قراءة في كتاب
عدم مُقاوَمة الشَّرِّ بالعُنْفِ عند ل. ن. تولستوي
تأليف: عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف*
ترجمة: د. علي صغير**
***
تَكْمُنُ مَأْساوِيَّة الوجود الإنسانيِّ، مِنْ وجهة نظر الكاتب والمفكِّر الرُّوسيِّ المرموق ل. ن. تولستوي (1828-1910)، في التَّناقض بين حَتْمِيَّة الموت والشَّغف المُلازم للإنسان بالخُلود المنبثق عن ماهِيَّته العاقلة. ويتجسَّد هذا التَّناقض، بأوضح ما يكون، في السُّؤال عن مَعْنى الحياة - وهو سؤالٌ يصل إليه العقل بسبب عدميَّة الحياة ونكدها. ويمكن صياغة هذا السُّؤال على النَّحو الآتي: "هل يوجد في حياتي ذلك المعنى الَّذِي لا يُدَمِّره موتي المُقْبل حتمًا؟" تولستوي ل. ن. الأعمال الكاملة. المُجلَّد 23. موسكو، 1957. ص 16-17. (ستُذكر جميع الإحالات في ما بعد إلى هذه الطَّبعة- تشير الأرقام قَبْلَ الفاصلة إلى المُجلَّد، وتُشير الأرقام بعد الفاصلة إلى الصَّفَحات). يرى تولستوي أنَّ حياة الإنسان تمتلئ بالمعنى بِقَدْرِ ما يُخْضِعُها لتحقيق إرادة الله. أمَّا إرادة الله فقد مُنِحَتْ لنا كقانون للمَحَبَّة الَّذِي يقف في مواجهة قانون العنف. قانون المَحَبَّة مطبوع في القلب الإنسانيِّ، وقد أدرك كُنْهَهُ مُؤَسِّسو الأديان والفلاسفة البارزون، وتَمَّ توضيحه بأكمل وأدَقِّ ما يكون في وصايا السَّيِّد المسيح. ينبغي للإنسان لكي يُخَلِّص نفسه وروحه من الفساد، ويمنح حياته معنًى لا يبطله الموت أنْ يَكُفَّ عن فِعْل الشَّرِّ وممارسة العُنْف، وأنْ يَكُفَّ عن ذلك مَرَّةً وإلى الأبد، بما في ذلك، وبشكل أساسيٍّ عندما يُصْبِح هُوَ نفسه هدفًا للشَّرِّ والعُنْف. لا تَرُدَّ بالشَّرِّ على الشَّرِّ، ولا تُقاوِم الشَّرَّ بالعُنْف - هذا هو أساس فلسفة حياة ليف نيكولايفيتش تولستوي.
إنَّ إبداع تولستوي كُلَّه بَعْدَ عام 1878 مُخصَّص، بشكل أو بآخر، للدِّين وأخلاقيَّات عدم المُقاوَمَة. يُمكن تقسيم الأعمال ذات الصِّلة (سنذكر فقط أهَمَّها) إلى أربع مجموعات: المجموعة الاعترافيَّة: "الاعْتِراف" (1879-1881)، "فيمَ إيماني؟" (1884)؛ المجموعة النَّظريَّة: "ما الدِّينُ وما جوهره؟" (1884)، "مملكة الله داخِلَكُم" (1890-1893)، "قانون العُنْف وقانون المَحَبَّة" (1908)؛ المجموعة المقاليَّة: "لا تَقْتُلْ" (1900)، "لا أستطيع السُّكوت" (1908)؛ المجموعة الأدبيَّة-الرِّوائيَّة: "موت إيفان إيليتش" (1886)، "السوناتا الكروتزرية" (1887-1889)، "البعث" (1889-1899)، "الأب سيرغيه" (1898).
ولادة تولستوي الثَّانية
تنقسم حياة تولستوي الواعِيَة - إذا ما افترضنا أنَّها بدأت مِنْ سِنِّ الثَّامنة عشرة، عندما غادر الشَّاب تولستوي مقاعد الدِّراسة في السَّنة الجامعيَّة الثَّانية وعندما صار، حسب اعترافه في "الاعتراف"، "لا يُؤْمِن بأيِّ شيء" مِمَّا علَّموه إيَّاه (23، 1) - إلى نصفين مُتَساوِيِيْنِ مُدَّة كُلٍّ منهما اثنان وثلاثون عامًا، يختلف نِصْفُها الثَّاني عن الأوَّلِ اختلاف النَّهار عن اللَّيلِ. يجري الحديث عن التَّحوُّل الَّذِي يشكِّل في الوقت نفسه إشراقًا روحيًّا وتبدُّلًا جذريًّا في الأُسُس الأخلاقيَّة للحياة. وفي هذا الصَّدد يكتب تولستوي في مؤلَّفه "فيمَ إيماني؟": "ما بدا لي من قبل جَيِّدًا، صار سيِّئًا، وما بدا من قبل سيِّئًا، صار جَيِّدًا. حدث لي ما يحدث لإنسان خرج لأمْرٍ ما وفجأةً قرَّر في الطَّريق أنَّه لا يحتاج إلى هذا الأمر على الإطلاق - فأقفل عائدًا إلى بيته. وكُلُّ ما كان على اليَمين أصبح على اليَسار، وكُلُّ ما كان على اليَسار أصبح على اليَمين" (23، 304).
لقد سار النِّصف الأوَّل من حياة ليف تولستوي، طَبْقًا لجميع المعايير السَّائدة، بشكل ناجح وسعيد للغاية. وتلقَّى باعتباره كونتًا بالميلاد تربيةً جيِّدةً وميراثًا كبيرًا. لقد أظهرت الطَّبيعة، وهي تعمل على تكوينه، كَرَمًا سخِيًّا: فاجتمعت في شخصه بنية جسديَّة قويَّة مع عبقريَّة فنِّيَّة وموهبة فلسفيَّة نادرة. كان مسار حياة الكونت تولستوي مليئًا بالشَّهوات الجامحة، والمجد العظيم، والثَّروة المتزايدة، والخِدمة المدنيَّة، والأفراح الأُسَرِيَّة - بِكُلِّ تلك المشاعر الدَّاخليَّة والنَّجاحات الخارجيَّة الَّتِي تُعَدُّ عادةً من أهَمِّ الدَّوافع والمبرِّرات اللَّائقة بالنَّشاط البشريِّ.
لقد دخل الحياة كممثِّل نموذجيٍّ لِنُخْبة النُّبلاء العُلْيا "أرباب الحياة" الَّذِين يَسألُون ولا يُسألُون عمَّا يفعلون ولا يتحمَّلون أيَّ مسؤوليَّة أمام أحدٍ من الخَلْقِ، والَّذِين يَحِقُّ لهم ما لا يَحِقُّ لغيرهم، فكان كُلُّ شيء متاحًا ومباحًا لهم. فقد تمتَّع أديبنا الموهوب في شبابه بحياة صاخبة، وأفرط في مُعاقرة الخَمْر ولَعْبِ القِمار ومُعاشَرة النِّساء وخوض المُبارزات، فذاق تمامًا حلاوة الملذَّات الحسِّيَّة والمشاعر القَوْيَّة. وإلى ذلك، خدم تولستوي في القوقاز بين عامَيْ 1851-1854، وشارك في الدِّفاع عن سيفاستوبول بَيْنَ 1854-1855، حَيْثُ برز كضابط شُجاع. ومع ذلك، كانت الكتابة هي نشاطه الرَّئيس - وهي من بين جميع أشكال الإبداع الفكريِّ الأكثر إجلالًا وتقدُّمًا في روسيا. لقد جلبت لَهُ القِصَص والرِّوايات الأُولى الَّتِي نُشِرَتْ في مجلَّة "سوفريمنِّيك" (المُعاصِر) الشَّهيرة بإشراف الشَّاعر الرُّوسيِّ نيقولاي نيكراسوف شُهْرَةً واسعة في البلاد، وبرواية "الحرب والسَّلام" و"آنَّا كارينينا" نال شُهْرَة عالميَّة. كانت مكانة تولستوي الكاتب في روسيا والعالَم لا جدال فيها، فقد أثْبَتَ جدارته، ورحَّب به الرَّأيُ العامُّ أعظم ترحيب بصفته مُعلِّمًا للحياة. على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ الشُّهرة كانت تُسِرُّ كبرياء تولستوي، وأنَّ المُكافآت الكبيرة كانت تُعزِّز ثَرْوَته، فإنَّ إيمانه بدَوْرِ الكاتب بدأ يتزعزع. لقد رأى أنَّ الكتَّاب يؤدُّون دورًا ليس دورهم اللَّائق بهم: إنَّهم يُعلِّمون من دون أنْ يعرفوا ماذا يُعلِّمون، ويتجادلون باستمرار في ما بَيْنَهُم حَوْلَ مَنْ تكون حقيقته هي الأعلى وحُجَّته هي الأقوى؛ إنَّ قُوَّة حضور الدَّوافع الأنانيَّة في نشاطاتهم هي أكبر بكثير مِمَّا هي عليه عند النَّاس العاديّين الَّذِين لا يدَّعون لأنْفُسهم دَوْرَ مُرْشِدي المجتمع. ومِنْ غَيْرِ أنْ يتخلَّى عن الكتابة وكبرياء الكاتب، غادر بيئة الكُتَّاب في رحلة إلى الخارج استمَرَّت نصف عام (1857) انشغل بعدها بالنَّشاط التَّربويِّ بَيْنَ الفلَّاحين (1858-1863). وعَمِلَ خلال عام (1861-1862) وسيطًا محلِّيًّا في النِّزاعات بين الفلَّاحين ومَلَّاكيِّ الأراضي. لم يكن أيُّ شيء يُرضي تولستوي بالكامل ويروي ظمأه الرُّوحيَّ. فقد أصبحت الخيبات الَّتِي رافقت كُلَّ نشاط من أنشطته مصدرًا لاضطرابٍ داخليٍّ متزايد، ولم يَكُن في وسع رحلة جديدة إلى الخارج استمرَّت عَشَرَةَ أشْهْرٍ (1860-1861) أنْ تُنْقِذَه منه، ولا الهروب إلى السُّهوب البشكيريَّة لمُدَّة شهرين ونِصْف "لاستنشاق الهواء، وشُرْب الكوميس، والعَيْش حياة حيوانيَّة" (23، 10). وقد جنَّبه الزَّواج بصوفيا أندرييفنا بيرغي في أيلول/سبتمبر من العام 1862 الأزمة الرُّوحيَّة المتصاعدة. ومنحته الأُسرة إلى جانب أفراحه الخاصَّة حوافز جديدة للإبداع والنَّشاط الاقتصاديِّ.
أمَّا النِّصف الثَّاني من حياة ليف تولستوي الواعية فقد كان نفيًا للأوَّل. لقد وصل إلى قناعة مُفادها أنَّه، مِثْلَ مُعْظم النَّاس، عاش حياة تَخْلو مِنَ المعنى – عاش مِنْ أجْلِ نفسه. كُلُّ ما كان يُقدِّره – الملذَّات والشُّهرة والثَّروة والأولاد – عِرْضَة للزَّوال والنِّسيان. ويتبيَّن أنَّ كُلَّ هذا تافه من منظار لاتناهي العالَم. وفي ذلك يقول تولستوي: "تجدني كأنَّني عِشْتُ وعِشْتُ، وسِرْتُ وسِرْتُ حَتَّى وصَلْتُ إلى حافة هاوية، فأدرَكْتُ بوضوح أنَّ لا شيء يلوح في الأُفُق سِوى الهلاك" (23، 12). ليس الخطأ في خطوات معيَّنة في الحياة، بَلْ في اتِّجاهها نفسه، في ذلك الإيمان، أو بالأحرى عدم الإيمان الَّذِي يقوم عليه. إذن، ما عساه أنْ يكون ما هُوَ ليس كَذِبًا، وما هُوَ ليس عَبَثًا؟ وجد تولستوي الإجابة عن هذا السُّؤال في تعاليم يسوع المسيح. إنَّها تُعَلِّم الإنسان أنْ يخدم مَنْ أرسله إلى هذا العالَم – الله – وفي وصاياه البسيطة يُوَضِّح كيف يفعل ذلك.
استيقظ تولستوي على حياة جديدة، فتبنَّى بقلبه وعقله وإرادته وكُلِّ طبيعته الشَّغوفة البرنامج الأخلاقيَّ-الاجتماعيَّ للمسيح ونذر نفسه بالكامل لِاتِّباعه وتأسيسه والدَّعوة إليه.
في الحقيقة، لا تجد المسألة المتعلِّقة بأسباب هذا التَّغيُّر الجذريِّ الحادِّ في أركان حياة تولستوي، مثل جميع التَّغيرات من هذا النَّوع عُمومًا، تفسيرًا مُرْضِيًا. في الواقع، إذا تغيَّرت أُسُس الحياة بطريقةٍ يصير الإنسان فيها روحيًّا على الضِدِّ تمامًا مِمَّا كان عليه قبلًا، فهذا يعني بالضَّبط أنَّ الحالة الجديدة لا تنبع من القديمة، وليست استمرارًا لها. كان في الإمكان الافتراض أنَّ الحالة القديمة تحدِّد الحالة الجديدة بطريقة سلبيَّة محض، مُلْزِمةً إيّاه بفعل كُلِّ شيء بالعكس. ولكِنْ حَتَّى في هذه الحالة يبقى من غير الواضح من أين ينشأ وَعْيُ الشَّخص بسلبيَّة تجربته ومرارتها. في زمانه، عاش القدِّيس أوغسطينوس المُتخبِّط والحائر روحيًّا انقلابًا مُدْهِشًا حوَّلَه في لحظة من وثنيٍّ إلى مسيحيٍّ. وبعد التَّأمُّل مليًّا في أسباب هذا التَّحوُّل الَّذِي لم يجد له أيَّ أُسُس تفسيريَّة في حياته الخاصَّة، خَلَصَ أوغسطينوس إلى استنتاج مُفاده أنَّ ما حدث له هو مُعجزة تثبت وجود الله. منطق أوغسطينوس لا تشوبه شائبة: لا يمكن للمرء أنْ يطلب تفسيرًا سببيًّا لتَحوُّل شاوول إلى بولس، لأنَّ مثل هذا التَّحوُّل نفسه يُدرَك على أنَّه قَطْعٌ لسلسلة العلاقات بين الأسباب والنَّتائج، كفعل حُرِّيَّة محض. تشهد قدرة الإنسان على التَّغيُّر، وبخاصَّةٍ، التَّحوُّلات المفاجئة، على استقلاليَّة الرُّوح وعلى أنَّ الإنسان أعصى من أنْ يُحصَر في أفعاله الخاصَّة ويحتفظ دائمًا بإمكانيَّة الانفلات من براثن الضَّرورة.
يُعْدُّ التَّجديد الرُّوحيُّ للشَّخصيَّة أحد الموضوعات المركزيَّة في رواية تولستوي الأخيرة "البعث" (1899) الَّتِي كتبها في الفترة الَّتِي صار فيها مسيحيًّا ومقاوِمًا للشَّرِّ باللّاعُنْف تمامًا. يجد البطل الأمير نيخليودوف نفسه محلَّفًا في قضية عاهرة مُتَّهمة بالقتل، يتعرَّف فيها على كاتيوشا ماسلوفا – الخادمة في منزل عمَّاته الَّتِي سبق له أنْ راودها عن نفسها ذات يوم ثُمَّ تخلَّى عنها. وقد قلبت هذه الحقيقة حياة نيخليودوف رأسًا على عَقِب. لقد رأى ذَنْبه الشَّخصيَّ في سقوط كاتيوشا ماسلوفا وذَنْبَ طبقته في سقوط الملايين من أمثال كاتيوشا. فاستيقظ في وعيه الإلهُ الَّذِي عاش فيه، لتنفتح بصيرة نيخليودوف على رؤية مقدار الزَّيف الدَّاخليِّ الَّذِي تنطوي عليه حياته وحياة مَنْ حوله في ضوء الأخلاق المُطْلَقة. شَعَرَ بالاشمئزاز والخجل. قطع نيخليودوف المصدوم صلته بمحيطه وتبع ماسلوفا إلى المنفى الخاصِّ بالعقوبات الشَّاقَّة. بدأ التَّحوُّل المفاجئ لنيخليودوف مِنْ سَيِّدٍ متهوِّر مسرف في حياته إلى مسيحيٍّ مُخْلِصٍ (مسيحيٌّ ليس بالمعنى الكنسيِّ، بَلْ بالمعنى الأخلاقيِّ للكلمة) على المستوى العاطفيِّ-الرُّوحيِّ في صورة توبة عميقة وصحوة ضمير، واكبه عمل عقليٌّ مكثَّف. بالإضافة إلى ذلك، يُميِّز تولستوي في شخصيَّة نيخليودوف على الأقَلِّ عامِلَيْن مُساعِدَيْنِ أسْهَما إيجابا في مثل هذا التّحوُّل – عقل حادٌّ وفضوليٌّ يرصد بدقَّة الكذب والنِّفاق في العلاقات البشريَّة، وكذلك مَيْلٌ واضح للتَّغيُّر. والعامل الثَّاني مُهِمُّ بشكل خاصٍّ: "يحمل كُلُّ إنسان في ذاته بذور جميع الصِّفات البشريَّة، يُظهر بعضها تارةً، وبعضها الآخر تارةً أُخرى، ويحدث غالبًا ما يكون غير مشابه لنفسه على الإطلاق، مع ذلك يبقى واحدًا وهو نفسه. تكون هذه التَّغيُّرات لدى بعض النَّاس حادًّة بشكلٍ خاصٍّ. وإلى هؤلاء النَّاس ينتمي نيخليودوف" (البعث. الجزء الأوَّل. الفصل التَّاسع والخمسون).
إذا ما نقلنا تحليل تولستوي للثَّورة الرُّوحيَّة لنيخليودوف على تولستوي نفسه، فسنرى الكثير من القواسم المُشتركة بَيْنَهُما. كان تولستوي أيضًا مَيَّالًا بدرجة عالية إلى التَّغيُّرات الحادَّة وقابلًا لها؛ لقد امتحن نفسه في مجالات مختلفة. فقد خبر بتجربة حياته الخاصَّة كُلَّ الدَّوافع الرَّئيسة المرتبطة بالتَّصورات الدُّنيويَّة عن السَّعادة، وخَلَصَ إلى استنتاج مُفاده أنَّها لا تورث طُمأنينة النَّفْس. إنَّ إمتلاء التَّجربة هذا الَّذِي لم يترك أيَّ أوهام بأنَّ شيئًا جديدًا من السِّلسلة الدُّنيويَّة يمكن أنْ يمنح الحياة مَعْنًى قائمًا بذاته، أصبح مُقدِّمة مُهمًّة للانقلاب الرُّوحيِّ. امتلك تولستوي حِدَّة ذكاء عالية نادرة؛ كان عقله الفضوليُّ مُوَجَّهًا إلى فَهْمِ سرِّ الإنسان، وكانت حياته الخاصَّة هي الميدان التَّجريبيُّ الأساسيُّ لبحوثه الوجوديَّة والمعرفيَّة. وقد عَبَّرَ الشَّاعر التُّركيّ فَضِيل كُيوسْـنُو داغلارجا عن هذه الحال بألطف مقال في قصيدة موجزة بعنوان "الوجود":
"وُلِدْنَا ذات مَرَّة -
فَنعِيش.
ذات مَرَّةً، لَمَّا بَدَأْنَا نُفَكِّرُ.
وُلِدْنَا من جديد.
لِنَعْرِفَ.
لِمَ وُلِدْنَا المَرَّةَ الأُولَى". (مجلَّة: الأدب الأجنبيُّ، 1972، العدد 3).
ويبدو من السِّيرة الذَّاتيَّة لتولستوي أنَّ الحياة والتَّفكير فيها متشابكان بشدَّة إلى درجة يصحُّ معها القول: لقد عاش ليفكِّر وفكَّر ليعيش. ولِكَيْ يكتسب الاختيار الحياتيُّ مكانةً لائقة، في نظر تولستوي، كان لا بدَّ من أن يُبرِّر نفسه أمام العقل، وأنْ يجتاز بجدارة اختبار الاتِّساق المنطقيِّ. لَمْ تترك هذه اليَقَظَة الدَّائمة للعقل سوى ثغرات قليلة للخداع والخداع الذَّاتيِّ اللَّذَيْنِ يخفيان اللَّاأخلاقيَّة الأصليَّة واللَّاإنسانيَّة المُهينة لِما يُسمّى بأشكال الحياة المُتَحضِّرة. في فضح هذه الأمور، كان تولستوي لا يُحابي ولا يرحم؛ ولئن كان صحيحًا أنَّ تولستوي بادر إلى شنِّ هجومه الجبهويِّ الشَّامل ضِدّ العنف واللَّاإنسانيَّة في الشَّطر الثَّاني من حياته فقط، فإنَّ الرُّوح النَّقديَّة-الاجتماعيَّة كانت مُتأصِّلة فيه دائمًا.
ثَمَّةَ تشابه بين النَّموذج النيخليودوفي ومسار الأزمة الرُّوحيَّة لتولستوي. لقد بدأت هذه الأزمة برُدود فِعْل داخليَّة لاإراديَّة تُشير إلى خلل في نظام حياته؛ وفي إشارةٍ إلى هذه الأزمة يكتب تولستوي: "أصابني شيءٌ غريب جدًّا: أصْبَحَتْ تَنْتابُني لحظات حَيْرَة في البداية، وتوقُّف في الحياة، كما لو أنَّني لا أعرف كيف أعيش وماذا أفعل، تخبَّطتُ في الضَّياع وتملَّكني القُنوط. لكن هذا كان يمُرُّ وأعودُ إلى متابعة حياتي كما مِنْ قَبْل. ثُمَّ أصْبَحَتْ هذه اللَّحظات من الحَيْرَة والتَّشوُّش تتكرَّر أكثر فأكثر وبالصُّورة نفسها دائمًا. كانت هذه التَّوقَّفات في الحياة تعبِّر عن نفسها دائمًا بالأسئلة ذاتها: لماذا؟ ثُمَّ ماذا بعد؟ (10,23).
أصبح هذا الهاجس الَّذِي سرعان ما تحوَّل إلى وسواس قهريٍّ بالانتحار، مصدرًا وموضوعًا لعمل فكريٍّ حثيث. وقد تطلَّب الأمر، قبل كُلِّ شيء، تأمُّل حقيقة أنَّ تسمُّم حياة تولستوي حدث عندما كان لديه كُلُّ ما "يُعَدُّ السَّعادة الكاملة" (23، 12)، وكان في وسعه أنْ يعيش حياة سعيدة ومستقيمة، وأنْ يكون محبوبًا ومحترَمًا من الجميع. اِمْتَدَّ العمل الفكريُّ الدَّؤوب لتولستوي في إعادة تأمُّل أُسُس حياته الخاصَّة سنوات عدَّة، وشمل دراسة الأديان العالَميَّة والحكمة الفلسفيَّة وبحوثًا نظريَّة عميقة حول طبيعة الدِّين والأخلاق والإيمان، ونقدًا منهجيًّا للفكر اللَّاهوتيِّ الدُّوغمائيِّ، الأمر الَّذِي تطلَّب دراسة اللُّغة العِبْريَّة القديمة وتحديث معرفته باللُّغة اليونانيَّة القديمة؛ وفي إطار الجهود الواعِيَة للتَّغلُّب على الدَّاء الرُّوحيِّ الَّذِي أصابه، عاش تولستوي مُدَّة عامٍ حياةَ مسيحيٍّ أُرثوذُكسيٍّ مُلْتَزمًا تعاليم الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة بِكُلِّ صَلَواتها وشعائرها.
ولكِنْ، ما هُوَ الدَّافعُ الخارجيُّ لتَحَوُّل تولستوي الرُّوحيّ، وما الَّذِي أدَّى في حالته الدَّور الَّذِي مثَّلته حادثة لقاء نيخليودوف بكاتيوشا ماسلوفا؟ وإنْ كان ثَمَّةَ وجود، عمومًا، لعامل خارجيِّ أثار الأزمة الدَّاخليَّة والتَّمرُّد الرُّوحيَّ لتولستوي، فمن الواضح أنَّه كان عتبة سِنِّ الخمسين من العمر. وفي كُلِّ مكان تقريبًا حَيْثُ يتحدَّث تولستوي عن التَّغيير الَّذِي طرأ عليه، فإنَّه يُشير، بشكل أو بآخر، إلى سِنِّ الخمسين. استمرَّت فترة الأزمة نفسها ما لا يَقِلُّ عن أربع أو خمس سنوات. وفي آذار/ مارس من عام1877، أشارت صوفيا أندرييفنا في مُذَكِّراتها نقلًا عن تولستوي إلى الصِّراع الدِّينيِّ الرَّهيب الَّذِي عصف به في السَّنَتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ، ما يعني أنَّ بداية هذا الصِّراع تعود إلى عام 1875. يقول تولستوي في "الاعتراف" إنَّه فكَّر في الانتحار في سِنِّ الخمسين. وتعود بداية "الاعتراف" نفسه - العرض الأوَّل لقناعات تولستوي المُعاد صياغتها - إلى العام 1879. وأخيرًا، يقول تولستوي مِرارًا وتَكرارًا إنَّه اهتدى إلى الصِّراط الجديد في سِنِّ الخمسين: "لقد عِشْتُ في العالَم اثْنَيْنِ وخَمْسينَ عامًا، وقبل عامَيْنِ أصبَحْتُ مسيحيًّا" (49، 8)؛ "لقد عِشْتُ في العالَم خمسةً وخمسينَ عامًا... قَبْلَ خمسِ سنواتٍ آمَنْتُ بتعاليم المسيح" (23، 304). وفي نيسان/ أبريل من عام 1878، قرَّر تولستوي بعد انقطاع دام ثلاثة عشر عامًا استئناف كتابة مُذكِّراته (وهذا ما يفعله نيخليودوف أيضًا في فترة انبجاس صَحْوَتِه).
الخمسون مرحلة عُمْرِيَّة مميَّزة في حياة كُلِّ إنسان، وتذكير بأنَّ للحياة نهاية. وقد ذَكَّرَتْ تولستوي بالأمر نفسه. إذ إنَّ مشكلة الموت كانت تشغل تولستوي مِنْ قبل. في قِصَّة "الميتات الثَّلاث" (1858) ينظر في المواقف المختلفة تُجاهها. فقد كانت مشكلة الموت، وبخاصَّةً، الموت في صورة عمليَّات قتل قانونيَّة، تضع تولستوي دائمًا في مأزَق، وذلك بالرَّغْمِ من كُلِّ ما يمتلكه من قُوَّة حيويَّة فائقة وقدرات تحليليَّة هائلة. في نهاية القِصَّة السِّيفاستوبوليَّة الثَّانية (1855) هناك تأمُّل بروح المسالَمة pacifism المسيحيَّة الدَّافع. وفي عام 1866 لَمْ يُوَفَّق تولستوي في الدِّفاع أمام المحكمة عن جنديٍّ محكوم بالإعدام بتهمة ضرب قائد فَوْج. وقد كان لحادثة إعدام بالمقصلة شهدها في باريس عام 1857 "قَبَّل الإنجيل، ثُمَّ قُتل! أيُّ عَبَثٍ هذا!" (47، 121) أبلغ الأثَر في نفسه. وتَلَتْها لاحقًا فاجعة وفاة أخيه الأكبر المحبوب نيكولاي في عُمْر السَّابعة والثَّلاثين عام 1860 "إنسان ذكيٌّ وطيِّبٌ وجادٌّ، أصابه المرض في ريعان شبابه، عانى لأكثر من عام ومات ميتةً موجعة من دون أدنى فَهْمٍ لماذا عاش، ولماذا يموت" (23، 8).
كان تولستوي قد بدأ يشكُّ منذ وقت طويل في إيديولوجيَّا التَّقدُّم، ويتأمَّل في المعنى العامِّ للحياة، وعلاقة الحياة بالموت. وقد كان هذا في ما مضى موضوعًا جانبيًّا، أمَّا الآن فقد أصبح الموضوع الأساسيَّ؛ أصبح الموت يُدرَك الآن كأُفُقٍ شخصيٍّ، كنهاية قريبة ومحتومة. وبعد أنْ وقف أمام ضرورة تحديد موقفه الشَّخصيِّ من الموت (وهذا يعني بالنِّسبة إلى تولستوي أنْ يبرِّر الموت بشكل عقلانيٍّ، ويُطوِّر موقفًا واعيًا تُجاهه، أيْ أنْ يطوِّر موقفًا يسمح له بِعَيْشِ حياة ذات معنى مع إدراك حتميَّة الموت) — بعد أنْ وقف أمام هذه الضَّرورة، اِكْتَشَفَ تولستوي أنَّ حياته وقِيَمَهُ لا تصمد أمام اختبار الموت. وفي ذلك يقول: "لم أستطع أنْ أُعطي أيَّ معنى عقلانيّ لأيِّ فعل من أفعالي، ولا لحياتي بأكملها. ما أدهشني فقط هو كيف لَمْ أفْهَم هذا مُنْذُ البداية. كُلُّ هذا معروفٌ مُنْذُ زمن طويل للجميع. عاجلًا أو آجلًا ستأتي الأمراض والموت (وقد أتى بالفعل) على الأحِبّاء وعلَىَّ، ولن يبقى شيء سِوى العَفَن والدِّيدان. كُلُّ أعمالي، أيًّا كانت، سوف تُنسى — عاجلًا أو آجلًا، ولن أكون أنا موجودًا. فلماذا إذًا نكدح؟" (23، 13). تُميط هذه الكلمات لتولستوي من "الاعتراف" اللِّثام عن طبيعة عِلَّته الرُّوحيَّة ومصدرها المباشر الَّتِي يمكن وَصْفُها بأنَّها ذُعْرٌ من الموت. فقد أدرَك بوضوح، بصفته إنسانًا صادقًا ومفكِّرًا شجاعًا، أنَّ الحياة الَّتِي يمكن اعتبارها ذات معنى هي فقط تلك القادرة على تأكيد نفسها في وجه الموت المحتوم والَّتِي تتحمَّل اختبار السُّؤال: "لماذا الكَدُّ، لماذا نعيش أساسًا، إذا كان كُلُّ شيء سيبتلعه الموت؟".
قرَّر تولستوي أنْ يربط نفسه بأسلاك تَوَتُّر عالٍ لا يُحتمل ولا يُطاق — الحياة والموت. وكان يجب أنْ يكون ليف نيكولايفتش تولستوي ليتحمَّل القُوَّة الخارقة لهذا التَّفريغ. دخل تولستوي في منازلة مع الموت ووضع أمام نفسه الهدف الأكثر جرأة، وهو في الواقع هدف خارق — أنْ يَجِدَ ما لا يخضع للموت.
ماذا يَكْمُنُ وراء السُّؤال عن معنى الحياة؟
يوجد الإنسان في حالة خلاف وصراع مع ذاته. فالإنسان مُنْشَطِر على نفسه. وكأنَّ هناك شخصين على الأقَلِّ يعيشان في باطنه: الشَّخص الدَّاخليُّ والشَّخص الخارجيُّ، حيث الأوَّل غَيْرُ راضٍ عمَّا يفعله الثَّاني، والثَّاني لا يفعل ما يريده الأوَّل. يمثِّل ذلك دحضًا حيًّا لقانون الهُوِيَّة. يظهر هذا التَّناقض والتَّمزُّق الذَّاتيُّ لدى الأفراد بدرجات متفاوتة من الحِدَّة، لكنَّه مُتأصِّل فيهم جميعًا، وهو سِمَة جوهريَّة للإنسان. ونظرًا إلى كون الإنسان متناقضًا مع ذاته وممزَّقًا بين تطلُّعات متضادَّة، فإنَّه محكوم بالمعاناة وعدم الرِّضا عن نفسه. يسعى الإنسان باستمرار إلى تجاوز ذاته، ليصبح آخرًا، وحَتَّى أنَّ وجوده ذاته إلى زوال.
غَيْرَ أنَّ القول إنَّ الإنسان مَيَّال الى المعاناة وعدم الرِّضا ليس كافيًا بالمقصود. ثَمَّةَ شيء مشابه موجود في كُلِّ كائنٍ حيٍّ؛ فمن المؤكَّد أنَّ الذِّئْب الَّذِي أضاع فريسته يعاني أيضًا بطريقته الخاصَّة ويشعر بعدم الرِّضا، وعلى أيِّ حال هو قادر على تعديل أفعاله لِكَيْلا يُكرِّر في المَرَّة التَّالية أخطاءَه السَّابقة. لكنَّ الإنسان، علاوة على ذلك، يعلم أنَّه يُعاني وغَيْرُ راضٍ عن نفسه؛ فهو لا يتقبَّل معاناته في العالَم على مستوى الوَعْيِ أيضًا. وبذلك يتضاعف عدم رضاه ومعاناته: فإلى المعاناة وعدم الرِّضا ذاتهما يُضاف الوَعْيُ بسوء هذا الوضع، وبالتَّالي، فإنَّ الإنسان صار يعاني الآن من كونه يُعاني، وغَيْرَ راضٍٍ عن كونه غَيْرَ راضٍ.
بَيْدَ أنَّ الإنسان لا يسعى فقط ليصبح آخرًا لتجاوز حدوده الذَّاتيَّة، وللقضاء على كُلِّ ما يُوَلِّدُ المعاناة والشُّعور بعدم الرِّضا؛ إنَّه يسعى ليصبح "آخرًا" مختلفًا لا يسعى بدوره ليصبح "آخرًا"، ولا يحتاج بعدها إلى تجاوُز حدوده الذَّاتيَّة، و"آخرًا" يكون متحرِّرًا بالكامل من المعاناة وما يرتبط بها من أحاسيس غير سارَّة. الإنسان لا يعيش فقط، بَلْ يريد أيضًا أنْ يكون لحياته مَعْنًى.
يربط النَّاس تحقيق تطلُّعاتهم المافوق بشريَّة بالحضارة، وتغيير الأشكال الخارجيَّة للحياة والبيئة الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة. يتجسَّد هذا الاقتناع في فكرة التَّقدُّم. يُفْتَرَض هُنا أنَّ الإنسان يُمكنه التَّحرُّر من تعاسة وضعه المُزري بمساعدة العلوم والفُنون والنُّموِّ الاقتصاديِّ وتطوير التِّكنولوجيا، وخَلْق عيش مريح، وما إلى ذلك. وقد تبنَّى تولستوي هذه الأفكار - المُلازمة بشكل رئيس لشرائح المجتمع المُتعلِّمة وأصحاب الامتيازات - وسار على هُدَاها خلال النِّصف الأوَّل من حياته الواعية. غَيْرَ أنَّ تجربته الشَّخصيَّة وملاحظته لأشخاص من محيطه هُمَا، بالضَّبط، ما أقنعه بأنَّ هذا الطَّريق هو الطَّريق الخطأ . تشهد التَّجرِبة: كُلَّما ازداد الإنسان انشغالًا في أموره الدُّنيويَّة وهواياته، وكُلَّما كانت ملذَّاته أكثر ترفًا، وثرواته أكبر كَمًّا، ومعرفته أعمق، ازداد قلقه النَّفْسيُّ وسُخْطه ومعاناته الَّتِي أراد التَّحرُّر منها عَبْرَ هذه الممارسات. بانتهاجه طريق تعزيز النَّشاط الحياتيِّ، يقع الإنسان، حرفيًّا، في مستنقعٍ زَلِقٍ: فمع كُلِّ حركة يُقْدِم عليها مِنْ أجْلِ الخروج من المستنقع، يزداد فيه غرقًا على غرق. قد يُخَيَّلُ إلى المرء أنَّه إذا كان النَّشاط والتَّقدُّم يضاعفان المعاناة، فإنَّ الخُمول وما يرتبط به حتمًا من تدهور سيسهمان في تقليصها والحدِّ من وطأتها. هذا الافتراض باطل. إنَّ سبب المعاناة ليس التَّقدُّم بحدِّ ذاته، بَلْ التَّوقُّعات المرتبطة به، وذلك الأمل غير المبرَّر بتاتًا بإمكان تحقيق الإنسان ما هو أكثر من التَّحرُّك أسرع والأكل بشكل أفضل عَبْرَ زيادة سرعة القطارات، وزيادة محاصيل الحقول. من وجهة النَّظر هذه، لا فرق كبير بين التَّركيز على النَّشاط والتَّقدُّم والتَّركيز على الخُمول والتَّدهور. يكمن الخطأ في التَّوجُّه نفسه الَّذِي يروم منح الحياة البشريَّة معنًى عَبْرَ تغيير أشكالها وشروطها الخارجيَّة. ينبع هذا التَّوجُّه من اعتقاد مُفاده أنَّ الإنسان الدَّاخليَّ يعتمد على الخارجيِّ، وأنَّ حالة نَفْسِ الإنسان ووعيه هُما نتيجة (نسخة، انعكاس) لوضعه في العالَم وسْط النَّاس. ولكِنْ، لو كان الأمر كذلك، لما نشب بينهما صراع أصلًا.
باختصار، التَّقدُّم الماديُّ والتَّقدُّم الثَّقافيُّ يعنيان فقط ما يعنيان: تقدُّمٌ ماديٌّ وتقدُّمٌ ثقافيٌّ. إنَّهما لا يَمُسَّان معاناة النَّفْسِ.
يرى تولستوي أنَّ الدَّليل القاطع على ذلك هو أنَّ التَّقدُّم يفقد معناه إنْ تأمَّلناه من منظار موت الإنسان. فما فائدة المال والسُّلطة والأبناء والسِّيمفونيَّات، وما شابه، وما فائدة السَّعي والكدح أساسًا لتحقيق شيء ما، إذا كان المآل هو الزَّوال، وكان كُلُّ شيء ينتهي حتمًا بالموت والنِّسيان: "يمكن العيش ما دُمنا سكارى بالحياة؛ لكن حين نصحو، لا يمكن إلَّا أنْ نرى أنَّ كُلَّ هذا مجرَّد خداع، وخداع أحمق!" (23، 13). وخير ما يعبِّر عن مأساة الوجود البشريِّ، في رأي تولستوي، هي الحكاية الشَّرقيَّة (الهنديَّة القديمة) عن المسافر الَّذِي فاجأه وحش مفترس في السَّهب. "هربًا من الوحش، يقفز المسافر إلى بئر جافَّة، لكنَّه يرى في قاع البئر تنِّينًا فاغرًا فاه لالتهامه. فلم يجرؤ المسكين لا على الخروج من البئر خشية أنْ يفترسه الوحش الضَّاري، ولا على القفز إلى قاع البئر خشية أنْ يلتهمه التِّنِّين، فيتعلَّق بغصن شجرة برِّيَّة تنمو في شقوق البئر ويتمسَّك به. تضعف يداه ويشعر أنَّه سيَضطَرُّ قريبًا إلى الاستسلام للهلاك الَّذِي ينتظره من كِلا الجانبين؛ لكن، وبينما هو متمسِّك يتلفَّت حوله فيرى فأرين، أحدهما أسود والآخر أبيض، يدوران باستمرار حول جذع الشَّجرة المتعلِّق بها، ويقضمان الجذع شيئًا فشيئًا. فالشَّجرة على وَشْك أنْ تنكسر ويسقط في فم التِّنِّين. يرى المسافر ذلك ويعلم أنَّه سيهلك لا محالة؛ لكن بينما هو متعلِّق، يبحث حوله فيجد على أوراق الشَّجرة قطرات من العسل، فيمد لسانه إليها ويَلْحَسها (23، 13-14). الفأران الأبيض والأسود، واللَّيل والنَّهار، يقودان الإنسان حتمًا إلى الموت – وليس الإنسان بعامَّة، إنَّمَا هو أنت وأنا وكُلُّ واحد منَّا، وليس في مكان ما أو زمان ما، بَلْ هُنا والآن؛ "وهذه ليست قٍصَّة رمزيَّة، بَلْ هي واقعة حقيقيَّة، لا جدال فيها ومفهومة للجميع" (23، 14). فلا شيء سينقذه من هذا – لا الثَّروات الطَّائلة، ولا الذَّوق الرَّفيع، ولا المعارف والمعلومات الواسعة.
إنَّ الاستنتاج المتعلِّق بمعنى الحياة الَّذِي يبدو أنَّ التَّجرِبة تؤدِّي إليه وتؤيِّده الحكمة الفلسفيَّة هو، من وجهة نظر تولستوي، متناقض منطقيًّا بشكل واضح، وغير مُرَجَّح نفسيًّا بحيث تتعذَّر الموافقة عليه. كيف يمكن للعقل أنْ يسوِّغ عدم معنى الحياة، إذا كان هو نفسه نتاجًا للحياة؟ وفي الواقع، ليس لديه أيُّ أساس لمثل هذا التَّسويغ. لذلك، فإنَّ تأكيد عدم معنى الحياة يحتوي في حدِّ ذاته على دَحْضِه الخاصِّ: الإنسان الَّذِي وصل إلى استنتاج كهذا كان يجب عليه أوَّلًا أنْ يُنهي حسابه مع الحياة، وعندها لن يكون قادرًا على التَّفكير في عدم معناها؛ وإذا كان يتحدَّث عن عدم معنى الحياة ويستمرُّ مع ذلك في العيش بحياةٍ هي أسوأ من الموت، فهذا يعني أنَّها في الواقع ليست بلا معنى وسيِّئة كما يُقال. علاوة على ذلك، فإنَّ الاستنتاج القائل بلامعنى الحياة يعني أنَّ الإنسان قادر على وضع أهداف لا يمكنه تحقيقها، وصياغة أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها. ولكِنْ، أليست هذه الأهداف والأسئلة يضعها الإنسان ذاته؟ وإذا لم تكن لديه القُوَّة لتحقيقها، فَمِنْ أيْنَ جاءته القُوَّة لِوَضْعِها؟ من النَّاحية المبدئيَّة، بما أنَّ الحديث يتَمَحْوَر حَوْلَ الواقع نفسه - الإنسان وحدود عقله، فإنَّ الأهداف تحتوي على إمكانيَّة التَّحقيق، والأسئلة تحتوي على إمكانيَّة الإجابة. ومن المنطقيِّ الافتراض أنَّ مَنْ هَمَّ بضربةٍ، فهو قادر على تنفيذها. إضافة إلى ذلك، لا تَقِلُّ حُجَّة تولستوي النَّفْسِيَّة إقناعًا: إذا كانت الحياة بلا معنى، فكيف ولِمَ عاش ويعيش ملايين وملايين النَّاس وكُلُّ البشريَّة؟ وإذا كان البشر يعيشون الحياة ويفرحون بها ويواصلونها بكدٍّ وجدٍّ، فهذا يعني أنَّهم يجدون فيها معنًى مُهِمًّا ما؟ فما هُوَ؟
مُبْدِيًا امتعاضه من الحلِّ السَّلبيِّ لمسألة معنى الحياة، ولَّى ل.ن. تولستوي وجهه شَطْرَ التَّجرِبة الرُّوحيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يعيشون مِنْ عمل أيديهم وعرق جبينهم، أيْ تجربة الشَّعب، ما سمح له باختراق أُفُق العبثيَّة الأنانيَّة للطَّبقات العُلْيا. واقترح، في الوقت عينه، تفسيرًا جديدًا للسُّؤال نفسه، ما أتاح إمكانيَّة الكشف عن محدوديَّة الإجابات التَّأمُّليَّة عنه.
فالبسطاء والفلَّاحون (على الرَّغْمِ من أنَّ الأمر لا يتعلَّق بالفلَّاحين بالضَّرورة، فحاملة راية المثل الأعلى لتولستوي "باشينكا" من قِصَّة "الأب سيرغيه" تنحدر من بيئة أصحاب الامتيازات؛ فالسِّمَة الجوهريَّة لا ترتبط بالأصل والفصل وبالحَسَب والنَّسَب، بَلْ بالوضع الاجتماعيِّ الحقيقيِّ - ما إذا كان الإنسان عاملًا أم طُفيليًّا) يعرفون جيِّدًا مسألة معنى الحياة، وهي لا تنطوي على أيِّ صعوبة أو لُغْز بالنِّسبة إليهم. فَهُمْ يعرفون أنَّه يجب العيش وفق قانون الله والعيش على نَحْوٍ لا يُهلِك نُفوسهم. إنَّهم يعرفون ضآلتهم المادِّيَّة، لكن ذلك لا يُخيفهم، لأنَّ النَّفْسَ المرتبطة بالله باقية. إنَّ قِلَّة تعلُّم هؤلاء النَّاس، وافتِقارَهُمْ إلى المعارف الفلسفيَّة والعلميَّة لا يقفان حائلًا أمام فَهْمِ حقيقة الحياة، بَلْ لرُبَّما كان العكس هو الصَّحيح. إذ إنَّ الاعتراف بمعنى الحياة بالنِّسبة إليهم هو حقيقة بديهيَّة تجعل وجودهم الإنسانيَّ نفسه ممكنًا، وهو ليس ثمرة للتَّفكُّر، بَلْ هو مقدِّمته وأساسه. فقد اتَّضح، وعلى نَحْوٍ لا يخلو من الغرابة، أنَّ الفلَّاحين الجهلاء، والسُّذَّج كالأطفال المليئين بالتُّرَّهات، يدركون العمق المأساويَّ الكامل لمسألة معنى الحياة؛ هُمْ يفهمون أنَّ السُّؤال يَتَمَحْوَر حَوْلَ الأهَمِّيَّة الأبديَّة الخالدة لحياتهم وحَوْلَ ما إذا كانوا يخافون من الموت المُقبل. وَهُمْ يقبلون التَّحدِّي الموجود في هذا السُّؤال الأوَّليِّ والأساسيِّ للإنسان حَوْلَ: لماذا نعيش؟ وبإصغائه إلى كلمات البسطاء وتفكُّره في حياتهم، توصَّل تولستوي إلى استنتاج مُفاده أنَّ موقفهم - هو موقف طفل تتحدَّث الحقيقة بلسانه. لقد فهموا سؤال معنى الحياة بشكل أعمق وأدَقّ من كُلِّ سُليمانٍ وشوبنهاور.
إنَّ السُّؤال عن معنى الحياة هو سؤال عن العلاقة بين المتناهي واللّامتناهي فيها، أيْ هل لحياتي الفانية قيمة أبديَّة غير قابلة للفناء؟ وإذا كانت كذلك، فما هي؟ هل هناك شيء خالد فيها؟ لو أنَّ حياة الإنسان المتناهية تحتوي على معناها في ذاتها، لما وُجد هذا السُّؤال أصلًا. لذلك، فإنَّ الفلاسفة الَّذِين يتحدَّثون عن لامعنى الحياة وعبثيَّتها وعذابها، يقعون في حشوٍ لا طائل مِنْهُ؛ إنَّهم لا يجيبون عن السُّؤال، بَلْ يكرِّرونه فقط. لذا، على ما يقول تولستوي: "من أجل حَلِّ هذه المسألة، لا يكفي مساواة المُتناهي باللّامُتناهي، واللّامُتناهي بالمُتناهي" (23، 36)، بَلْ يجب الكشف عن علاقة أحدهما بالآخر. وبالتَّالي، فإنَّ سؤال معنى الحياة يتجاوز نطاق المعرفة المنطقيَّة، ويتطلَّب الخروج عن الإطار الَّذِي يضيئه نور العقل. وإلى هذا المعنى يذهب تولستوي بقوله: "لم يكن في مقدوري البحث عن إجابة لسؤالي في المعرفة العقلانيَّة" (23، 34). فكان لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ "للبشريَّة جمعاء معرفة أُخرى غير عقلانيَّة - وهي الإيمان الَّذِي يُمكِّنُها مِنَ العَيْشِ" (23، 35).
لقد توصَّل تولستوي من خلال ملاحظة التَّجرِبة الحياتيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يتَّسمون بنظرة مدروسة إلى حياتهم وفَهْمٍ واضح لضآلتها، ومن خلال الفَهْمِ الصَّحيح لمنطق مسألة معنى الحياة ذاته، إلى استنتاج واحد بعينه: إنَّ مسألة معنى الحياة هي مسألة إيمان، لا مسألة معرفة مدعومة بحجج عقلانيَّة. ينطوي مفهوم الإيمان، في فلسفة تولستوي، على مضمون خاصٍّ، لا يتطابق مع المفهوم التَّقليديِّ. إنَّه ليس الثِّقة بما يُرْجَى، والإيقان بأُمُور لا تُرَى، كما اعتقد الرَّسول بولس (رسالة بولس الرَّسول إلى العبرانيّين. 1:11). وفي هذاالسِّياق يطرح تولستوي عددًا من التَّعريفات، ومن أبرزها: "الإيمان هو إدراك الإنسان موقِعَه في العالَم، ما يفرض عليه القيام بأفعال مُعيَّنة" (35، 170)؛ و "الإيمان هو معرفة معنى الحياة البشريَّة الَّتِي بسببها لا يدمِّر الإنسان نفسه، بَلْ يحيا. الإيمان هو قُوَّةُ الحياة" (23، 35). ومن خلال هذه التَّعريفات، يصبح من الواضح أنَّ الحياة ذات المعنى والحياة القائمة على الإيمان هُما شيء واحد لدى تولستوي. الحياة ذات المعنى مطابقة للحياة المؤمِنة (أو "المفعمة بالإيمان").
يُشير الإيمان إلى حدود العقل، ولكنَّها حدود يضعها العقل نفسه ولا يمكننا إدراكها إلَّا من هذه الجهة، أيْ من جهة العقل. هذا المفهوم في التَّفسير التُّولستوي غير مرتبط البتَّة بالأسرار الغيبيَّة غير المُدرَكة والتَّحوُّلات الإعجازيَّة غير القابلة للتَّصديق وغيرها من التُّرَّهات. علاوة على ذلك، فهو لا يعني أنَّ المعرفة البشريَّة لديها أيّ أدوات أُخرى غير العقل القائم على التَّجرِبة والخاضع لقوانين المنطق الصَّارمة. وفي وصفه لخصوصيَّة المعرفة الإيمانيَّة، يكتب تولستوي: "لن أبحث عن تفسير لِكُلِّ شيء. أعرف أنَّ تفسير كُلِّ شيء يجب أنْ يكون مَخفيًّا، كنقطة بداية كُلِّ شيء، في اللَّامتناهي. لكنِّي أُريد أنْ أفهم بطريقة تقودني إلى ما لا مناص من عدم تفسيره؛ أُريد أنْ يكون كُلُّ ما هو غير قابل للتَّفسير مثل ما هو عليه ليس لأنَّ متطلَّبات عقلي خاطئة (فهي صحيحة، ومن دونها لا أستطيع فَهْم أيِّ شيء)، بَلْ لأنَّني أرى حدود عقلي. أُريد أنْ أفهم بطريقة تجعل كُلَّ موقف غير قابل للتَّفسير يمثل لي كضرورة للعقل نفسه، وليس كإكراه على الإيمان" (23، 57). كان تولستوي عقلانيًّا بشكل مذهل، لأنَّه لم يعترف بأيِّ معرفة لا تقوم على دليل. ولم يقبل أيَّ شيء بناءً على الإيمان، إلَّا الإيمان نفسه. الإيمان كقُوَّة حياة يتجاوز نطاق اختصاص العقل بقدر ما يسوِّغه العقل نفسه. بهذا المعنى، فإنَّ مفهوم الإيمان هو شهادة على صِدْقِ العقل الَّذِي لا يريد أنْ يتحمَّل أكثر مِمَّا يستطيع.
ينبع مِنْ هذا الفَهْم للإيمان وعلاقته بالعقل أنَّ الشَّكَّ والتَّشوُّش يكمُنان وراء سؤال معنى الحياة. يصبح معنى الحياة سؤالًا عندما تفقد حياة السَّائل معناها. لقد أدرَكتُ، كما نقرأ في "الاعتراف": "أنَّه لكي نفهم معنى الحياة، يجب أوَّلًا ألَّا تكون الحياة بلا معنى وشريرة، وبعد ذلك فقط يأتي العقل لفَهْمِها" (23، 41). ذلك أنَّ الاستفسار الحائر حول سبب العيش هو علامة أكيدة على أنَّ الحياة خاطئة. فمِنَ القِصَّة الشَّرقيَّة، ومِنَ التَّأملات الفلسفيَّة على طريقة بوذا وشوبنهاور، وكذلك مِنْ كُلِّ تجربة للخوف من الموت، كما هي موصوفة جيِّدًا في قِصَّة تولستوي "موت إيفان إيليتش"، ثَمَّةَ استنتاج واحد: لا يمكن أنْ يَكْمُنَ معنى الحياة في ما يموت بموت الإنسان. وهذا يعني أنَّ المعنى لا يمكن أنْ يكون في الحياة من أجْلِ الذَّات، ولا في الحياة من أجْلِ الآخرين، لأنَّهم يموتون أيضًا، ولا في الحياة من أجْلِ الإنسانيَّة، لأنَّها أيضًا ليست أبديَّة. ذلك أنَّ "الحياة من أجْلِ الذَّات لا يمكن أنْ تحمل أيَّ معنًى... لِكَيْ نعيش بعقلانيَّة، يجب أنْ نعيش بِحَيْثُ لا يستطيع الموت تدمير الحياة" (23، 388-389).
الله والحُرِّيَّة والخير
ذلك المبدأ اللّامتناهي الخالد الَّذِي لا تكتسب الحياة معنى إلَّا بالارتباط به، يُدعى الله. ولا يُمكن الجزم بشيء آخر عن الله بيقين. يستطيع العقل أنْ يعرف أنَّ الله موجود، لكنَّه لا يستطيع إدراك ذات الله (ولهذا رفض تولستوي بحزم الأحكام الكنسيَّة عن الله، وعن الثَّالوث الإلهيِّ، وخَلْقِه العالَم في سِتَّة أيّام، وخرافات الملائكة والشَّيطان، وسقوط الإنسان، والحَبَل بِلا دَنَس، وإلخ، مُعتبرًا إيَّاها جميعًا خرافات فجَّة وإيديولوجيا خطيرة جدًّا). فأيُّ قول ذي مضمون عن الله، حَتَّى القول بأنَّ الله واحد يناقض ذاته، لأنَّ مفهوم الله يعني بحكم التَّعريف ما لا يمكن تعريفه.
لقد كان مفهوم الله بالنِّسبة إلى تولستوي مفهومًا إنسانيًّا يجب عليه أنْ يتحمَّل اختبار محكمة التَّجربة والعقل البشريَّيْن، فهو يعبِّر عمَّا يمكننا نحن البشر أنْ نشعر به ونعرفه عن الله، وليس أبدًا عمَّا يفكِّر فيه الله عن النَّاس والعالَم. لَمْ يَكُنْ هناك شيء غامض في هذا المفهوم، كما يعقله تولستوي، سِوى أنَّه يُشير إلى الأساس الغيبيِّ للحياة والمعرفة. اللّٰه هو سبب المعرفة، لكنَّه ليس موضوعها بأيِّ حال: "بما أنَّ مفهوم اللّٰه لا يمكن أنْ يكون سِوى مفهوم مبدأ كُلِّ ما يدركه العقل، فمن الواضح أنَّ اللّٰه، كمبدأ لِكُلِّ شيء، لا يمكن أنْ يكون مُدرَكًا بالعقل. فقط بالسَّيْر على دروب التَّفكير العقلانيِّ، عند أقصى حدود العقل، يمكن العثور على اللّٰه، ولكن عند الوصول إلى هذا المفهوم، يتوقَّف العقل عن الإدراك" (23، 71). يقارن تولستوي معرفة اللّٰه بمعرفة لانهائيَّة الأعْداد. كِلاهُما (ويُضيف تولستوي إلى هذا النَّوع من المعرفة، معرفة النَّفْسِ) مُفترَضٌ قطعًا، لكنَّه لا يقبل التَّعريف: "إلى يقين معرفة العدد اللّامتناهي أصِلُ بالجمع؛ إلى يقين معرفة اللّٰه أصِلُ بسؤال: مِنْ أيْنَ أنا؟" (23، 132).
تفرض فكرة الله كحدٍّ للعقل وامتلاءٍ للحقيقة لا يُدرَك، طريقةً معيَّنة للوجود في العالَم، حين يكون الإنسان متوجِّهًا بوعي نحو هذا الحدِّ وهذا الامتلاء. هذه هي الحُرِّيَّة. الحُرِّيَّة - صفة إنسانيَّة خالصة وتعبير عن وسَطيَّة كينونته: "لن يكون الإنسان حُرًّا إذا كان لا يعرف أيَّ حقيقة، وكذلك لن يكون حُرًّا، بَلْ ولن تكون لديه حَتَّى فكرة عن الحُرِّيَّة، إذا كانت كُلُّ الحقيقة الَّتِي يجب أنْ توجِّهَه في الحياة مكشوفةً له مَرَّة واحدة وإلى الأبد، في كُلِّ نقائها من دون أنْ تشوبها الضَّلالات" (28، 281). فالحُرِّيَّة إنَّمَا تكمن في هذا الحركة مِنَ الظَّلام إلى النُّور، ومِنَ الأدنى إلى الأعلى، "ومِنَ الحقيقة الأكثر اختلاطًا بالضَّلالات إلى الحقيقة الأكثر تحرُّرًا منها" (28، 281). الحُرِّيَّة توجد كتحرير. يمكن تعريفها بأنَّها السَّعْيُ إلى الاقتداء بالحقيقة. الإنسان ليس حُرًّا في إتيان الأفعال، إذا كانت أسبابها معطاة. لنفترض أنَّ شخصًا ما يريد أنْ يصبح قويًّا جسديًّا أو أنْ يعرف كُلَّ شيء عن أتلانتس - مِنْ هذه الرَّغبات تنبع مجموعة محدَّدة تمامًا مِنَ الأفعال الموضوعيَّة البحتة. لكنَّ الإنسان يستطيع أنْ يختار أسباب أفعاله - تلك الحقائق الَّتِي تقوم في أساسها.
إنَّ الحُرَّيَّة ليست رديف التَّعسُّف والقدرة البسيطة على التَّصرُّف وفقًا للهوى والنَّزوة. هي دائمًا مرتبطة بالحقيقة. وَفْقًا لتصنيف تولستوي، هناك ثلاثة أنواع مِنَ الحقائق. أوَّلًا، الحقائق الَّتِي أصبحت بالفعل عادةً وطبيعةً ثانية للإنسان. ثانيًا، الحقائق الغامضة وغير الواضحة بشكلٍ كافٍ. الأُولى لم تعد حقائق تمامًا. الثَّانية ليست بعد حقائق تمامًا. كِلا النَّوعَيْن يُمثِّلان مجال الضَّرورة. وإلى جانبهما هناك صنف ثالث مِنَ الحقائق الَّتِي من ناحية، انكشفت للإنسان بوضوح بحيث لا يستطيع تجاوزها ويجب عليه تحديد علاقته بها، ومِنْ ناحية أُخرى، لم تصبح عنده عادةً آليَّةً ودافعًا لاواعيًا. تُجاه حقائق هذا النَّوع الثَّالث تتجلَّى حُرِّيَّة الإنسان. وهُنا، كِلا الجانبين مُهِمَّان - الحديث عن الحقيقة الواضحة، والحديث عن حقيقة أعلى مقارنةً بتلك الَّتِي تَمَّ استيعابها بالفعل في الممارسة الحياتيَّة. لا شيء يستطيع أنْ يمنع الإنسان من التَّصرُّف وَفْقًا لما يعتقده صحيحًا، لكنَّه لن يَعُدَّ أبدًا ما يتصرَّفه صحيحًا - في هذا تكمن حُرِّيَّته. الحُرِّيَّة هي القُوَّة الَّتِي تُتيح للإنسان السَّيْر في الطَّريق إلى الله، ليصبح "عامِلًا مبتهجًا في العمل الأبديِّ واللَّامتناهي" (28، 281). وأنْ يسير بنفسه من غير أنْ يُقاد، أنْ يسير بعينين مفتوحتين، متصرِّفًا بعقلانيَّة ومسؤوليَّة.
ولكن فيمَ يكمن هذا العمل وهذا الطَّريق، وما هي الواجبات المترتِّبة على الإنسان نتيجة انتمائه إلى الله؟ والحال أنَّ الاعتراف بالله كمبدأ ومصدر للحياة والعقل يضع الإنسان في علاقة محدَّدة تمامًا معه، يُشبِّهها تولستوي بعلاقة الابن بأبيه، والعامل بربِّ العمل. فالابن لا يستطيع الحكم على أبيه وفهم المعنى الكامل لتوجيهاته، بَلْ يجب عليه أنْ يمتثل لإرادة الأب، وكُلَّما ازداد طاعةً لإرادة والده ازداد إدراكًا لما تحمله من مَعانٍ مُفيدة له؛ الابن الصَّالح هو الابن المُحِبُّ، فهو لا يعمل كما يريد هو، بَلْ كما يريد الأب، وفي هذا، في تنفيذ إرادة الأب، يرى رسالته وخيره. وكذلك العامل، فهو عامل، لأنَّه يطيع ربَّ العمل وينفِّذ توجيهاته - إذ إنَّ ربَّ العمل وحده هو الَّذِي يعرف الغاية من عمله؛ فربُّ العمل لا يعطي معنى لجهد العامل فحسب، بَلْ إنَّه يُطعمه أيضًا؛ العامل الصَّالح هو الَّذِي يفهم أنَّ حياته وخيره يعتمدان على ربِّ العمل، ويعامله معاملة مفعمة بمشاعر التَّضحية والحُبِّ. يجب أنْ تكون علاقة الإنسان بالله مُماثِلة: الإنسان لا يعيش من أجْلِ نفسه، بَلْ من أجْلِ الله. هذا الفهم لمعنى الحياة الشَّخصيَّة وحده هو ما يتوافق مع الوضع الفعليِّ للإنسان في العالَم، وينبع من طبيعة ارتباطه بالله. فالعلاقة الطَّبيعيَّة والإنسانيَّة بين الإنسان والله هي علاقة حُبٍّ: "جوهر الحياة البشريَّة وأعلى قانون يجب أنْ يُوَجِّهها هو المَحَبَّة" (37، 166).
ولكن كيف نُحبُّ الله وماذا يعني أنْ نُحبَّ الله، إذا كُنّا لا نعرف ولا يمكننا أنْ نعرف عنه شيئًا سِوى أنَّه موجود؟
نعَم، أنا لا أعرف ما هو الله، ولا أعرف مقصده أو وصاياه. لكنَّني أعرف، أوَّلًا، أنَّ هناك أناسًا آخرين في العلاقة نفسها مع الله مثلي، وثانيًا، أنَّ في داخليِّ أصْلٌ إلهيٌّ، وهو الرُّوح الَّتِي جوهرها هو المَحَبَّة بالضَّبط. وإذا لم تكن هناك فرصة للإنسان للتَّواصل مباشرة مع الله وللنَّظر مباشرة إلى شمس الحياة المبهرة هذه، فيمكنه أنْ يفعل ذلك بشكل غير مباشر، من خلال العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين والعلاقة الصَّحيحة مع نفسه.
العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين تحدِّدها حقيقة أنَّهم أبناء ذلك الإله نفسه مثلي. إنَّهم إخوتي. ومن هنا تنبع ضرورة محبَّة النَّاس كإخوة وأبناء إنسانيّين، ومحبَّة الجميع من دون أيِّ انتقاص واستثناء، بِغَضِّ النَّظر عن أيِّ اختلافات دنيويَّة بينهم. فالجميع متساوون أمام اللّٰه. ومن منظار لانهائيَّتِه، تَفْقِدُ كُلُّ المسافات البشريَّة بين الغنى والفقر، بين الجمال والقُبح، بين الشَّباب والهرم، بين القُوِّة والضَّعف، وإلخ، معانيها كافَّةً. من الضَّروريِّ تقدير كرامة الأصل الإلهيِّ في كُلِّ إنسان. إنَّ المحبَّة للإنسان المفهومة على هذا النَّحو هي الأساس الوحيد الممكن لوحدة النَّاس. "مملكة الله على الأرض هي سلام جميع النَّاس فيما بينهم" (23، 370)، والحياة السِّلميَّة العقلانيَّة والمتناغمة ممكنة فقط عندما يرتبط النَّاس بفهم واحد لمعنى الحياة وبإيمان واحد. تلك الرَّابطة الأوَّليَّة غير المشروطة، الموجودة قبل وخارج أيِّ اختلافات والَّتِي يمكن أنْ تكون أساسًا لوحدتهم هي الرَّابطة الَّتِي تحدِّدها علاقتهم بالله. "كُلُّ النَّاس يعيشون بالرُّوح نفسها، لكنَّهم جميعًا منفصلون في هذه الحياة بأجسادهم. وإنْ فَهِم النَّاس هذا، فإنَّهم سيسعون إلى الاتِّحاد بعضهم مع بعض بالمَحَبَّـة" (37، 231).
أمَّا العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات فيمكن تعريفها باختصار على أنَّها العناية بخلاص النَّفْسِ عَبْرَ السَّعي في طلب الكمال: "لا توجد في نفْسِ الإنسان قواعد معتدلة للعدالة والإحسان، بَلْ مثال الكمال الإلهيِّ الكامل واللَّامُتناهي. وحْدَهُ السَّعي نحو هذا الكمال هو ما يُحَوِّل اتّجاه حياة الإنسان من الحالة الحيوانيَّة إلى الحالة الإلهيَّة بقدر ما هو ممكن في هذه الحياة" (28، 79). ومن هذا المنظار، لا تهُمُّ الحالة الفعليَّة للفرد، لأنَّه وبصرف النَّظر عن مستوى التَّطوُّر الرُّوحيِّ الَّذِي يبلُغُه، يظلُّ هذا المستوى ضحلًا بالمقارنة مع كمال المثال الإلهيِّ المُحال بلوغه. وأيًّا تكن النُّقطة المرجعيَّة الَّتِي نتَّخذها، فإنَّ المسافة منها إلى اللَّاتناهي ستكون غير متناهية. لذلك، فإنَّ مؤشِّر علاقة الإنسان الصَّحيحة مع ذاته هو السَّعْيُ نحو الكمال، وهي الحركة نفسها من الذَّات إلى الله. علاوة على ذلك، "الإنسان الواقف على الدَّرجة الدُّنيا، وهو يتقدَّم نحو الكمال، يعيش حياة أكثر أخلاقيَّة، وأفضل، ويُنفِّذ التَّعاليم أكثر من إنسان واقف على درجة أخلاقيَّة أعلى بكثير، لكنَّه لا يتقدَّم نحو الكمال" (28، 79). بهذا المعنى، يكون الابن الضَّال الَّذِي عاد إلى البيت أعزَّ على الأب من الابن الَّذِي لم يغادره. الوعي بدرجة عدم المطابقة مع الكمال المثاليِّ - هذا هو معيار العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات. بما أنَّ هذه الدَّرجة من عدم المُطابقة هي دائمًا لامتناهيَّة في الواقع، فإنَّ الإنسان يكون أكثر أخلاقيَّة كُلَّما أدرَك عدم كماله بشكل تامٍّ.
إذا ما أخذنا هذَيْنِ البُعْدَيْن للعلاقة مع الله - العلاقة مع الآخرين والعلاقة مع الذَّات - فإنَّ العلاقة مع الذَّات، من وجهة نظر تولستوي، هي العلاقة الأساسيَّة والتَّأسيسيَّة. فالعلاقة الأخلاقيَّة مع الذَّات تضمن تلقائيًّا، على وجه التَّقريب، العلاقة الأخلاقيَّة مع الآخرين. فالإنسان الَّذِي يُدرِك كم هو بعيد بلا حدود من المثال، هو الإنسان المتحرِّر من الخرافة الأخطر، وهي الاعتقاد بأنَّه يستطيع ترتيب حياة الآخرين. لذلك، سيسعى دائمًا إلى أنْ تكون علاقته بالآخرين علاقة الخادم، لا السَّيِّد: "لا أستطيع أنْ أُريد، أو أنْ أفكِّر، أو أنْ أؤمِن نيابة عن الآخر. أرفع حياتي، وهذا وحده يمكن أنْ يرفع حياة الآخر، والآخر هو أنا. هكذا، إذا رَفَعْتُ نفسي، أرفع الجميع. "أنا فيهم وهُمْ فِيَّ" (23، 302). إنَّ مضاعفة يقينية المحبَّة الَّتِي يجدها كُلُّ إنسان في نفسه الخاصَّة، إنَّمَا تتمثَّل في التَّوجُّه نحو الكمال الإلهيِّ اللَّامتناهي، وليس نحو النَّجاح الخارجيِّ ومديح النَّاس. بكلمة واحدة، عناية الإنسان بصفاء نفسه الخاصَّة هي أساس ومصدر واجباته الأخلاقيَّة تُجاه الآخرين وتُجاه الأُسرة والدَّولة،،، وإلخ. المَحَبَّة هي الخير.
إنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف مجتمعة عن معنى الحياة، هي مفاهيم حدوديَّة. إنَّها تربط الوجود البشريَّ المتناهي بلانهائيَّة العالَم. ومن هُنا تأتي مكانتها المعرفيَّة والتَّنظيميَّة المميَّزة.
والحال، على ما يرى تولستوي: "أنَّنا نُخضِع للبحث المنطقيِّ كُلَّ هذه المفاهيم - مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير- الَّتِي يُساوَى فيها المتناهي باللّامتناهي ويُستخلص منها معنى الحياة. وهذه المفاهيم لا تحتمل نقد العقل" (23، 36). إنَّها تذهب بمحتواها إلى بُعْدٍ لا يمكن للعقل سِوى الإشارة إليه، لكنَّه لا يستطيع إدراكه. وهي تُعطَى للفرد بشكل مباشر ("مطبوعة" في قلبه)، والعقل لا يُؤسِّس هذه المفاهيم بقدر ما يُوضِّحها. وحده الإنسان الطَّيِّب يستطيع أنْ يفهم ما هو الخير. لكي يُدرك العقل معنى الحياة، يجب أنْ تكون حياة صاحب العقل ذات معنى. إذا لم يكن الأمر كذلك، أيْ إذا كانت الحياة بلا معنى، فإنَّ العقل لا يملك موضوعًا للنَّظر، وفي أفضل الأحوال، يمكنه الإشارة إلى انتفاء هذا الموضوع.
والحقُّ أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير لا تمنح الحياة معنًى، بَلْ تُعبِّر عنه. إنَّها أشكال للوعي الوجوديِّ ووعي الحياة؛ وغايتها عمليَّة وأخلاقيَّة. غَيْرَ أنَّ السُّؤال يطرح نفسه: "إذا كان لا يمكن معرفة ما هو اللَّامتناهي، وبالتَّالي، الله والحُرِّيَّة والخير، فكيف يمكن للمرء أنْ يكون لامتناهيًّا وإلهيًّا وحُرًّا وطيِّبًا؟" إذ إنَّ مَهمَّة ربط المتناهي باللَّامتناهي، من النَّاحية العمليَّة كما من النَّاحية النَّظريَّة، لا تملك حلًّا إيجابيًّا. فاللَّامتناهي هو كذلك، لأنَّه لا يمكن تعريفه نظريًّا ولا إعادة إنتاجه عمليًّا. يتحدَّث ل.ن. تولستوي في خاتمة "السوناتا الكرويتزرية" عن أسلوبين للتَّوجيه في الطَّريق: ففي الحالة الأُولَى، يمكن للأشياء الملموسة الَّتِي يجب أنْ تظهر تباعًا في الطَّريق أنْ تكون منارات للاتِّجاه الصَّحيح، أما في الحالة الثَّانية فيتمُّ التَّحقُّق من صِحَّة الطَّريق بواسطة البوصلة. وبالمِثْل، توجد طريقتان مختلفتان للإرشاد الأخلاقيِّ: تتمثَّل الأُولى في تقديم وصف دقيق للأفعال الَّتِي يجب على الإنسان القيام بها أو تجنُّبها (مثل احترام السَّبْت، لا تسرق، وإلخ)، وتتمثَّل الثَّانية في اعتبار كمال المثال الأعلى الَّذِي لا يُدرَك بمكانة المرشد للإنسان الباحث عن الأخلاق. وكما أنَّه لا يمكن بالبوصلة سِوى تحديد درجة الانحراف عن الاتِّجاه، فكذلك لا يمكن للمثال الأعلى أنْ يكون سِوى نقطة مرجعيَّة لعدم كمال الإنسان. ذلك أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف المعنى اللَّامتناهي لحياتنا المحدودة، هي نفسها ذلك المثال الأعلى الَّذِي تتمثَّل غايته العمليَّة في أنْ يكون تأنيبًا للإنسان، ينبِّهه إلى ما لا يكونه. فالإنسان الَّذِي يسترشد بالمثال الأخلاقيِّ لا يلاحظ المسار الَّذِي تركه خلفه، لأنَّه ومهما يكن الشَّوط الَّذِي قطعه كبيرًا، فهو يبقى بالمقارنة مع ما ينتظره في الأمام، كمِّيَّة متناهية في الصِّغر. الإنسان الأخلاقيُّ والخيِّرُ مندفع ومتوثِّب كُلِّيًّا إلى الأمام، نحو المثال الأعلى، وفي هذا الاندفاع تكمن أخلاقيَّته وطيبته. وبما أنَّ أمامه ما لانهاية له، فهو لا يستطيع أنْ يُدرِك واجباته الأخلاقيَّة تُجاه هذا اللَّامتناهي إلَّا في صورة سالبة. فليس في وسع الإنسان أنْ يتطابق مع المثال الأعلى، وكُلَّما كان أفضل، قَلَّ توافقه معه. إنَّ عدم التَّطابق مع المثال الأعلى وعدم الكمال – هُما قدر الإنسان.
يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ جوهر المثال الأخلاقيِّ وخصوصيَّة دوره في حياة الإنسان قد تَمَّ التَّعبير عنهما بأكمل صورة في تعاليم يسوع المسيح. وفي هذا السِّياق تجدر الإشارة إلى أنَّ يسوع المسيح، في رأي تولستوي، ليس إلهًا أو ابن إله: "فَمَنْ يُؤْمِن بالله، لا يمكن أنْ يكون المسيح إلهًا بالنِّسبة إليه" (23، 174)؛ بَلْ يَعُدَّه مُصْلِحًا اجتماعيًّا وروحيًّا عظيمًا يُحَطِّم الأُسُس القديمة للحياة ويُرسي أُسُسًا جديدة لها. كما يرى تولستوي فرقًا جوهريًّا بين وجهات نظر يسوع الحقيقيَّة الواردة في الأناجيل وتحريفها في عقائد الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة وغيرها من الكنائس المسيحيَّة الأُخرى. فكُلُّ تعاليم يسوع المسيح، في نظر تولستوي، هي ميتافيزيقا المَحَبَّة وأخلاقيَّاتها.
والحقُّ أنَّ تولستوي لم يحصر أخلاقيَّات المَحَبَّة في المسيحيَّة وحدها: "إنَّ الفكرة القائلة بأنَّ المَحَبَّة شرط ضروريٌّ ومفيد للحياة الإنسانيَّة كانت فكرةً معروفة ومُعْتَرَفًا بها في جميع التَّعاليم الدِّينيَّة القديمة. ففي جميع تعاليم حكماء المصريّين والبراهمة والرُّواقيّين والبوذيّين والطَّاويّين وغيرهم، عُدَّت المَوَدَّة والرَّأفة والرَّحمة والإحسان، وباختصار المَحَبَّة، من الفضائل الرَّئيسة" (37، 166). ومع ذلك، فإنَّ المسيح وحده هو الَّذِي رفع المَحَبَّة إلى مستوى القانون الأساسيِّ والأعلى للحياة، وقدَّم لها تسويغًا ميتافيزيقيًا مُناسِبًا، جوهره أنَّ المَحَبَّة هي الَّتِي تكشف عن المبدأ الإلهيِّ في الإنسان: "الله مَحَبَّة، ومن يثبُت في المَحَبَّة يثبُت في اللهِ واللهُ فيه" رسالة يوحنا الأُولى (4: 16).
إنَّ المَحَبَّة باعتبارها القانون الأعلى والأساسيَّ للحياة هي القانون الأخلاقيُّ الوحيد. فقانون المَحَبَّة بالنِّسبة إلى العالَم الأخلاقيِّ إلزامِيٌّ ومُطْلَق، تمامًا كإلزاميَّة قانون الجاذبيَّة للعالَم المادِّيِّ. كِلا القانونين لا يعرفان أيَّ استثناءات. لا يمكننا أنْ نُسْقِط حجرًا من يدنا من دون أنْ يَسْقُط على الأرض، وكذلك لا يمكننا أنْ نحيد عن قانون المَحَبَّة من دون أنْ نَتَرَدَّى في الفساد الأخلاقيِّ. قانون المَحَبَّة ليس وَصِيَّة، بَلْ هو تعبير عن جوهر المسيحيَّة نفسه. إنَّه المثال الأبديُّ الَّذِي سيسعى النَّاس نحوه بلا نهاية. لم يقتصر يسوع المسيح على إعلان المثال الَّذِي، كما ذُكر أعلاه، قد تَمَّت صياغته قبله، لا سِيَّما في العهد القديم. فإلى جانب ذلك، قدَّم وصايا.
في تفسير تولستوي، هناك خمس وصايا من هذا القبيل. وقد تَمَّتْ صياغتها، بحَسَبِ إنجيل مَتّى (5: 21-48)، في ذلك الجزء من الموعظة على الجبل الَّذِي جاء فيه: "قيل لَكُمْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ"، أيْ أنَّ هناك جدالًا مباشرًا مع القانون القديم (يُحسب المرجعان عن الزِّنا كواحد). بهذه الوصايا يُلغي يسوع قانون موسى ويعلن تعاليمه. وهي كالآتي:
1. لا تَغْضَبْ: "سمِعْتُمْ أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَقْتُلْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يغضب على أخيه باطلًا يكون مُسْتَوْجِب الحُكم".
2. لا تترك زوجتك: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَزْنِ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: مَنْ يُطلِّق امرأته إلَّا لعِلَّة الزِّنا يجعلها تزني".
3. لا تَحْلِفْ أبدًا بأيِّ شيء أو لأيِّ أحد: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تحنث بيمينك... أمّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تحلِفوا البَتَّةَ".
4. لا تقاوم الشَّرَّ بالقُوَّةِ: "سمعتم أنَّه قيل: عَيْنٌ بعَيْنٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تقاوموا الشَّرَّ".
5. لا تحسب أبناء الشُّعوب الأُخرى أعداءً لك: "سمعتم أنَّه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوَّك. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءكم".
وصايا المسيح "كُلُّها ناهية سالبة وتُظهر فقط ما يمكن للنَّاس عند مستوى معيَّن من تطوُّرهم أنْ يكفُّوا عن فِعْلِه. هذه الوصايا هي بمنزلة علامات على الطَّريق اللامتناهيِّ نحو الكمال..." (28، 80).
لا يمكن لهذه الوصايا إلَّا أنْ تكون سالبة، لأنَّ الأمر يتعلَّق بإدراك درجة عدم الكمال. وللسبب نفسه، لا يمكنها أنْ تستنفد جوهر التَّعاليم المتطابق مع قانون المَحَبَّة. إنَّها ليست سِوى درجة وخطوة على طريق الكمال. لكنَّها الدَّرجة التَّالية الَّتِي يجب على الإنسان والبشريَّة الصُّعود إليها، وهي الخطوة القريبة الَّتِي يجب عليهم اتِّخاذها في جهودهم الأخلاقيَّة. تُشَكِّلُ هذه الوصايا مجتمعةً حقائق لا شكَّ في صِحَّتها كحقائق، لكنَّها لم تُستوعب بعد عمليًّا، أيْ أنَّها حقائق تتجلَّى تُجاهها حُرِّيَّة الإنسان المعاصر. بالنِّسبة إلى أزمنة العهد القديم، لم تكن هذه الحقائق قد اتَّضحت بِكُلِّ وضوحها وجلائها بعد، أمَّا بالنِّسبة إلى بشر عصور ما بعد المسيحيَّة المقبلة، فمن المفترض أنْ تصبح سُلوكِيّات معتادة وآليَّة تمامًا. أمَّا بالنِّسبة إلى الإنسان المعاصر، إنسان العصر المسيحيِّ الَّذِي دام ألْفَيْ عام، فقد أصبحت هذه الوصايا حقائق، لكنَّها لم تتحوَّل بَعْدُ إلى عادةٍ يوميَّة. صار الإنسان يجرؤ على التَّفكير بهذه الطَّريقة، لكنَّه لم يصبح بَعْدُ قادرًا على التَّصرُّف وَفْقًا لها. لذلك، فإنَّ هذه الحقائق الَّتِي أعلنها يسوع المسيح تُمَثِّلُ اختبارًا لِحُرِّيَّة الإنسان.
اللَّاعُنْف كَتَجَلٍّ لقانون المَحَبَّة
يرى تولستوي أنَّ وَصِيَّة "لا تقاوموا الشَّرَّ" تحتلُّ مركز الصَّدارة في الموعظة على الجبل، فهي الَّتِي تحظِّر العنف. فإدراكُ جوهر التَّعاليم الإنجيليَّة يَكْمُنُ في هذه الكلمات الثَّلاث البسيطة الَّتِي أعادت إلى تولستوي، ذاتَ يوم، معنى الحياة الَّذِي فقده، وأخْرَجَتْهُ، في الوقت نفسه، من مأزقه الفكريِّ. لقد أجاز القانون القديم- الَّذِي كان يدين الشَّرَّ والعنف بشكل عامٍّ- استخدامهما في حالات معيَّنة من أجل الخير – كقصاص عادل وَفْقًا لصيغة "العَيْن بالعَيْن". لكن يسوع المسيح ينسخ هذا القانون ويُلْغيه. فهو يرى أنَّ العنف لا يمكن أنْ يكون خيرًا أبدًا، ولا في أيِّ ظرف من الظُّروف، ولا يجوز اللُّجوء إلى العنف حَتَّى عندما يُضرب الإنسان ويُهان عملًا بقاعدة: "مَنْ لَطَمَكَ على خدِّك الأيمن فَحَوِّلْ له الآخر أيضًا" (إنجيل مَتّى 5: 39). إنَّ حظر العنف والنَّهي عنه هو حظر مطلق. ليس فقط على الخير أنْ يُجاب بالخير، بَلْ على الشَّرِّ أيضًا أنْ يُجاب بالخير. إنَّ كلمات يسوع المسيح عن اللَّاعنف وعدم مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّة، عندما تُفهم بهذا المعنى المباشر والحرفيّ، هي علامة على الاتِّجاه الصَّحيح، وهي العُلُوُّ العظيم الَّذِي يقف أمامه الإنسان المعاصر في طريقه اللّامتناهي إلى الارتقاء الأخلاقيِّ. لماذا اللَّاعُنْف بالذَّات؟
العنف مضادٌّ للمحبَّة. لدى تولستوي، على الأقَلِّ، ثلاثة تعريفات متشابكة فيما بينها للعنف: أوَّلًا: يُعرِّف العنف بأنَّه القتل أو التَّهديد بالقتل. تنشأ الحاجة إلى استخدام الحِراب والسُّجون والمشانق وغيرها من وسائل الإيذاء الجسديِّ عندما تكون المَهمَّة هي إجبار الإنسان على شيء ما من الخارج؛ ثانيًا: يُؤدِّي هذا إلى التَّعريف الثَّاني للعنف بأنَّه تأثير خارجيٌّ. وتظهر الحاجة إلى التَّأثير الخارجيِّ بدورها عندما لا يكون هناك توافق داخليّ بين النَّاس؛ ثالثًا: وهكذا نَصِلُ إلى التَّعريف الثَّالث والأهَمِّ للعنف: "أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل ما لا يريده الشَّخص الَّذِي يُمارَسُ العنف ضِدّه" (28، 190-191). بهذا الفَهْمِ، يتطابق العنف مع الشَّرِّ، وهو خلاف المَحَبَّة وعكسها تمامًا. أنْ تُحِبَّ يعني أنْ تفعل كما يريد الآخر، أنْ تُخضِع إرادتك لإرادة الآخر. أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل كما أُريد أنا، أنْ أُخضِع الإرادة الأُخرى لإرادتي. فالمقام المركزيُّ الَّذِي تحتلها وَصِيَّة اللَّاعنف وعدم المقاومة يرتبط بحقيقة أنَّها ترسم حدود مملكة الشَّرِّ والظَّلام، وتُطْبِق الباب على هذه المملكة. بهذا المعنى، فإنَّ وَصِيَّة عدم المقاومة هي الوجه الآخر لقانون المَحَبَّة: "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا، أيْ لا تستخدم العنف أبدًا، أيْ لا تَقُمْ بأيِّ فعلٍ يكون دائمًا مضادًّا للمَحَبَّة" (23، 313).
اللَّاعنف أكثر من مُجرَّد رفض لقانون العنف. فهو يحمل أيضًا معنًى أخلاقيًّا إيجابيًّا يتمثَّل في: "اعتبار حياة كُلِّ إنسان مقدَّسة هو الأساس الأوَّل والوحيد لِكُلِّ أخلاق" (28، 246). إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ يعني بالضَّبط الاعتراف بالقدسيَّة الأصليَّة غير المشروطة للحياة البشريَّة. ليست حياة الإنسان مقدَّسة بجسده الفاني، بَلْ بروحه الخالدة. إنَّ رَفْضَ العنف ينقل الصِّراع إلى المجال الوحيد، مجال الرُّوح، حيث يمكنه فقط أنْ يجد حلًّا بنَّاءً – أيْ أنْ يتمَّ تجاوزه بالتَّوافق المتبادل.
عدم المقاومة لا ينقل الصَّراع إلى مجال الرُّوح فحسب، بَلْ وبشكل أضْيَق – إلى أعماق روح الشَّخص الَّذِي يتبنَّى مبدأ عدم المقاومة نفسه. ليس من قبيل المُصادَفة أنْ يحمل العمل الأساسيُّ لتولستوي الَّذِي يُوَضِّح مفهومه للعنف، عنوان "مملكة الله داخِلَكُمْ". من خلال عدم المقاومة، يعترف الإنسان بأنَّ مسائل الحياة والموت تقع خارج نطاق اختصاصه، فهي من شأن السَّيِّد، لا العامل، ويتخلَّى، في الوقت نفسه، تمامًا عن فكرة أنْ يكون حَكَمًا على الآخر. لم يُمنح الإنسان أنْ يَحْكُمَ على إنسان. وليس فقط، لأنَّه ناقص دائمًا، بَلْ لأنَّه ببساطة يفتقر إلى هذه القدرة، تمامًا كما يفتقر إلى القدرة على الطَّيران مثلًا. وفي تلك الحالات الَّتِي يبدو فيها أنَّنا نحكم على الآخرين، ونطلق على بعضهم صِفَة الخير وعلى بعضهم الآخر صِفَة الشَّرِّ، فإنَّنا إمَّا نخدع أنفسنا والآخرين وإمَّا في أفضل الأحوال نكشف عن عدم نُضْجِنا الأخلاقيِّ، كمثل الأطفال الصِّغار الَّذِين يجرون في الغرفة وهم يلوِّحون بأيديهم معتقدين أنَّهم يطيرون في الهواء. النَّفس هي الَّتِي تشرِّع لذاتها. ويعني هذا أنَّ سُلطة الإنسان تقتصر على نفسه فقط: "كُلُّ ما ليس نَفْسَكَ، فليس من شأنك" (23، 303)، على ما يقول تولستوي. إنَّ أخلاقيَّات عدم المقاومة هي، في حقيقتها، المطلب الَّذِي يقضي بأنْ يكون كُلُّ شخص مُلْزَمًا بالاهتمام بخلاص نَفْسِه الخاصَّة. عندما نطلق على شخص ما اسم مُجْرم ونُخْضِعه للعنف، فإنَّنا نسلبه هذا الحقَّ الإنسانيَّ؛ وكأنَّنا نقول له: "أنت غير قادر على الاهتمام بنفسك، نحن سنعتني بها". وبذلك نخدعه ونخدع أنفسنا. يمكن للمرء أنْ يسيطر على جسد الآخر، لكِنْ لا يمكن ولا ينبغي له أنْ يسيطر على روح الآخر. وبامتناعه عن مقاومة الشَّرِّ بالعنف، يعترف الإنسان بهذه الحقيقة؛ إنَّه يرفض أنْ يحكم على الآخر، لأنَّه لا يَعُدُّ نفسه أفضل منه. ليس النَّاس الآخرين هُمُ الَّذِين يجب إصلاحهم، بَلْ الذَّات نفسها. إنَّ عدم المقاومة يحوِّل النَّشاط البشريَّ إلى خُطَّة للتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للذَّات.
يُؤدِّي الإنسان دوره الحقيقيَّ فقط عندما يُحارِب الشَّرَّ في نفسه. أمَّا عندما يضع أمامه مَهمَّة محاربة الشَّرِّ في الآخرين، فإنَّه يقتحم منطقةً لا سلطان له عليها. غالبًا ما يكون العنف مجهولًا: يضع الجلَّادون أقنعة. فالأشخاص الَّذِين يرتكبون العنف عادةً ما يخفون ذلك. وهُمْ يخفونه عن الآخرين وعن أنفسهم. وهذا ينطبق بشكل خاصٍّ على العنف الحكوميِّ الَّذِي يجري تنظيمه بحيث "لا يرى الأشخاص الَّذِين يرتكبون أفظع الأفعال أيَّ مسؤوليَّة عنها... طَلَبَ بعضهم، وقرَّر آخرون، وأكَّد ثالثون، واقترح رابعون، وأبلغ خامسون، وأوصى سادسون، ونفَّذ سابعون" (28، 250-251). ولا أحد مذنب. إنَّ تمييع المسؤوليَّة في مثل هذه الحالات ليس مُجرَّد نتيجة لمحاولة متعمَّدة لإخفاء الأدلَّة. إنَّه يعكس روح المسألة نفسها: فالعنف، موضوعيًّا، هو مجال للسُّلوك اللَّاحُرِّ واللَّامسؤول. فمن خلال نظامٍ معقَّدٍ من الالتزامات الخارجيَّة، يجد النَّاس أنفسهم شركاء في جرائم لم يكن أيُّ منهم ليرتكبها لو أنَّ هذه الجرائم كانت تعتمد فقط على إرادته الفرديَّة: "فلا جِنِرالَ ولا جُنْدِيَّ، من دون انضباط وقَسَمٍ وحربٍ، ليس فقط لن يقتل مئات الأتراك أو الألمان ويُخرِّب قُراهم، بَلْ ولن يجرؤ حَتَّى على إيذاء إنسان واحد. كُلُّ هذا يحدث فقط بفضل تلك الآلة الحكوميَّة والاجتماعيَّة المعقَّدة الَّتِي تتمثَّل مَهمَّتها في تمييع مسؤوليَّة الفظائع المرتكبة بحيث لا يشعر أحد بالطَّابع اللَّاسَوِيِّ لهذه الأفعال" (23، 332). إنَّ ما يميِّز عدم المقاومة من العنف هو أنَّه مجال للسُّلوك الفرديِّ المسؤول. إنَّه عمل إبداعيٌّ بحت يحمل بصمة صاحبه. ومهما كانت محاربة الشَّرِّ في النَّفْسِ صعبة، فإنَّها تعتمد فقط على الإنسان وحده. لا توجد قوى يمكنها أنْ تعيق شخصًا عقد العزم على عدم المقاومة. إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ الَّذِي يتحوَّل إلى اكتمال ذاتيِّ داخليِّ، أو بعبارة أُخرى، إنَّ التَّطوير الدَّاخليَّ للذَّات الَّذِي يتحقَّق في عدم مقاومة الشَّرِّ، هو مِحَكُّ اختبار حُرِّيَّة الإنسان المُعاصِر.
لِكُلِّ قتل، مهما كانت سلسلة أسبابه معقَّدة ومخفيَّة، حلقة أخيرة – يجب على شخص ما أنْ يطلق النَّار ويضغط على الزِّناد، وإلخ. فالإعدام لا يحتاج فقط إلى قوانين مُناسِبة وقضاة،،، وما شابه، إنَّمَا يحتاج أيضًا إلى جلَّادٍ. إنَّ الدَّرب الأكثر ضمانًا وأمنًا وفعاليَّة لإزالة العنف من العلاقات البشريَّة، في رأي تولستوي، هو أنْ نبدأ من هذه الحلقة الأخيرة. إنْ لم يكن هناك جلَّادٌ، فلن يكون هناك إعدام. فليكن هناك دساتير وقضاة وأحكام وكُلُّ شيء آخر، ولكِنْ إذا لم يرغب أحد في أنْ يصبح جلَّادًا، فلن يكون هناك من ينفِّذ حكم الإعدام بصرف النَّظر عن مدى شرعيَّته. هذا المنطق لا يمكن دحضه. بالطَّبع، كان تولستوي يعلم أنَّ هناك دائمًا متطوعين لدور الجلَّاد. لقد وصف حالات تنافَسَ فيها النَّاس للفوز بهذا المنصب المربح بطريقته. لكنَّه عرف أيضًا شيئًا آخر: لا يمكن لأحد أنْ يمنع الإنسان من أنْ يصبح جلَّادًا إلَّا نفسه. إنَّ فكرة عدم المقاومة تكون مضمونة وفعَّالة فقط عندما ينظر الإنسان إليها كتجسيد ملموس لكرامته الأخلاقيَّة والإنسانيَّة، عندما يقول لنفسه: "لن أُصبح جلَّادًا أبدًا وفي أيِّ ظرف. أوثِر أنْ أموت أنا نفسي على أنْ أقتل شخصًا آخر".
يرى الوعي السَّاذج في مماهاة السِّيادة الأخلاقيَّة للشَّخصيَّة بعدم المقاومة موقفًا يتناقض مع سعي البشر إلى تحصيل السَّعادة. يناقش تولستوي بالتَّفصيل الحُجج الشَّائعة ضِدَّ عَدَمِ المُقَاوَمَة. ثلاث منها هي الأكثر انتشارًا:
الحُجَّة الأُولى هي أنَّ تعاليم المسيح رائعة ونبيلة، لكنَّها صعبة التَّنفيذ. ردًّا على ذلك، يسأل تولستوي: هل الاستيلاء على الممتلكات والدِّفاع عنها سهلًا؟ وهل حرث الأرض وتربية الأطفال يخلوان من المشقَّات والصُّعوبات؟ في الواقع، الأمر لا يتعلَّق بصعوبة التَّنفيذ، بَلْ بإيمان زائف مُفاده أنَّ إصلاح الحياة البشريَّة لا يعتمد على النَّاس أنفسهم وعقلهم وضميرهم بقدر ما يعتمد على المسيح الآتي على سَحَابِ السَّماء مصحوبًا بِبُوق عظيم الصَّوْتِ أو على قانون تاريخيٍّ. لكن"من صفات الطَّبيعة الإنسانيَّة فعل ما هو أفضل" (23، 372). لا توجد جبريَّة موضوعيَّة للوجود البشريِّ، بَلْ هناك أُناس يتَّخذون القرارات. لذا، فإنَّ القول عن التَّعاليم الَّتِي تتعلَّق بالاختيار البشريِّ، وتتعلَّق بعزيمة الرُّوح وليس بالقدرات الجسديَّة، بأنَّها جيِّدة للنَّاس، ولكنَّها غير قابلة للتَّطبيق – هو قول يناقض نفسه.
الحُجَّة الثَّانية هي أنَّه "لا يمكن لشخصٍ واحدٍ أنْ يسير ضِدَّ العالَم كُلِّهِ" (23، 385). ماذا لو، على سبيل المثال، كنت أنا الوحيد الوديع الَّذِي يعيش على هُدى التَّعاليم، وأُعطي الخدَّ الآخر، وأرفض أداء اليَمين، وإلخ، بينما يستمرُّ الآخرون في العيش وَفْقًا للقوانين القديمة، عندها سيتمُّ ازدرائي وضربي وقتلي رميًا بالرصاص، وسأهدر حياتي من دون جدوى. تعاليم المسيح هي طريق الخلاص وطريق الحياة المبارَكة لمن يتَّبعها. لذلك، فإنَّ الشَّخص الَّذِي يقول إنَّه سيكون سعيدًا باتِّباع هذه التَّعاليم، لكنَّه يخشى أنْ يهدر حياته، فإنَّه، على الأقَلِّ، لا يفهم ما يجري الحديث عنه. هذا يشبه شخصًا غريقًا رُمِيَ له حَبْل الإنقاذ، فأبى استخدامه متذرِّعًا بالقول إنَّه كان يودُّ استخدام الحَبْل بِكُلِّ سرور، لكنَّه يخشى ألَّا يفعل الآخرون الشَّيء نفسه.
الحُجَّة الثَّالثة هي امتداد للحُجَّتين السَّابقتين، وتشكِّك في إمكانية تطبيق تعاليم المسيح، لأنَّها محفوفة بمعاناة كبيرة. على وجه العموم، لا حياة بشريَّة تعرى في الأصل من معاناة، ولا يمكن أنْ تكون خالية من الآلام. والسُّؤال كُلُّه هو: متى تكون هذه المعاناة أكبر؟ عندما يعيش الإنسان بِاسْمِ الله أم عندما يعيش بِاسْمِ العالَم؟ إجابة تولستوي واضحة لا لَبْسَ فيها: عندما يعيش بِاسْمِ العالَم. إذا ما نظرنا إلى الحياة من منظار الفقر والثَّروة، والمرض والصِّحَّة، وحتميَّة الموت، فإنَّ حياة المسيحيِّ ليست أفضل من حياة الوثنيِّ، لكنَّها تتفوَّق على الأخيرة من جهة كونها لا تُستنفَد بالكامل في الانشغال التَّافه بالتَّأمين الوهميِّ للحياة، وفي السَّعي وراء سراب السُّلطة والثَّروة والصِّحَّة. والحال أنَّ أتباع تعاليم المسيح أقلُّ شقاءً، لسبب بسيط: لأنَّهم متحرِّرون من المعاناة المرتبطة بالحسد وخيبات الأمل من الفشل في الصِّراع والمزاحمة. فالتَّجربة، على ما يقول تولستوي، تؤكِّد أيضًا أنَّ النَّاس يعانون، بصورة رئيسة، ليس بسبب تسامُحِهم المسيحيِّ، بَلْ بسبب أنانيَّتهم الدُّنيويَّة. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "في حياتي السَّعيدة جدًّا، بالمعنى الدُّنيويِّ، يمكنني أنْ أجمع من المعاناة الَّتِي كَابَدْتُها بِاسْمِ تعاليم العالَم ما قد يَفُوقُ معاناة شهادةٍ مجيدةٍ بِاسْمِ المسيح" (23، 416). تعاليم المسيح ليست أكثر أخلاقيَّة فحسب، بَلْ هي أيضًا أكثر حكمة وتعقُّلًا. إنَّها تُجنِّب النَّاس ارتكاب الحماقات.
وهكذا، فإنَّ الحُجج السَّاذجة ضِدّ أخلاقيَّات اللَّامُقاوَمَة ليست أكثر من مجرَّد مسبقات وترَّهات. يسعى النَّاس بواسطتها إلى خداع أنفسهم واختلاق تبريرات لنمط حياتهم اللَّاأخلاقيِّ المدمِّر، والتَّهرُّب من المسؤوليَّة الشَّخصيَّة عن كيفيَّة عيشهم.
قد يبدو التَّركيز على خلاص النَّفْسِ الخاصَّة للوهلة الأُولى شكلًا من أشكال الأنانيَّة المنمَّقة. لكِنْ هذا ليس صحيحًا في الواقع. فماهيَّة النَّفس هي المَحَبَّة. وطريق اللّامقاومة هو طريق الإنسان إلى ذاته، ليس بمعنى العزلة عن الآخرين أو اللَّامبالاة بهم. إنَّه الطَّريق إلى ذلك الإلهيِّ الموجود في النَّفْسِ، وبالتَّالي، هو ذلك الطَّريق إلى الذَّات الَّذِي يربط الإنسان بالآخرين، بالأبناء البشريّين مثله تمامًا. فالسُّؤال الَّذِي يُقلق تولستوي هو: "كيف يمكن حلَّ النِّزاعات بين النَّاس، عندما يحسب بعضهم شرًّا ما يراه الآخرون خيرًا، وبالعكس؟" (28، 38). الإجابة المعهودة منذ آلاف السِّنين هي: يجب على الأخيار أنْ يحكموا الأشرار. ولكِنْ، كيف نعرف أنَّ الأخيار هم من يحكمون وليس الأشرار؟ فطبقًا لشروط المسألة، ليس لدينا معيارٌ مُجْمَعٌ عليه ومشترك للشَّرِّ. فالأخيار بصفتهم أخيارًا بالذَّات لا يمكنهم أنْ يحكموا. فقد سبق لقابيل أنْ قتل هابيل. ولم يَكُنْ في الإمكان أنْ يحدُثَ الأمر بشكل مختلف. "قد يكون هناك أشرار بين أولئك الذين يخضعون للسُّلطة، لكِنْ لا يمكن أنْ يتحكَّم أكثر الأخيار طيبةً بأشدِّ النَّاس شرًّا" (28، 191). في مثل هذه الحالة، لا يوجد سِوى حلٍّ واحد – يجب على الإنسان أنْ يلتفت إلى نفسه الخاصَّة، وهذا يعني أنَّه يجب ألَّا يقاوم بالعنف ما يحْسَبه شرًّا.
عدم المقاومة هو القانون
تجمع وَصِيَّة عدم المقاومة تعاليم المسيح في نسق كامل فقط إذا ما فُهِمَتْ على أنَّها ليست مجرَّد قول مأثور، بَلْ بصفتها قانونًا إلزاميًّا لا يعرف الاستثناءات. إذ إنَّ السَّماح باستثناءات من قانون المَحَبَّة يعني الاعتراف بوجود حالات يكون فيها استخدام العنف مبرَّرًا أخلاقيًّا. وهذا محال. إذا سُمح لشخص ما في ظروف معيَّنة، بمقاومة ما يحسبه شرًّا بالعنف، فمن الممكن، عندئذ، لأيِّ شخص آخر أنْ يفعل الشَّيء نفسه. فَكُلُّ خصوصيَّة الوضع الَّذِي تنبع منه فكرة عدم المقاومة تكمن بالضَّبط في عجز النَّاس عن الوصول إلى اتِّفاق حول الخير والشَّرِّ. وإذا ما سمحنا ولو بحالة واحدة من القتل "المبرَّر"، فإنَّنا نفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة لانهاية لها من هذه الحالات.
حاول عالِم الطَّبيعة المعروف إرنست هيكِل، المعاصر لتولستوي وأحد أتباع تشارلز داروين، بالاستناد إلى القوانين الطَّبيعيَّة للصِّراع من أجل البقاء، تسويغ عدالة وفائدة إعدام ما أسماه "المجرمين والأوغاد غير القابِلين للإصلاح". وفي الاعتراض عليه يسأل تولستوي قائلًا: "إذا كان قتل الأشرار مفيدًا، فَمَنِ الَّذِي يقرِّر: من هو المؤذي والضَّار؟ أنا، على سبيل المثال، أعتقد أنَّني لا أعرف أحدًا أسوأ وأضَرَّ مِنَ السَّيِّد هيكِل. أيَحُقُّ لي ولأشخاص يُشاطِرونَني هذه القناعة أنْ نحكم على السَّيِّد هيكِل بالإعدام شنقًا؟" (37، 74). هذه الحُجَّة ضِدّ العنف الَّتِي ظهرت لأوَّل مَرَّة في القِصَّة الإنجيليَّة عن المرأة الَّتِي كانت قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى من التَّعرُّض للرَّجْم، هي في جوهرها، حُجَّة لا يمكن تفنيدها: أين هو ذلك الإنسان المعصوم الَّذِي يمكنه الحكم من دون خطإٍ على الخير والشَّرِّ، ويخبرنا متى ومن يمكن أنْ يُرجَم بالحجارة؟!
كما يرى تولستوي أنَّ المحاججة النَّفعيَّة المؤيِّدة للعنف والمبرِّرة له في الحالات الَّتِي يمنع فيها عنفًا أكبر هي مرافعة باطلة. فعندما نقتل إنسانًا شَهَرَ سكينًا على ضحيَّته، لا يمكننا أبدًا أنْ نعلم عِلْمَ اليَقين المُطْلَق ما إذا كان سيُنَفِّذ نيَّته أم لا، وما إذا كان شيءٌ ما قد يتغيَّر في اللَّحظة الأخيرة في وَعْيِه (اُنظُر 37، 206). وعندما نُعْدِم مجرمًا، فإنَّنا مَرَّة أُخرى لا يمكن أنْ نكون على يقين تامٍّ أنَّ المجرم لن يتغيَّر ولن يندم، وأنْ يبدو إعدامنا له قسوة لا طائل منها (انظُر 28، 29). ولكِنْ، حَتَّى لو افترضنا أنَّ الحديثَ هو حديثٌ عن مجرم ميؤوس مِنْهُ عنيد لم يكن ليغيِّر نفسه أبدًا، فإنَّ الإعدام لا يمكن تبريره براغماتيًّا، لأنَّ عمليَّات الإعدام تؤثِّر في المحيطين، وبخاصَّةٍ، في أقربائه، بشكل يخلق أعداءً مُضاعَفَةً أعدادهم وأكثر شرًّا من أولئك الَّذِين قُتلوا ودُفنوا في الأرض (37، 214). لدى العنف مَيْلٌ للتَّكاثُر على نطاق واسع وبوتيرة مرتفعة. لذلك، فإنَّ فكرة العنف المحدود والحدِّ من العنف بالعنف هي فكرة باطلة. هذه الفكرة بالذَّات هي الَّتِي ألغاها قانون عدم المقاومة. قال المسيح للنَّاس: "أنتم تعتقدون أنَّ قوانينكم العنفيَّة تُصلح الشَّرَّ؛ لكنَّها تزيده فقط. لقد حاولتم على امتداد آلاف السِّنين أنْ تُدمِّروا الشَّرَّ بالشَّرِّ فلم تُدمِّروه، بَلْ زِدْتُموه. افعلوا ما أقوله وما أفعله، وعندها ستعرفون إنْ كان هذا حقًّا" (23، 329).
في الواقع، من السِّهل ارتكاب العنف، وللأسف يَتِمُّ ارتكابه باستمرار. لكن لا يجوز تبريره. لا يمكن للعقل أنْ يسوِّغه كفِعْلٍ إنسانيٍّ وكفِعْلٍ مسيحيٍّ. يتحدَّث تولستوي عمَّا إذا كان يمكن أنْ يوجد حقٌّ بالعنف والقتل. استنتاجه قاطع: لا وجود لمثل هذا الحقِّ. إذا كُنَّا نتبنَّى الأخلاق الإنسانيَّة العامَّة والقيم المسيحيَّة، وإذا كُنَّا نقول إنَّ النَّاس متساوون أمام الله ومتساوون في كرامتهم الأخلاقيَّة، فلا يمكن تبرير عنف الإنسان ضِدّ الإنسان من دون انتهاك فاضح لقوانين العقل والمنطق. كان في إمكان الإنسان الآكِل لِلُحوم البشر، في إطار وعيه، أنْ يُبَرِّر العنف. وكان في إمكان الإنسان الملتزم نواميس العهد القديم، في إطار وعيه الَّذِي يفضِّل شعبه على الشُّعوب الأُخرى ويُميِّز بينه وبينها، أنْ يُبَرِّر العنف أيضًا. لكِنَّ الإنسان المُعاصِر الَّذِي يَدِينُ بدِينِ الحُبِّ ويسترشد بأفكار حُبِّ الإنسان، لا يستطيع فِعْلَ ذلك. لذلك، اعْتَبَرَ تولستوي عقوبة الإعدام شكلًا من أشكال القتل أسوأ بكثير من القتل العاديِّ بدافع الشَّهوة أو لاعتبارات شخصيَّة أُخرى. هي أسوأ بسبب منهجيتها الباردة وادِّعائها الشَّرعيَّة والتَّبرير. يمكن للمرء أنْ يفهم تمامًا ارتكاب إنسان لجريمة قتل في لحظة غضب أو انفعال دفاعًا عن نفسه أو عن شخص عزيز. ويمكن فَهْم مشاركة المرء في القتل الجماعيِّ في الحرب تحت تأثير الإيحاء الجماعيِّ. لكِنْ لا يمكن فَهْم كيف يمكن للنَّاس أنْ يرتكبوا القتل بهدوء وروية وعن سابق إصرار وتصميم، وهُمْ في كامل تمتُّعهم بالصِّفات الإنسانيَّة، وكيف يمكنهم اعتبار القتل ضروريًّا. كان ذلك ليفوق فَهْمَ تولستوي وتَصوُّره. ففي" ذكريات من محاكمة جنديٍّ" يكتب تولستوي:"لقد بقيت عقوبة الإعدام بالنِّسبة إلَيَّ كما كانت عليه واحدة من تلك التَّصرُّفات البشريَّة الَّتِي لا تقوِّض المعطيات عن ارتكابها في الواقع الوعي في داخليِّ باستحالة قيامي بها" (37، 69).
وفي الحقيقة، يقول ل.ن. تولستوي شيئًا بسيطًا جدًّا: العنف لا يتوافق مع الأخلاق والعقل، ولا يجب على كُلِّ من يرغب في العيش وَفْقًا للأخلاق والعقل أنْ يرتكبه أبدًا.
يحكي الأمريكي جورج كينان عن مقابلته مع ل. ن. تولستوي الَّتِي طرح في سياقها عليه سؤالًا مباشرًا: هل كان الكاتب الكبير الكونت ل.ن. تولستوي ليقتل لصًّا يستعد لقتل ضحِيَّة بريئة في حال لم تكن هناك أيُّ وسيلة أُخرى لإنقاذ حياة الأخيرة؟ ردًّا على ذلك أجابه تولستوي: "لو رأيت دُبًّا في الغابة يستعِدُّ لمهاجمة فلاح، لحطَّمت رأسه بالفأس، لكنَّني ما كُنْتُ لأقْتُلَ إنسانًا يستعِدُّ لِفِعْلِ الشَّيء نفسه" (ل. ن. تولستوي في ذكريات المعاصرين: إصدار في مُجَلَّدَيْنِ. موسكو، 1978، المُجَلَّد الأوَّل. ص 369). في هذه الحالة العيانيَّة لَمْ يَقُلْ تولستوي شيئًا سِوى تَكرار الحقيقة الَّتِي تمثِّل في المجتمع قانونًا لا يتزعزع كقانون الجاذبيَّة في الطَّبيعة؛ "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا" (23، 313).
لماذا يتشبَّث النَّاس بالقديم؟
"ما أنْ يُؤْمِنَ النَّاس بتعاليم المسيح ويُنَفِّذوها، حَتَّى يَعُمَّ السَّلام على الأرض" (23، 370). لكن أكثر النَّاس لا يُؤْمِنون بتعاليم المسيح ولا يُنَفِّذونها. لماذا؟ يرى ل.ن. تولستوي أنَّ هناك سببين أساسيَّين، على الأقَلِّ، يَحْجُبانِ عن النَّاس حقيقة يسوع المسيح: أوَّلُهُما، قصور الفَهْم السَّابق للحياة؛ وثانيهما، تحريف التَّعاليم المسيحيَّة.
قَبْلَ أنْ يضع يسوع المسيح وَصِيَّة عدم المقاومة، ساد في المجتمع اعتقاد بأنَّ الشَّرَّ يمكن استئصاله بالشَّرِّ. وقد تجسَّد هذا الاعتقاد في نظام معيَّن للحياة البشريَّة، وتغلغل في العادات والأعراف، وأصبح أساسًا لعدم المساواة الاجتماعيَّة. ذلك أنَّ "أُسُس جميع امتيازات الأغنياء على الفقراء لم تنشأ من شيء سِوى الجَلْدِ بالسِّياط والسُّجون والأشغال الشَّاقَّة والقتل" (28، 228) — هذا هو حُكْمُ تولستوي الصَّارم. ناهيك بكون الدَّافعيَّة المهيمنة على السُّلوك الاجتماعيِّ مرتبطة بالعنف أيضًا، ويكمن جوهرها في سعي المرء إلى التَّميُّز وثناء النَّاس عليه وإثبات أفضليَّتة وتفوُّقه على الآخرين. لكن بؤرة العنف الرَّئيسة هي الدَّولة بجيوشها وسياستها المرتبطة بالتَّجنيد الإجباريِّ العامِّ والقَسَم والضَّرائب والمحاكم والسُّجون، وإلخ. باختصار، الحضارة كُلُّها قائمة على قانون العنف، وإنْ كانت، بالطَّبع، لا تُخْتَزَل به. ففي أُسُسها الرُّوحيَّة، تبقى ما قَبْل مسيحيَّة.
كثيرًا ما يُعاب على تولستوي نَزْعَته الأخلاقيَّة المجرَّدة. يزعم بعض نقاده أنَّه، ولاعتبارات أخلاقيَّة خالصة، رَفَضَ كُلَّ عنف وعَدَّ كُلَّ إكراهٍ ماديٍّ عنفًا، وأنَّه لهذا السَّبب أغلق على نفسه طريق فَهْم كُلِّ تعقيدات العلاقات الحياتيَّة وأعماقها. وانطلاقًا من هذا النَّظرة انتقد الفيلسوف الرُّوسيُّ المعروف في القرن العشرين إيفان ألكسندروفيتش إيلين( 1883-1954) في كتابه ذي العنوان البالغ الدَّلالة "حول مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّةِ" أفكار ل.ن. تولستوي وأطروحاته. والحقُّ أنَّه لا تجوز الموافقة التَّامَّة على مثل هذا النَّقد. ففي معرض تحليله للعنف، لم يقتصر تولستوي على موقف الإدانة الأخلاقيَّة غير المشروطة. لقد اتَّسم تحليله بِنَفَسٍ تاريخاني، على سبيل المثال، عندما اعترف بجواز العنف الحكوميِّ لزمن معيَّن: "ربَّما كان العنف الحكوميُّ ضروريًّا للحالة السَّابقة للنَّاس، وربَّما ما يزال ضروريًّا حَتَّى الآن" (37، 199). علاوة على ذلك، يتَّصف موقف تولستوي بطابع ملموس تمامًا عندما يميز بين عنف الثُّوار وعنف السُّلطات. في مقالته الشَّهيرة "لا أستطيع السُّكوت"، يقول إنَّ فظائع الثُّوار أكثر قابليَّة للفهم والتَّفسير من الفظائع المضادَّة الَّتِي ترتكبها السُّلطات، لأنَّ الأُولى ترتبط بمخاطر شخصيَّة أكبر، ويرتكبها شباب، ولا تُرتكَب بدم بارد وقسوة شديدة، ولا تُغطَّى بدوافع دينيَّة زائفة (37، 92). ومع ذلك، يرى تولستوي أنَّ كُلَّ هذه الاختلافات التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة تفقد كُلَّ أهمِّيَّتها من منظار المثال المسيحيِّ. ومع ظهور وَصِيَّة عدم المقاومة، يتغيَّر المقام الرُّوحيُّ للعنف جذريًّا، ويفقد مبرِّره الأخلاقيَّ: "لم يعد العنف يُمارس الآن، لأنَّه يُعدُّ ضروريًّا، بَلْ فقط، لأنَّه موجود منذ زمن سحيق، وهو منظَّم من الأشخاص المستفيدين منه، أيْ الحكومات والطَّبقات الحاكمة، بطريقة لا يستطيع الأشخاص الخاضعون لهذه السُّلطة الفكاك منها" (28، 152). علاوة على ذلك، يرى تولستوي في عدم المقاومة نفسه، كما سبق ذكره، إحدى الدَّرجات على الطَّريق اللَّامتناهي إلى الكمال. وهو يفترض تمامًا بأنَّ هذه الحقيقة السَّامِيَة ستصبح مع الوقت عادةً بديهيَّة، وسيخجل النَّاس مِنَ المشاركة في أعمال العنف كما يخجلون الآن من الاحتيال أو الجبن. وإذا كان ممكنًا تسمية مثل هذا الموقف تنظيرًا خُلقيًّا خالصًا، فإنَّه ذلك النَّوع من التَّخلقُن الَّذِي يشكِّل هو نفسه مَهمَّةً تاريخيَّةً.
تمكَّنت تقاليد العنف الَّتِي تمتَدُّ لآلاف السِّنين من الالتفاف على تعاليم يسوع المسيح، بعد أنْ شَوَّهَت جوهرها أوَّلًا.
يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ حقيقة المسيح الَّتِي نجدها في الأناجيل قد شُوِّهت لاحقًا من قِبَلِ الكنائس الَّتِي خلفته. وقد طالت التَّحريفات ثلاث نقاط رئيسة: أوَّلًا: زعمت كُلُّ كنيسة أنَّها الكنيسة الوحيدة الَّتِي تفهم حقيقة تعاليم المسيح وتنفِّذها بشكل صحيح. غير أنَّ ادِّعاءً كهذا يتناقض مع روح التَّعاليم الَّتِي تُوَجِّه مسار الإنسان نحو الكمال، والَّتِي لا يمكن لأيٍّ من الأتباع، أفردًا كان أم مجموعةً، أنْ يدَّعي فَهْمَها بشكل نهائيٍّ؛ ثانيًا: لقد حصرت الكنائس التَّعاليم في شعار الإيمان، وربطت الخلاص بتأدية شعائر وأسرار وصلوات معيَّنة، ونصَّبت نفسها وسيطًا بين النَّاس والله. وبذلك قامت بتحريف المسيحيَّة في تلك النُّقطة الحاسمة الَّتِي تؤكِّد أنَّ إقامة ملكوت الله على الأرض تعتمد أيضًا على الإنسان وعلى أعماله الصَّالحة. وفي ذلك يقول تولستوي: "إمَّا الموعظة على الجبل وإمَّا شعار الإيمان: يستحيل تصديق هذا وذاك" (28، 60)؛ ثالثًا: شَوَّهَت الكنائس معنى الوَصِيَّة الرَّابعة وهي الأهَمُّ، وَصِيَّة عدم مقاومة الشَّرِّ، واضعةً إيَّاها موضع شكٍّ، وهذا ما شَكَّل إلغاءً لقانون المَحَبَّة: "لقد ضُيِّق نطاق عمل مبدأ المَحَبَّة ليقتصر على الحياة الشَّخصيَّة والشُّؤون العائليَّة، أمَّا في ما يتعلَّق بالحياة العامَّة فقد عُدَّ استخدام العنف بكُلِّ أنواعه ضِدّ الأشرار ضروريًّا لخير السَّواد الأعظم من النَّاس: السُّجون والإعدامات والحروب هي أفعال مُضادَّة تمامًا لأضعف شعور بالمَحَبَّة" (37، 263).
كان المعنى العامُّ لجميع التَّأويلات الكنسيَّة لتعاليم المسيح هو نَقْلُها من مجال الواجبات والأفعال الأخلاقيَّة إلى مجال الآمال والأحلام الدَّاخليَّة: "بدلًا من أنْ تقود العالَم في حياته، قامت الكنيسة، إرضاءً للعالَم، بإعادة تأويل التَّعاليم الميتافيزيقيَّة للمسيح بحيث لم ينتج عنها أيُّ مطالب من الحياة، ولم تمنع النَّاس من العيش كما كانوا يعيشون... لقد فعل العالَم كُلَّ ما أراد، تاركًا للكنيسة اللَّحاق بِرَكْبِه، على قدر ما تستطيع، في تفسيراتها لمعنى الحياة. أنشأ العالَم حياته الخاصَّة المعاكسة تمامًا لتعاليم المسيح، بينما اختلقت الكنيسة استعارات ومجازات زيَّنت للنَّاس أنَّهم يعيشون وَفْقًا لقانون المسيح، وذلك رغم عيشهم بشكل مناقض له. وانتهى الأمر بأنْ أصبح العالَم يعيش حياة أسوأ من الحياة الوثنيَّة، وأصبحت الكنيسة لا تبرِّر هذه الحياة فحسب، بَلْ تؤكِّد أنَّ هذه الحياة بالذَّات هي نفسها تعاليم المسيح" (23، 439). نتيجة لذلك، نشأ وضع يُظهِر فيه النَّاس ما لا يضمرون، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون، ويكرهون نظام الأشياء الَّذِي يدعمونه بأنفسهم. وفي المُحصِّلة يحظى العنف بتتِمَّته وامتداده في النِّفاق والخداع: "فالكَذِب، على ما يقول تولستوي، يدعم قسوة الحياة، وقسوة الحياة تتطلَّب المزيد والمزيد من الكَذِب، ويكبر هذا وذاك ككرة الثَّلج المتدحرجة بشكل لا يمكن إيقافه" (37، 160).
إذن، أين المخرج من هذا الوضع اللَّاسَوِيّ؟ يجيب تولستوي عن هذا السُّؤال بكلمات المسيح من إنجيل مَتّى (مَتّى 24: 3-28) الَّتِي تنبئ بأنَّ نهاية العالَم الوثنيِّ ستأتي عندما تصل مصائب البشر إلى أوج ذروتها، وعندئذ، سيُبشَّر في جميع أنحاء الكون بالبشارة السَّارة لنظام عالميٍّ جديد قائم على اللَّاعنف. وقد بدأ العالَم، في رأي تولستوي، يدخل فعليًّا في مثل هذه المرحلة. فمن ناحية: تزداد أحوال البشر بؤسًا وشقاءً باستمرار، ويصل العنف إلى مستويات غير مسبوقة، ما يقنع النَّاس بشكل واضح بأنَّ هذا الطَّريق مهلك لا محالة. بَلْ إنَّ تولستوي يطرح فكرةً قد يكون مستحيلًا أنْ ينطق بها لسان إنسان أخلاقيٍّ محافظ: إنَّ مشاركة النَّاس ذاتها في العنف هي ما ينفِّرهم منه. ذلك أنَّ "العنف يختار ويجذب إليه أسوأ عناصر المجتمع، فَيَسْبِكُهُم من جديد على نَحْوٍ أحسن وأفضل مما كانوا عليه ثُمَّ يعيدهم إلى المجتمع" (28، 196). ومن ناحية أُخرى: لم يمرَّ ثمانية عشر قرنًا من المسيحيَّة على النَّاس من دون أثر، فقد تبنُّوها، وإنْ كان ذلك بشكلٍ صوريٍّ وسطحيٍّ. علاوة على ذلك، كان اعتناق المسيحيَّة بشكلٍ مُشوَّهٍ شرطًا لنشرها في وعي الجماهير العريضة، لكي تُفهم لاحقًا بمحتواها الحقيقيِّ. مثل البذرة المزروعة الَّتِي يجب أنْ تُغَطَّى بالتُّراب لفترة من الزَّمن قبل أنْ تنبت.
كُلُّ هذا - شروط عامَّة للانتقال إلى أُسُس حياة جديدة، لكنَّها لا تحدِّد وقتًا أو ساعة محدَّدة لهذا التَّحوُّل. من المستحيل، مبدئيًّا، التَّنبؤ بالميعاد الدَّقيق لبدء الحياة الجديدة أو "ملكوت الله" بالمصطلح المسيحيِّ، لأنَّ مجيئه يعتمد على النَّاس أنفسهم. إنَّها ليست مسألة قَدَرٍ إلهيٍّ، بَلْ مسألة اختيارٍ إنسانيٍّ. ملكوت الله موجود في الدَّاخل، وعلى كُلِّ إنسان أنْ يكتشفه في نفسه ويبني ملكوته الخاصَّ، وهكذا فقط يمكن للملكوت العامِّ أنْ يتشكَّل. "فالاتِّحاد يتحقَّق فقط عندما لا يفكِّر النَّاس في الاتِّحاد، بَلْ عندما يفكِّر كُلُّ واحد فقط في تنفيذ قانون الحياة" (37، 211).
ينبغي ألَّا تُفهم فكرة اللَّاعنف والتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للفرد وكأنَّ تولستوي يعارض العمل الجماعيَّ والإجراءات ذات الأهَمِّيَّة المجتمعيَّة والواجبات الأخلاقيَّة المباشرة للإنسان تُجاه الآخرين. على العكس تمامًا. إذ إنَّ عدم المقاومة، في رأي تولستوي، هو تطبيق تعاليم المسيح على الحياة المجتمعيَّة (اُنظُر 28، 149)، وهو الطَّريق الملموس لتحويل علاقات العداء بين النَّاس إلى علاقات تعاون متبادل في ما بينهم.
إنَّ مُجَرَّد عدم المُشارَكة في العنف هو في حدِّ ذاته كفاحٌ ضِدَّه. فالعنف، وقبل كُلِّ شيء العنف الحكوميُّ المنظَّم، يُدار إلى حدٍّ كبير من قِبَلِ أولئك الَّذِين يُمارَس ضِدَّهم. تسعى الحكومات دائمًا إلى توسيع قاعدة عنفها عَبْرَ "جذب أكبر عدد من المواطنين للمُشارَكة إلى أقصى حدٍّ في جميع الجرائم الَّتِي ترتكبها وتحتاجها" (28، 250). ويتحمَّل النَّاس مسؤوليَّة عنف الحكومات بسبب طاعتهم السَّلبيَّة لها وانخراطهم المباشر فيه (عَبْرَ الخدمة العسكريَّة، هيئات المحلَّفين، وإلخ). وَهُمْ مُذْنِبون ومُتََوَرِّطون بالعنف أيضًا عندما يحاولون مقاومته بالوسيلة نفسها (على شكل إرهاب، انتفاضات مُسَلَّحة، وإلخ)، لأنَّهم في هذه الحالة، أوَّلًا، يعترفون بالعنف كطريق شرعيٍّ وعاديٍّ لتحقيق الأهداف البشريَّة، وثانيًا، يضاعفون حجمه وحِدَّته. عندما لا يلقى العنف ردًّا مماثلًا، فإنَّه عادةً ما يلبث أنْ يَخْبُوَ ويَضْعف؛ وعندما يصطدم بعنف مضادٍّ، فإنَّه يزيد كتلته ويصبح أكثر تفاقمًا. لذلك، حَتَّى الموقف السَّلبيّ البحت المتمثِّل في عدم الانخراط في العنف- الَّذِي يبدو، للوهلة الأُولى، معدوم الفعاليَّة- يقلِّل، في الواقع، من قُوَّةِ العنف ودرجة شرعيَّته.
ومن الخطأ التَّشديد في مقولة "عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف" على كلمة "عدم المقاومة". سنفهم فكرة تولستوي بشكل أفضل إذا ما اِنْصَبَّ تركيزنا على كلمة "بالعنف". يمكن وينبغي مقاومة الشَّرِّ، ولكِنْ ليس بالعنف، بَلْ بأساليب أُخرى - لاعنفيَّة. علاوة على ذلك، فإنَّنا نقاوم العنف حقًّا فقط عندما نرفض الرَّدَّ بالمثل: "يحاول دعاة الفهم الاجتماعيّ للحياة، موضوعيًّا، الجمع بين مفهوم السُّلطة، أيْ العنف، ومفهوم التَّأثير الرُّوحيِّ، لكن هذا الجمع مستحيل تمامًا" (28، 131). صحيح أنَّ تولستوي نفسه لم يُطوِّر تكتيكات المقاومة الجماعيَّة اللَّاعنفيَّة، لكِنْ تعاليمه تُتيح مِثْلَ هذه التَّكتيكات. هو يفهم عدم المقاومة كقُوَّة إيجابيَّة للمَحَبَّة والحَقِّ. علاوة على ذلك، فهو يذكر صراحةً أشكالًا للمقاومة مِنْ مِثْل الإقناع والنِّقاش والاحتجاج ومُناشَدة الضَّمير والأصل الرُّوحيِّ في الإنسان تهدف إلى فصل مرتكِب الشَّرِّ عن الشَّرِّ نفسه، وكفِّ يَدِ الشَّرِّ السَّابق عسى أنْ يفتح ذلك آفاقًا رحبة أمام التَّعاون اللَّاحق. وقد نَعَتَ تولستوي نهجه بالنَّهج الثَّوريِّ. إنَّه أكثر ثوريًّة حَتَّى من الثَّورات العاديَّة. فالثَّورات العاديَّة تُحدِث انقلابًا في الوضع الخارجيِّ للنَّاس وفي ما يتعلَّق بالسُّلطة والمِلْكِيَّة. بينما تهدف الثَّورة التُّولستويَّة إلى تغيير جذريٍّ في الأُسُس الرُّوحيَّة للحياة، وتحويل الأعداء إلى أصدقاء.
***
....................
* دكتور علوم في الفلسفة، عضو الأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم، أستاذ في كُلِّيَّة الفلسفة التَّابعة لجامعة موسكو الحكوميَّة ورئيس سابق لقسم علم الأخلاق فيها، ومدير معهد الفلسفة التَّابع للأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم.
** كاتب وباحث لبناني






