في إطار العمل على تغيير ملامح الشرق الأوسط، وفي لحظات حبك خيوط الديانة الجديدة كبوابة أصيلة في ترسيخ عقيدة التمدد الامبريالي والهيمنة، يتبادر في الذهن سؤال مفصلي وضروري، يتمثل في البحث عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء الإصرار على اسم النبي (إبراهيم) في تمثيله كرأس الهرم للديانة الإبراهيمية الجديدة. فلماذا (إبـراهيم) تحديداً، دون سائر الأنبياء؟
إنّ اختيار إبـراهيم ليس اختياراً لاهوتياً بريئاً، بل هو قرار سياسي محسوب، فالإدارة الأمريكية تستخدم مصطلح (الإبـراهيمية) للإشارة إلى الديانات السماوية الثلاث، وتعيد تسميتها بوصفها الديانة الإبـراهيمية، نسبة إلى إبـراهيم، لما يتمتع به من مكانة روحية وقدسية جامعة في وعي أتباع هذه الديانات. وبهذا، يُقدَّم إبـراهيم بوصفه الرمز الأعلى القادر على إذابة الخلافات بين (لأبناء) وإعادة البناء على التراث المشترك والتشابهات اللاهوتية، تمهيداً لإنتاج ما يُسمّى (سلاماً دينياً عالمياً) قائماً على الضمير الجمعي.
وتتكرر في هذا السياق عبارات من قبيل، نحن جميعاً عائلة إبـراهيمية واحدة، أو نحن أسرة روحية واحدة، تجمعنا أخوّة إنسانية... غير أنّ هذه اللغة العاطفية، حين تُنزَع من سياقها الإيماني، وتُزرَع في تربة السياسة، تتحول إلى أداة إلغاء لا إلى أداة وحدة، إذ تُسقِط الفوارق العقدية، وتُفرغ الدين من حدوده، وتُعيد تعريفه كقيمة أخلاقية عامة بلا جذور.
واللافت أنّ معظم هذه الإشارات إلى إبـراهيم تعود في أصلها إلى اجتهادات بروتستانتية غربية واستشراقية، قامت بابتكار مصطلح (الديانات الإبـراهيمية)، ثم نُسب هذا المصطلح، خطأً، إلى الثـقافة الإسلامية، فبينما يحتل إبـراهيم مكانة مركزية في العقيدة الإسلامية بوصفه نبياً موحِّداً، فإن مفهوم (الديانات الإبـراهيمية) غريب عن الـوعي الإسلامي، وغير متداول في اللغتين العربية أو العبرية، إلا بوصفه ترجمة حرفية عن الإنجليزية، وهذا وحده كافٍ للكشف عن طبيعته المستوردة ووظيفته الأيديولوجية. وإنّ الهدف الحقيقي من استحضار اسم إبـراهيم في هذا السياق هو المغالطة الرمزية، تقديم الحركة الصهيونية، وهي في جوهرها حركة استعمارية أوروبية، بوصفها حركة دينية يهودية، وإخفاء بعدها الاستيطاني خلف قناع لاهوتي. فبهذا التلاعب، يجري تحويل غزو فلسطين من فعل استعمار إلى عودة دينية، ومن مشروع إحلالي إلى (تحقيق وعد تاريخي).
وفي هذا الإطار، يعمل المخطط الإبـراهيمي على ربط القادة الدينيين بالسياسيين، وإعادة تعريف أسباب الصراع لا بوصفها احتلالاً واستعماراً، بل بوصفها خللاً في الاعتراف المتبادل، ويُطرح حلّ الصراع عبر إعادة المصالح الدينية للسكان الأصليين إلى خريطة التفاوض، دون تحديد واضح لهوية هؤلاء السكان، لتُترك المسألة مفتوحة أمام التوافقات السياسية بين رجال الدين وصنّاع القرار. وهكذا، يُفرَّغ مفهوم (الشعوب الأصلية) من معناه الحقيقي، ويُعاد شحنه بما يخدم الطرف الأقوى.
ومن أبرز تجليات الديانة الإبـراهيمية الجديدة، زيارة البابا (فرنسيس) إلى العـراق، التي قُدّمت بوصفها حدثاً إنسانياً وروحياً يعزّز التعددية الدينية والتعايش والسلم المجتمعي، وقد قوبلت الزيارة بترحيب شعبي ورسمي واسع، بلغ حدّ إعلان الحكومة العـراقية يوم الزيارة عطلة رسمية في جميع مفاصل الدولة، احتفاءً بالحدث. غير أنّ هذا القبول، على أهميته الرمزية في سياق التعايش، يكشف في الوقت ذاته عن نجاح الخطاب الإبـراهيمي في اختراق الـوعي الجمعي، وتقديم نفسه بوصفه مشروع سلام، دون مساءلة خلفياته السياسية ولا رهاناته البعيدة.
***
د. حيدر عبد السادة جودة








