي لتجربة وجهات نظر مختلفة، وتساعد كتابة الرواية الكاتب والقارئ على فهم التجربة الإنسانية بصورة أعمق.
نستنتج مما تقدم، أن كتابة الرواية في ظل هذه الدراسات العلمية والتجارب مهمة جداً في عصر التحّول الرقمي، لأن فوائدها كثيرة للفرد والمجتمع، وعليه من الضروري أن نراجع مناهجنا الدراسية علّنا نضيف إليها شيئاَ يُحّسن مهارات الطلبة في الكتابة الإبداعية، ويعزز تفكيرهم النقدي، فزيادة جرعات الكتابة الخيالية في المدارس والجامعات يمنح الطلبة فرصة لاكتشاف ذواتهم في عالم السرد، وبالتالي نقدم لصناعة النشر مؤلفين جددا قادرين على كتابة روايات مؤثرة تخدم الفرد والمجتمع.
يقول الروائي الإسباني كارلوس زافون في روايته الشهيرة ظل الريح: " كل كتاب هنا تعيش فيه روح ما. روح من ألّفه وأرواح من قرؤوه وأرواح من عاشوا وحلموا بفضله. كل الكتب التي لا يذكرها أحد، أو التي يختفي أثرها بفعل الزمن، تعيش هنا أبداً في انتظار اليوم الذي تعود فيه إلى يدي قارئ جديد، وروح جديدة. كل كتاب هنا كان أفضل صديق لشخص ما."
قبل أن نكتب الرواية علينا طرح ثلاثة أسئلة جوهرية: ماذا نكتب؟ لماذا نكتب؟ لمن نكتب؟
***
د. عبير علي العبدلي







