عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الوجود بين الإمكان والتحقق

قراءة في مفهوم الإمكان وأبعاده المعرفية

يظلُّ سؤال الإمكان من أكثر الأسئلة إلحاحاً على جدار الوعي الفلسفي، ذلك السؤال الذي يتعلق بكيفية كون الشيء ممكناً قبل تحققه وبسرّ الفجوة الغامضة التي تتوسط بين العدم والوجود وبين ما لم يزل في حيز التصور وما أصبح واقعاً ملموساً. فالإمكان ليس مفهوماً منطقياً جامداً يُستخدم في تصنيف القضايا وترتيب الأحكام فحسب بل هو بؤرة الوجود ذاتها التي تنبثق منها الأسئلة المؤسسة للمعرفة والوجود معاً، وهو الينبوع الذي تفجرت منه فلسفات الوجود برمتها بدءاً من أرسطو الذي جعله مادةً للصورة وغايةً للفعل وصولاً إلى هايدغر الذي أعاد طرح مسألة الوجود بوصفه إمكاناً محضاً ثم إلى سارتر الذي جعل الإنسان ذلك الكائن الذي وجوده يسبق ماهيته، أي ذلك الموجود الذي يتعين كإمكان صرف قبل أن يتحقق بأي شكل من الأشكال.

وإذا أمعنا النظر في طبائع الأشياء أدركنا أن كل ما في الكون يحمل في طياته بذرة الإمكان قبل أن ينبثق إلى عالم التحقق. فالبذرة تحمل في جوهرها إمكان الشجرة والنطفة تحمل إمكان الإنسان والكلمة تحمل إمكان المعنى والفكرة تحمل إمكان العالم بأسره. والإمكان إذن ليس صفة عارضة تلحق بالأشياء من خارجها بل هو نسيجها الداخلي وسر تحولها وتغيرها وتجددها وهو في الآن ذاته ما يمنح الوجود غنى وامتلاء لأنه لو كان كل ما هو موجود قد تحقق مرة واحدة وإلى الأبد لما كان للزمن معنى ولما كانت للتاريخ قيمة ولما كان للتغيير أو التجدد أو الاختلاف أي أثر يذكر. وما الوجود إلا صيرورة من الإمكان إلى الفعل وما الحياة إلا رحلة شائكة بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن بالفعل وبين ما نرجوه ونأمله وما نعيشه ونلمسه.

لقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة العميقة حين جعل الإمكان والتحقق ثنائية محورية في فلسفته بل جعل منها مفتاحاً لفهم الحركة والطبيعة والتغير برمتها. فالإمكان عنده ليس مجرد حالة ذهنية أو فرضاً منطقياً بل هو واقع موضوعي في الأشياء، هو المادة التي تحمل في طياتها استعداداً للصورة والعدم الذي ينطوي على بذور الوجود. ولذلك كان تعبيره عن الإمكان بالقوة، ذلك المفهوم العبقري الذي يحل إشكالية التغير من دون الوقوع في مطب العدم المحض أو الوجود الجامد. فالشيء في حال القوة هو وغير هو في آن، هو من حيث إنه يحمل إمكان ما سيصير إليه وغير هو من حيث إنه لم يتحقق بعد. وفي هذه المنطقة الحدودية بين النفي والإثبات، بين العدم والوجود، يضطلع الإمكان بدوره التأسيسي في بناء الوجود برمته.

غير أن إشكالية الإمكان لا تنحصر في أفق الوجود الطبيعي أو الميتافيزيقي فحسب بل تمتد لتطال أبعاداً معرفية وأنطولوجية أعمق تتصل بطبيعة العقل نفسه وبإمكاناته المعرفية. فما العقل البشري في جوهره إلا إمكان محض للفهم والمعرفة وما المعرفة إلا تحقيق لذلك الإمكان عبر مسالك متعددة من الحس والعقل والحدس والتجربة. ونحن حين نتساءل عن إمكان المعرفة أو عن حدود العقل أو عن شروط الفهم المسبقة، فإننا إنما نعيد طرح سؤال الإمكان على المستوى المعرفي ونبحث عن الحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل في عالم الأفكار والمعاني. ويبرز هنا دور الفلاسفة الناقدين وعلى رأسهم كانط الذي أعاد صياغة مسألة الإمكان برمتها من خلال نقده للعقل الخالص، حيث جعل من شروط المعرفة المسبقة إطاراً إمكانياً يحدد ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن وأقام تمييزاً حاسماً بين الوجود بوصفه مقولة من مقولات الفهم والوجود بوصفه موضوعاً للحدس والتجربة.

وإذا كانت المعرفة الإنسانية مرهونة بشروط الإمكان التي يرسمها العقل نفسه، فإن الإمكان يصبح بذلك إشكالية تتقاطع فيها الأنطولوجيا مع الإبستمولوجيا وتتداخل فيها مسألة الوجود مع مسألة المعرفة في نسيج واحد لا ينفصم. فنحن لا نعرف الشيء إلا من خلال إمكان معرفته ولا نتصور وجوده إلا ضمن حدود ما يمكن أن يتصور ويفهم، ويعود سؤال الإمكان ليطاردنا من جديد، ليس في الأشياء وحدها بل في علاقتنا بها وفي حدود أدواتنا المعرفية التي نتوسل بها لفهمها. ولعل أعظم ما خلفته الفلسفة الحديثة في هذا المضمار هو ذلك التحول الجذري الذي أوجده هايدغر بطرحه للسؤال الأكثر أصالة وهو لماذا يوجد الكائن بدلاً من أن لا يوجد؟ وهذا السؤال في عمقه الوجودي إنما يعيد صوغ مسألة الإمكان والتحقق في أفق أوسع وأكثر جرأة حيث يصبح الإمكان هو البعد الأنطولوجي الأصيل للوجود نفسه والتحقق مجرد ظهور عارض لذلك الإمكان المتدفق الذي لا ينضب.

إن الوجود هايدغريا ليس حالة جامدة أو واقعة مكتملة بل هو إمكان متجذر في الزمان، زمانية تنفتح على المستقبل من خلال مشروعية الكائن الإنساني الذي يفهم وجوده من حيث هو إمكان للوجود وليس وجوداً محققاً. والإنسان عند هايدغر هو الكائن الوحيد الذي وجوده هو سؤال عن وجوده أي كائن يتعين وجوده من خلال إمكاناته الخاصة وليس من خلال ماهية محددة سلفاً أو جوهر ثابت. ويلتقي هايدغر هنا مع سارتر في اعتبار الإنسان ذلك الموجود الذي يخلق جوهره من خلال وجوده، لكن هايدغر يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط الإمكان بالأصالة واليومية والموت والفناء فلا يكون الإمكان مجرد إطار نظري أو منطقي بل يصير هما وجوديا يمس صميم حياة الإنسان ومعناها.

أما في التقليد الفلسفي الإسلامي فقد احتل مفهوم الإمكان موقعاً مركزياً في النقاشات الكلامية والفلسفية، خاصة في سياق إثبات الحدوث والقدم وفي مسألة العلاقة بين الله والعالم وفي تحديد طبيعة المعرفة الإلهية وعلاقتها بالأشياء قبل وجودها. وقد قدم الفارابي وابن سينا تفريقاً دقيقاً بين الإمكان الذاتي والإمكان الوقوعي وجعلا من الإمكان صفة للوجود الممكن الذي يتوسط بين الوجود الواجب والوجود الممتنع، وهو تقسيم يحمل في طياته نظرية متكاملة في الوجود تختلف جذريا عن المقاربات الأرسطية والمحدثة على السواء. فالوجود عند ابن سينا إما واجب أو ممكن أو ممتنع، والممكن هو ما يكون وجوده وعدمه سواء بالنسبة إلى ذاته ولا يترجح أحد طرفيه إلا بفعل علة خارجية تمنحه الوجود وتحققه من حيز الإمكان إلى حيز التحقق. وهذه النظرة تجعل من الإمكان مرتبة وجودية قائمة بذاتها وليس مجرد حالة عقلية أو منطقية بل هي حالة حقيقية للشيء قبل أن يوجد، وهي ما يحتاج إلى موجد يرجح كفة وجوده على كفة عدمه. وتتخذ مسألة الإمكان في هذا السياق أبعاداً إلهية ومعرفية تتجاوز بكثير مجرد التحليل المفهومي إذ تطرح أسئلة متعالية حول علم الله بالأشياء قبل وجودها وحول إرادته لها وحول حكمته في إيجادها وتوقيتها وتقديرها. فإذا كان الشيء ممكناً في ذاته قبل أن يتحقق فما معنى أن يعلم الله به وهو في حيز العدم؟ وكيف تتعلق الإرادة الإلهية بشيء ليس له وجود؟ وهل الإمكان الأزلي للأشياء يحد من قدرة الله أو يشترط عليها؟ هذه الأسئلة التي شغلت بال المتكلمين والفلاسفة المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن إنما تعود في نهاية المطاف إلى ذات الإشكالية الأساسية التي نعالجها هنا، إشكالية الإمكان والتحقق في أبعادها الوجودية والمعرفية وعلاقتها بفهمنا للزمان والمكان والسببية والغائية في العالم.

ولعل ما يميز المقاربة الإسلامية للإمكان أنها لم تنحصر في الجانب المنطقي المجرد ولم تقتصر على التقسيمات الصورية للأقضية والقضايا بل اتصلت مباشرة بمسألة الخلق والوجود والإرادة وبمشكلة الشر والخير والقدر والمصير وهي قضايا وجودية آنية لا تزال تلامس الحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها. فالإنسان في هذا التصور هو كائن ممكن تحقق بفعل الخالق وهو يحمل في طياته إمكانات لا تحصى للخير والشر والكمال والنقص وهو مسؤول عن تحقيق إمكاناته على نحو أو آخر من خلال اختياراته وأفعاله وتوجهاته الوجودية. ويصير الإمكان مفهوماً خصباً ممتداً يصل بين السماء والأرض، بين الإلهي والبشري، بين الميتافيزيقي والأخلاقي وبين النظري والعملي وهو في كل ذلك يحتفظ بجوهريته الغامضة التي لا تنكشف تماماً، ذلك الغموض الذي يدفع الفكر إلى التجدد والبحث والتنقيب بلا كلل ولا ملل.

غير أن الإمكان يثير إشكالات معرفية بالغة التعقيد حين نتأمله من زاوية العلاقة بين الذهن والعالم، فكيف نعرف أن شيئاً ما ممكن قبل أن يتحقق؟ وأي معنى للإمكان في عالم لا نحيط به علماً؟ وهل الإمكان صفة موضوعية في الأشياء أم هو مجرد إسقاط من إدراكاتنا الناقصة وعقولنا المحدودة؟ هذه الأسئلة قادت الفلاسفة إلى تفريقات دقيقة بين أنواع الإمكان فحدثوا عن الإمكان الذاتي الذي لا يتنافى مع قوانين الهوية والتناقض وعن الإمكان الموضوعي الذي يرتبط بقوانين الطبيعة ونواميسها وعن الإمكان العملي الذي يتعلق بقدرات الفاعل وإمكاناته الذاتية وعن الإمكان المنطقي المحض الذي لا يعرف سوى شرط الامتناع والتناقض. لكن كل هذه التفريقات وإن كانت مفيدة منهجياً تظل عاجزة عن الوفاء بجوهر الإمكان الذي هو في حقيقته سؤال عن الوجود نفسه وليس مجرد سؤال عن الشروط المنطقية أو الفيزيائية للوجود.

وإذا كان الإمكان بهذا العمق الوجودي والمعرفي فإنه لا يلبث أن يكشف عن وجه آخر لا يقل خطراً يتصل بإشكالية الزمن وصيرورة التحقق ذاتها. فالتحقق ليس حدثاً آنياً يطرأ على الإمكان في لحظة ما بل هو عملية وجودية متدرجة تتوسط بين الماضي والمستقبل وتحمل في طياتها بعداً من البعد الزماني الذي لا يمكن إغفاله. فالشيء الممكن يظل معلقاً بين أفقين: أفق الماضي الذي يحمل إمكاناته المحققة سابقاً وأفق المستقبل الذي يحتوي إمكاناته التي لم تتحقق بعد. واللحظة الحاضرة ليست سوى تلك النقطة الرفيعة التي تتلاقى فيها أطراف الإمكان والتحقق في توتر دائم لا ينفصم. ومن هنا كان إصرار فلاسفة الوجود من كيركغور إلى هايدغر إلى سارتر على ربط الإمكان بالزمانية والتحقق بالأصالة والمشروعية. فالإنسان في كل لحظة هو كائن ممكن يحمل في ذاته أكثر مما حققه وهو كائن يتهدده العدم في كل لحظة ليس بمعنى الفناء المحض بل بمعنى أن إمكاناته غير المحققة تظل معلقة في فضاءات الزمان منتظرة الفعل والقرار والالتزام.

وتبرز إشكالية القدرة والإرادة إذ لا يكفي أن يكون الشيء ممكناً في ذاته بل لا بد من فاعل قادر على تحقيقه ولا بد من إرادة راجحة تختار هذا الإمكان على سواه من الإمكانات المتزاحمة. والإرادة الإنسانية في هذا السياق ليست مجرد قوة نفسية تندفع نحو الأشياء بل هي ذلك الأفق الذي تتحدد فيه مقادير الإمكان والتحقق وهي تلك المحك الذي تتباين فيه الوجودات الإنسانية بين راق ومتهافت بين أصيل وساقط. فالإنسان الذي يدرك إمكاناته ويسعى إلى تحقيقها إنما يحقق وجوده بمعناه الأعمق، أما الإنسان الذي يغفل عن إمكاناته أو يتردد في اقتحام آفاقها فهو كائن يتفلت من ذاته وينكمش على حدود حاضره الضيق. وكما قال سارتر في نصوصه الوجودية المكثفة، الإنسان ليس ما هو كائنا بل هو ما هو ليس كائنا وما هو كائن ليس إلا ذلك المشروع المتجه نحو تحقيق إمكاناته في كل آن، وهذه العبارة وإن بدت مفارقة لفظية فهي تكشف عن جوهر الإنساني من حيث هو وجود قائم على الإمكان وقائم بالإمكان، لا يثبت ولا يستقر ولا يكتمل.

وإذ نتأمل البعد المعرفي للإمكان على نحو أعمق وجدناه يطرح إشكالات بالغة التعقيد تتصل بطبيعة المفاهيم والتصورات الذهنية ذاتها. فأي مفهوم نحمله في أذهاننا عن شيء ما، أي معنى نمنحه للأشياء التي ندركها، إنما هو في جوهره إمكان معرفي لم يتحقق بعد بالكامل بل هو مفتوح على احتمالات متعددة التأويل والتفسير. فاللغة ذاتها ذلك النظام العجيب الذي به نفكر ونتواصل ليست إلا نظاماً من الإمكانات المفتوحة، كل كلمة فيها تحمل مدارات دلالية متشعبة وكل تركيب فيها يفتح آفاقاً تأويلية لا تنغلق. وما الفلسفة إلا ذلك الجهد المتواصل لإدراك إمكانات المعنى في اللغة والوجود، وهي سعي حثيث لتحقيق تلك الإمكانات في نصوص ومفاهيم تظل مع ذلك غير مكتملة لأن الإمكان بطبيعته لا يستنفد ولا ينضب. وفي هذا المضمار يأتي دور التأويل المعرفي الذي أرسى دعائمه مفكرون كبار أمثال غادامير وبول ريكور، حيث جعلوا من الفهم مشروعاً لا نهاية له ومن النص حقلاً للإمكانات المفتوحة على التأويلات المتعددة، فالتحقق في عالم المعرفة ليس وصولاً إلى حقيقة نهائية مكتملة بل هو عملية دائمة التجدد، تتواشج فيها الذات بالموضوع ويتداخل فيها الفهم بالانفعال والوجود بالمعرفة. وما نسميه بالحقيقة ليس سوى تحقيق مؤقت لإمكانات الفهم في لحظة تاريخية معينة وما الحقيقة بعد ذلك إلا أفق مفتوح على إمكانات أخرى تنتظر من يحققها ويكشف عنها. ويدور الفكر في فلك الإمكان والتحقق هكذا من دون أن يستقر على قرار نهائي وهذا الدوران نفسه هو ما يمنح الفلسفة حيويتها الدائمة ويجعل منها نشاطاً إنسانياً لا يمل ولا يكل ولا يرضى باليقين السهل ولا بالاستقرار الرتيب.

غير أن أهم ما يطرح في إشكالية الإمكان والتحقق يرتبط بعلاقة ذلك كله بالحرية، تلك الحرية التي تجعل من الإنسان كائناً متعالياً على كل تحديد نهائي وكائناً منفتحاً على كل الإمكانات في آن واحد. فالحرية ليست قدرة على اختيار ما هو ممكن فحسب بل هي القدرة الأعمق على خلق إمكانات جديدة، على ابتكار أفق من الممكنات لم تكن موجودة من قبل في سياق الوجود، على تجاوز المعطى والمفروض نحو المبتكر والمتجدد. وهنا تتجلى عبقرية الإنسان لا في تكرار ما هو ممكن ومتحقق بل في تفتيق إمكانات لم تخطر ببال وفي إبداع عوالم من المعاني والقيم والأفعال لا تندرج تحت أي تصور سابق عن الممكن والمستحيل. ومن ثم كان كل فعل خلاق في التاريخ الإنساني، كل اختراع أو اكتشاف، كل عمل فني عظيم أو بناء فلسفي متين، إنما هو تحقيق لإمكان غير متوقع وكسر لحاجز المستحيل على نحو يذهل العقول ويبهج النفوس.

ولعل من أعمق الأبعاد التي يطرحها الإمكان في سياق الفكر الإنساني ذلك البعد الأخلاقي، ذلك البعد الذي يمس سؤال الخير والشر والمسؤولية والمصير، فالخيارات الأخلاقية في جوهرها ليست إلا تحقيقات لإمكانات متعددة وترجيحاً لبعض الممكنات على بعضها الآخر في ضوء ما نعتقد أنه صواب أو خطأ. وكل فعل أخلاقي هو تحقيق لإمكان كان كامناً في الذات وفي الموقف وفي العلاقات الإنسانية وكل إغفال للفعل الأخلاقي هو إبقاء لتلك الإمكانات في حيز العدم وهو تضييع لفرص التحقق التي قد لا تتكرر. وتأتي خطورة الوجود الإنساني ومعها مسؤوليته الجسيمة عن إمكاناته وعن إمكانات الآخرين وعن إمكانات العالم برمته، فهو كائن مسؤول عن تحويل الإمكان إلى واقع وعن إغناء الوجود بما يحمله من خير وجمال وحق. وكلما اتسعت دائرة الإمكان في عين الإنسان ازدادت مسؤوليته وأصبح وجوده أكثر معنى وأكثر ثراءً وأصبح موقفه من العالم موقف الفاعل المبدع لا المتلقي المنفعل، موقف الصانع لا المصنوع.

ونختم هذا التأمل الفلسفي الممتد في أعماق الإمكان والتحقق بأن نؤكد على أن ما يجعل الإمكان سؤالاً فلسفياً لا ينضب هو أنه سؤال مفتوح بذاته، سؤال لا يحتمل إجابة واحدة ولا يقبل حلا نهائياً، لأن طبيعة الإمكان ذاتها هي طبيعة الانفتاح والاحتمال والتجدد، فلا وجود لإمكان نهائي يستنفد كل الإمكانات، كما لا وجود لتحقق نهائي يغلق كل آفاق الإمكان. وما الوجود برمته في أفق هذه القراءة إلا ذلك النسيج الممتد بين القوة والفعل، بين الاستعداد والتحقيق، بين النقص والكمال وبين الغياب والحضور. وكل وجود يحقق شيئاً من إمكاناته يفتح في الآن ذاته إمكانات جديدة لا تحصى وكل معرفة تكشف عن وجه من وجوه الحقيقة تترك وراءها أسئلة أكثر من التي أجابت وكل فعل خلاق ينشئ عالماً جديداً يفتح الباب أمام عوالم أخرى لم تكن لتوجد لولاه. والإنسان ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في لحظة الإمكان والتحقق معاً، هو وحده القادر على تذوق هذه المفارقة الوجودية في أعماقه وهو وحده القادر على أن يحمل هم الإمكان في قلبه وعقله فلا يرضى بما هو كائن ولا يقنع بما قد تحقق بل يظل مشدوداً إلى ذلك الأفق البعيد حيث تنتظره إمكاناته غير المحققة، حيث ينتظره ما لم يصر بعد، حيث ينتظره هو نفسه في صور لم تتبلور وفي أشكال لم تبرز إلى النور. ويظل الوجود الإنساني في جوهره ذلك التوتر الخلاق بين الإمكان والتحقق، ذلك السعي الدؤوب نحو تحقيق ما هو ممكن من دون أن يصل أبداً إلى نقطة الاستقرار والكمال النهائي، لأن الكمال لو تحقق لانتهى الإمكان ولتوقفت الحياة ولجفت ينابيع العطاء والتجدد. إن جمال الوجود وسر قوته إنما يكمنان في عدم اكتماله وفي بقائه مفتوحاً على كل الاحتمالات وفي استمرار سؤال الإمكان يتردد في أرجائه من دون كلل ولا ملل داعياً الإنسان إلى أن يكون وإلى أن يتحقق وإلى أن يظل في آن واحد حاملاً لإمكاناته وحاجزاً لحدودها محققاً لوجود ومفتتحاً لوجود آخر يليه. وفي هذا الأفق الفلسفي المفتوح يبقى السؤال الأزلي قائماً إلى أي حد يمكننا أن نكون؟ وإلى أي مدى نستطيع أن نحقق ما نحمل من إمكانات؟ وإلى أي غد ينتظرنا ذلك الوجود الذي لم نبلغه بعد، لكنه ينادينا من أعماق إمكاننا بكل ما نملك من قوة وأمل ورجاء؟.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم