قضايا
محمد كريم الساعدي: الكولونيالية الغربية.. بن غوريون والصراع الشرق أوسطي (2)
قراءة ثقافية في تبريرات الوجود
يعدُّ مفهوم الكولونيالية من المفاهيم التي سمحت للمجال الاستعماري الغربي بالبحث في مستويات السيطرة على الآخر في المناطق التي تقع خارج الجغرافيا الغربية؛ كون أن السيطرة على الآخر تعني صناعة وتشكيل صورة "الآخر" في العقل الغربي، ومن ثم نقل تطبيقات هذه الصورة المتخيلة إلى الداخل الغربي، ليكون هذا الآخر ممثلاً بهذه الصورة النمطية التي يوجدها المستعمر المتحكم في إيجاد الآخر وفق تصوراته. لذا، كان الهدف من التأسيس الكولونيالي عملية استكمال ما بدأه الاستشراق في السابق من خلال رحالته ومستشرقيه الذين نقلوا تصوراتهم عن الآخر، التي شابها الكثير من التشكيك بمعلوماتهم عنه وعن جغرافيته وطبيعته وأفراده وغير ذلك.
ومن هذا التصور بنى (إدوارد سعيد) أهم مفاصل تحليله للنظرة الاستشراقية الغربية، وخاصة فيما يدل على الجغرافيا المتخيلة، وما أضاف إليها من تصور آخر وهو "شرقنة الشرق" الذي يعد فعلاً تكوينياً للشرق. ومن ثم فإن الجغرافيا المتخيلة هي: "الأرضية المفترضة التي وقع عليها بناء صورة الآخر الشرقي في الذهنية الغربية وفي خطابه الكولونيالي، وحتى في الثقافة الداخلية للشعوب الغربية، حيث درس (سعيد) هذا المفهوم من خلال وجهات نظر ثلاث (فلسفية ونفسية وبلاغية)، مستعرضاً عدداً من الأحداث التي تؤيد وجود المفهوم في الذهنية الغربية بامتداداتها التاريخية والأدبية والفكرية"(1).
ففي المفهوم الخاص بالجغرافية المتخيلة، عمل المجال الكولونيالي على إضافة معلومات تغطي حقيقة الوجود الجغرافي للمناطق خارج الوجود الجغرافي الغربي عامة، وللمنطقة العربية خاصة، ابتداءً من دول المغرب العربي - وخاصة الجزائر- التي بدأ فيها تطبيق الفعل الكولونيالي من خلال الحملات الفرنسية الاستعمارية لهذا الجزء من الوطن العربي، وصولاً إلى المناطق العربية الأخرى في دول المشرق العربي. وعُدَّت هذه المناطق امتداداً للتاريخ الموغل بالسحر والشعوذة والتخلف والنساء، وغيرها من الأوصاف التي قُدمت من خلال أعمال المستشرقين ولوحات الرسامين وغيرها من الأعمال التي نقلت تصورات عن هذه المناطق، وما كان يحتاجه الغربي في تشويه صورة الآخر الثقافية، حتى أصبح للشرق صورة خاصة في المخيال الغربي أطلق عليها (إدوارد سعيد) مصطلح شرقنة الشرق، الذي يشير به إلى: "تكوين الشرق في الجغرافيا التخيلية، بمعنى أن الشرق قد خُلق. وهي كلمة يريد أن يشير بها (سعيد) إلى أن العلاقة بين الشرق والغرب هي علاقة قوة، ومن السيطرة، ومن درجات متفاوتة من الهيمنة المعقدة المتشابكة"(2)، التي تصنع الآخر بالطريقة التي يريدها المتحكم بالقوة والمهيمن على المعرفة في إيجاد البعد التأويلي الذي يريده، وليس إلى الحقيقة الموجودة فعلاً على أرض الواقع.
عمل المستعمر الكولونيالي على إيجاد صيغ جديدة في بسط نفوذه، ومنها ما يعتقده ملائماً لأهدافه في السيطرة على الآخر من أجل تحقيق الانتشار الذي يسعى إليه في سبيل تحقيق الهيمنة؛ فبعد أن صوّر الآخر وجغرافيته التخيلية وشرقنه على أساس معتقدات غير واقعية، بل هي مختلقة في الأساس من نظرة هدفها السيطرة عليه، عمد إلى تحقيق الأهداف الكولونيالية في الهيمنة والإخضاع والاستغلال والتمركز في نشر المحتوى الكولونيالي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وغير ذلك، للوصول إلى الانتشار.
وهذه النظرية –أي الانتشار– طبقها المستعمر في العالم ومناطقه المختلفة التي خضعت للسيطرة، ومنها منطقة الشرق الأوسط. وهذه النظرية اكتمل تكوينها وغاياتها وأهدافها في القرن التاسع عشر، وتعود أصولها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، حيث "نشأ نظام عقائدي لخلق نوع من الترابط بين واقع التغيير الجديد داخل أوروبا والتوسع الاستعماري خارجها"(3). ومن هذه الأصول العقائدية ذات الأبعاد التوسعية، سعى الغرب إلى بسط نفوذه على بقاع العالم، معتقداً بذلك أن العالم خارج النظام الغربي -والذي كان مركزه أوروبا أولاً ثم أمريكا ثانياً- غير متحضر ولا يستطيع الاعتماد على نفسه في النهوض العمراني والثقافي والأخلاقي.
لذا، برر لنفسه العمل على مدار أربعة قرون من نهضته العمرانية على استغلال كل ما هو خارج أرضه لصالحه، من خلال التمركز على التفوق الصناعي والعسكري. وهذا الصراع الذي خاضته الدول الغربية مع الحضارات الأخرى -وخاصة في الشرق- لم يكن صنيعة هذا التفوق الصناعي والعسكري في هذه القرون الأربعة فحسب، بل هو صنيعة صراع حضاري طويل يمتد إلى البدايات الأولى من الصراع بين اليونان -التي تعد المرجعية الحضارية للغرب كما يرى بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين- مع الحضارات الشرقية في بلاد ما بين النهرين وفارس وبلاد الفراعنة في مصر، مروراً بالحروب الصليبية التي استمرت قرابة الخمسة قرون، وصولاً إلى المراحل المتقدمة من الصراع بين شقي العالم.
هذا الصراع تُوِّج في بدايات القرن العشرين من خلال انتصار الاستعمار الغربي المتمثل بالقوتين البريطانية والفرنسية، مع انحسار الدولة المسلمة التي كانت تسيطر على الأراضي العربية وهي الدولة العثمانية. ومن خلال هذه المراحل من الصراع الطويل وقراءة اليهود لطبيعة هذا الصراع بشكل جيد، عملوا على استغلاله لصالحهم من خلال الوقوف مع الجهة المنتصرة والمسيطرة على العالم ودعمها، بتوفير مجال يسهم في بسط نفوذهم للفترات القادمة على هذه المنطقة الواعدة اقتصادياً، وكذلك كونها منطقة استراتيجية تسهم في عملية السيطرة على العالم لتوسطها القارات.
لذلك، عملت المنظمات اليهودية على الاستثمار في هذه البيئات الجديدة من أجل فرض كيانهم لرعاية مشروعهم الاستيطاني، "ومنذ البداية، قايض (بن غوريون) بين توافر دولة عظمى تظلّل الكيان الصهيوني بالرعاية الكاملة، مقابل تقديم خدماته لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. وأدرج هذه المعادلة في صلب الاستراتيجية العليا للكيان، الذي حظي -لحظة ولادته- بدعم غربي شامل، تُوِّج في آذار 1950 بالإعلان الثلاثي الصادر عن واشنطن وباريس ولندن، تتعهد بموجبه بالدفاع عن وجود إسرائيل وأمنها. وتدرّجت الرعاية بالترتيب الزمني: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة؛ حيث تكّفلت كل منها، في مرحلة ما، بلعب دور الدولة الراعية الأولى"(4).
واستمرت هذه العملية في ثلاث صور من الرعاية، وأصبحت هذه الدول هي الحاضنات التي أسهمت في تكوين هذا الكيان في المنطقة العربية. وسنركز على الحاضنات الثلاث التي مهدت لظهور الكيان في الشرق الأوسط في المقال القادم من هذه السلسلة الثقافية.
***
أ. د. محمد كريم الساعدي
.....................
الهوامش:
1. أ.د محمد كريم الساعدي: الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية، البصرة: دار الفنون والآداب للنشر، ط2، 2022، ص70.
2. المصدر نفسه، ص72.
3. جي. إم. بلاوت: نموذج المستعمر للعالم، الانتشار الجغرافي وتاريخ المركزية الأوروبية، ترجمة: هبة الشايب، القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2010، ص39.
4. محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص25، ص26.






