عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: وعي التجاوز وأزمة المثقف

صناعة الأبطال المزيفين في نظام التفاهة.. المرتكزات الوجودية للوعي البشري من السكون إلى الفاعلية

تتبدى رحلة المثقف الوجودية كعملية انتقال معقدة وعميقة، تتحرك من نمط وجودي يتسم بالجمود والتبعية الكامنة، إلى نمط آخر محكوم بالحرية الكاملة والمواجهة الجذرية مع الذات والواقع. في هذا الإطار، تقدم الفلسفة الوجودية تمييزاً ثنائياً حاسماً بين مستويين من الكينونة:

"الوجود في ذاته" و"الوجود لذاته". يمثل الوجود في ذاته كينونة الأشياء والموجودات المادية غير الواعية؛ وهو وجود مكتفٍ بذاته، مصمت، ثابت، وسكوني لا يملك القدرة على تغيير طبيعته أو التجاوز نحو المستقبل، مثل الحجر أو الشجرة. في المقابل، يتجسد الوجود لذاته في وعي الإنسان بوصفه كائناً قادراً على ممارسة النفي والرفض، والقدرة على قول "لا" في وجه المألوف والسائد. هذا الوعي يختبره البشر كفجوة أو تصدع مستمر في صلب الكينونة، مما يجعله تعبيراً عن العدم الخلاق الذي يسمح بإعادة تقييم الماضي وإسقاط الذات نحو آفاق المستقبل عبر ممارسة الحرية المطلقة. إن الوعي البشري، من هذا المنظور، ليس جوهراً ثابتاً أو قالباً جامداً، بل هو دائماً وعي متوجه نحو شيء ما، ولا يمكنه أبداً أن يتطابق مع ذاته تطابقاً تاماً إلا إذا فقد خاصية التجدد والتجاوز.

تتأسس هذه الثنائية في علم الكينونة على مرجعيات فكرية واضحة؛ إذ تجد جذورها الفكرية الأولى في مبدأ الوعي الذاتي الديكارتي، حيث ينطلق الوعي من إثبات الذات المفكرة كشرط أساسي للوجود. ومع ذلك، فإن الفلسفة الوجودية المعاصرة تتجاوز هذا الطرح الكلاسيكي عبر تقديم وعي سابق على التأمل؛ وعي لا يستبطن فيه الفكر ذاته كموضوع معزول في برج عاجي، بل يشتغل مباشرة على العالم الخارجي ويتفاعل مع معطياته اليومية. ويمكن مقارنة هذا الانقسام بالثنائية الشهيرة بين عالم الجوهر الممتد وعالم الجوهر المفكر، حيث يتضح أن الفلاسفة الوجوديين قد عاشوا هذه الثنائية في سياق عملي وسلوكي في فترات الأزمات الكبرى والاحتلال، حيث تحول الشك المنهجي من ترف فكري إلى انخراط مباشر في المقاومة الوطنية والفعل الثوري. وبذلك، تصبح الحرية مرادفة للوجود الإنساني نفسه؛ فالإنسان محكوم بالحرية، ولا يمكنه الفكاك منها دون السقوط في مأزق "سوء النية"، وهو الهروب الواعي من استحقاقات الاختيار والمسؤولية الإنسانية عن مصير العالم. وفي غياب أي مرجعية خارجية تمنح العالم معنى جاهزاً ومسبق الصنع، يغدو القلق واليأس الوجودي علامتين أساسيتين تكشفان عن حقيقة الكينونة وتضعان الحرية في مواجهة مباشرة مع ذاتها ومسؤولياتها التاريخية.

هشاشة الوجود والاغتراب في العصر الحديث

تقترن هذه الرحلة الوجودية بتشخيص دقيق لـ "هشاشة الوجود" الإنساني والاغتراب كشرطين ملازمين للوعي الحديث والمعاصر. إن الوجود البشري يبدأ تاريخياً من تجربة "القذف" في زمن محدد وسياق موضوعي لم يترقبه الإنسان، يدرك فيه المرء تناهيه وموته الحتمي الكامن في أفق المستقبل. ومن هنا، فإن الانشغال بتفاهات الحياة اليومية والذوبان في الحشود يمثل وجوداً زائفاً، وسقوطاً يهرب فيه الإنسان من فرديته الأصيلة وفرصته في صناعة معناه الخاص. الوجود إذن ليس حالة ساكنة، بل هو كينونة متواصلة وصيرورة دائبة تبدع نفسها عبر الحرية والاختيار المستمر. وتنبع التجربة الوجودية الحقيقية من إحساس مرهف بمدى سيولة وهشاشة الكينونة الإنسانية وسرعة عطبها أمام عواصف التاريخ وتغول الهياكل الاندماجية القسرية التي تسعى لتنميط الوعي البشري وإلغاء خصوصية الوعي النقدي.

هذا الاغتراب يتضاعف عندما يجد المثقف نفسه محاصراً بآليات اجتماعية وسياسية تعمل على تجريف المعنى. فالإنسان المغترب هو الذي ينفصل عن نتاج عمله وعن فكره، ليصبح ترساً في آلة ضخمة لا ترحم. والمثقف، بوصفه حامل مشعل الوعي لذاته، يختبر هذا الاغتراب بشكل مضاعف؛ فهو غريب في مجتمعه الذي يرفض الاستيقاظ، وغريب لدى السلطة التي ترى في وعيه التجاوزي خطراً يهدد استقرارها السكوني المبني على التدجين. من هنا، يصبح الاغتراب ليس مجرد حالة نفسية فردية، بل بنية اجتماعية وسياسية شاملة تُحكم قبضتها على الفضاء العام، وتدفع بالوعي النقدي نحو حافة الانتحار المعرفي أو الانكفاء العقيم.

تغول نظام التفاهة وتواطؤ النخبة

إن هذا الاغتراب المعاصر لا يحدث في فراغ، بل يأتي استجابةً وتماهياً مع سياق بنيوي أشمل يمكن تسميته بـ "نظام التفاهة". في هذا النظام، يتم تنحية الكفاءات الحقيقية والمواقف الفكرية الراديكالية لصالح الابتذال، والمساومة، والسطحية المقننة. يغدو التافهون والمبتذلون هم قادة الرأي العام وصنّاع التوجهات الجماعية، ويتحول الفضاء الثقافي والسياسي إلى سوق مفتوحة للمزايدات، وتوزيع الغنائم، والشعارات الجوفاء التي لا رصيد لها في الواقع المعرفي. وبدلاً من أن يقف المثقف سداً منيعاً في وجه هذا التغول، نجد قطاعاً واسعاً من النخبة يسقط إرادياً في فخ هذه المنظومة من خلال تقديم تنازلات معرفية وقيمية مستمرة، مبررين ذلك بالواقعية السياسية أو بضرورة البقاء وصيانة المكتسبات الذاتية والوجاهة الاجتماعية.

هذا التواطؤ النخبوي هو أقصى درجات تجلي مأزق "سوء النية"؛ حيث يتخلى المثقف عن وظيفته التاريخية والرسالية كمنارة لإنتاج الوعي النقدي وتفكيك البنى السلطوية، ليتحول إلى أداة تبريرية ترش السكر المعرفي فوق جثة الحقيقة. إنه يشارك بنشاط، عبر صمته أو تبريره، في إعادة إنتاج آليات "الاستحمار" المعرفي؛ ونعني بالاستحمار هنا ذلك التزييف الممنهج لوعي الإنسان وتوجيه طاقاته نحو معارك وهمية وجانبية، لإقصائه وإبعاده تماماً عن معركته الأساسية من أجل الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. في هذا المناخ الفاسد، يصبح وجود الوعي الحقيقي خطراً تدميرياً، وتتحول التفاهة إلى معيار أوحد للترقي والقبول داخل النسق المؤسساتي والسلطوي.

سيكولوجية الاستحمار وصناعة الأبطال المزيفين

ترتيباً على ما تقدم، ترتبط هشاشة الوجود وتغول التفاهة بظاهرة نفسية واجتماعية بالغة الخطورة، وهي ظاهرة "صناعة الأبطال المزيفين" بوصفها آلية تعويضية نفسية يلجأ إليها المجتمع، وتتورط فيها الشرائح المثقفة المستلبة، لمواجهة القمع، وبطش السلطة، وغياب البيئة الحرة للفعل الفكري. عندما تصاب الجماهير بالشلل البنيوي والعجز الهيكلي عن إحداث تغيير حقيقي في واقعها المأزوم، يولد لديها نزوع جماعي لا واعٍ نحو ابتكار "مخلص" أو "صنم بطولي" يرفع عنها عبء المسؤولية التاريخية واستحقاقات المواجهة. إن هذا السلوك يعكس تجلياً صارخاً لسيكولوجية الهروب من الحرية؛ حيث يتم إسقاط صفات البطولة والقدرة المطلقة على أفراد عاديين، بل وتائهين في كثير من الأحيان.

أزمة المثقف: بين الانخراط الرسالي والتهميش التاريخي

تبرز أزمة المثقف في هذا السياق المعقد كشخصية إشكالية وتراجيدية تتأرجح بين الفعل الفارق والتهميش القسري في النسيج الاجتماعي والسياسي. ففي لحظات الاندفاع الأولى والنهوض الوطني، يظهر المثقف كقائد ومحرض فكري يصنع الوعي ويوجه بوصلة الجماهير نحو التحرر الفعلي والانعتاق من ربقة الاستبداد. غير أنه سرعان ما يتم استبعاده وتحويله إلى كائن هامشي في اللحظات اللاحقة لانتصار الحركة أو هدوء العاصفة؛ حيث يستثمر المتزعمون النفعيون والوجهاء التقليديون تحريضه ونضاله الفكري، ليرتقوا على أكتافه التنويرية نحو كراسي السلطة ومراكز النفوذ، دون الالتفات إليه أو مراجعة أفكاره وبناء الدولة على أسس فكرية متينة.

هذا التهميش التاريخي المتكرر يدفع ببعض المثقفين إلى الانكفاء النفسي والانسحاب نحو السلبية المطلقة، والعيش في ظل واقع خانق ومغبر يشبه حالة الاختناق بالغبار الكثيف التي يعيشها البطل المغترب الذي تضعف صلته بالواقع المعاش قبل أن يقرر مغادرة وطنه مادياً أو روحياً. ويتحول المثقف هنا، بفعل الخيبة والخذلان، من عنصر محرك للتاريخ ومجسد حي للوجود لذاته إلى كائن مستسلم يبرر عجزه بالهروب والإنكار العقيم، متبنياً مواقف العدمية السلبية التي لا تنتج أثراً، ومساهماً من حيث لا يدري في تكريس بنية الاستحمار التي ثار ضدها في البداية. إن هذا الانكفاء ليس سوى سقوط جديد في نمط "الوجود في ذاته"، حيث يفقد المثقف قدرته على النفي، ويصبح مجرد صدى للواقع بدلاً من أن يكون صانعاً لمساراته.

أفق الخلاص

إن الخروج من مأزق تغول التفاهة وتفكيك مصنع الأبطال المزيفين يتطلب من المثقف قفزة وجودية راديكالية تعيده إلى مربع "الوجود لذاته" الفاعل والملتزم. الخلاص لا يكمن في الانسحاب أو البكاء على الأطلال المعرفية، بل في تبني "المواجهة" كخيار أنطولوجي وأخلاقي غير قابل للمساومة. يجب على المثقف أن يمارس النقد المزدوج:

نقد السلطة المتغولة التي تنتج التفاهة وتشرعنها، ونقد الجماهير المستسلمة لاستلابها والتي تصنع جلاديها وأبطالها الورقيين بملء إرادتها وعاطفتها العمياء.

إن الالتزام في الفضاء الوجودي يعني اعتراف المثقف بحريته المطلقة ومسؤوليته الكاملة عن أفكاره ومجتمعه، ورفضه القاطع لـ "سوء النية" الذي يزين له الصمت أو التبرير أو الانخراط في قطيع التافهين. إن تحطيم الأصنام المزيفة يبدأ من تعرية آليات الاستحمار، والكشف عن الزيف البنيوي الذي يغلف المشهد الثقافي والسياسي، وإعادة الاعتبار للمشروع التنويري الأصيل القائم على العقلانية، والكرامة الإنسانية، والحرية المسؤولة. عندها فقط، يمكن للمثقف أن يستعيد دوره كفاعل تاريخي ومحرك للكينونة الاجتماعية، محولاً الوعي من كينونة منكفئة على ذاتها إلى طاقة تجاوزية تبني واقعها وتصنع مستقبلها بكامل الحرية والأصالة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم