عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: من وحدة الحقيقة إلى تعدد أنظمتها

في التحولات الإبستمولوجية للفلسفة المعاصرة

في زمن تسارعت فيه إيقاعات المعرفة وتشظت فيه الآفاق المعرفية إلى أطياف متباعدة وتناثرت فيه اليقينيات كزجاج تحطمته يد الشك، لم يعد من الممكن للعقل أن يوهم نفسه بأنه يمسك بجوامع الحقيقة في قبضة واحدة أو أنه يقف على أرض صلبة ترتكز عليها معارفه كلها دونما تصدع أو اهتزاز. فالحقيقة التي كانت في الفلسفة الكلاسيكية بمثابة النجم الثابت الذي تستدير حوله المدارات المعرفية كلها صارت في الفلسفة المعاصرة أشبه بمنظومة كونية متحركة لا مركز لها بل هي عوالم متعددة تتقاطع وتتباعد، لكل منها جاذبيتها الخاصة ولكل منها قوانينه التي تحكم حركة الأجرام المعرفية داخله. لقد كان العصر الحديث بامتداداته الديكارتية والكانطية قد كرس فكرة العقل الواحد الموحد الذي يملك قدرة فطرية على إنتاج المعرفة الصحيحة وفق قوانين كلية لا تتبدل بحيث أصبحت الحقيقة مرادفة للكلية والضرورة وأصبح السعي وراءها بمثابة السعي وراء نقطة أرخميدس التي يرفع بها الفكر العالم. لكن هذا التصور النقي الذي تغذيه المثالية الألمانية وتسنده علوم الطبيعة الناشئة لم يلبث أن تصدع على وقع نقد الفلسفة لنفسها ونقد العلم لأسسه ونقد اللغة لقدراتها حتى أضحى الحديث عن حقيقة واحدة وكأنه حلم جميل لكنه مستحيل التحقق أو أسطورة قديمة لا تليق بعقلٍ بات يعرف حدود نفسه ويعرف هشاشة أدواته.

وفي خضم هذه التحولات العنيفة تبرز أمامنا مهمة إبستمولوجية جديدة لا تقل صعوبة عن المهمات الكبرى التي واجهتها الفلسفة عبر تاريخها وهي مهمة التفكير في الحقيقة بعد أن تفككت وحدتها والبحث عن معنى للمعرفة بعد أن فقدت المعرفة ضماناتها الميتافيزيقية واستكشاف إمكانية التعدد دون الانزلاق إلى فوضى اللاأدرية أو الوقوع في شرك النسبية التي تسوي بين الغث والسمين. إن هذه المهمة تتطلب منا أن نعيد النظر في كل ما ورثناه من مفاهيم حول العقل والواقع واللغة وأن نجرؤ على طرح أسئلة جديدة كانت الفلسفة التقليدية تظن أنها قد أجابت عنها إجابة نهائية، هل يمكن أن تكون الحقيقة نسقا من الأنساق ونظاما بين أنظمة وكيف يمكن لنظامين مختلفين أن يتجادلا حول الصدق والخطأ إذا كان لكلٍّ منهما معاييره الخاصة؟ وهل من سبيل إلى التفاهم بين هذه الأنساق دون أن نضطر إلى اختزالها في نسق واحدٍ مهيمن؟ هذه الأسئلة وغيرها هي التي ستحاول هذه الأسطر مقاربتها سائرة في دروب الفلسفة المعاصرة حيثما تقودنا مستعينة بأقوال من أناروا الطريق من فلاسفة العلم والتأويل والتفكيك غير مدعية الوصول إلى حلول نهائية بل طامحة إلى رسم خارطة لرحلة العقل في زمن التعدد، رحلة لا تخلو من متاهات لكنها في عمقها رحلة اكتشاف لا رحلة ضياع.

تلك اللحظة التي يشرع فيها العقل في تأمل علاقته بالحقيقة لا يلبث أن يجد نفسه منقسما بين رغبة جامحة في الإمساك بجوهر ثابت وروعَة تكتنفه حين يتبين أن ما كان يظنه حقيقةً مطلقةً إنما هو بناءٌ لغويٌّ أو تشكيلٌ ثقافيّ أو أثرٌ تاريخيّ. الفلسفة المعاصرة في أعمق تحولاتها الإبستمولوجية لم تأت لتقرر انهيار مفهوم الحقيقة بل جاءت لتكشف عن أن الحقيقة لم تكن يوما وحدةً منسجمةً في ذاتها بل كانت دائما أثرا لتجليات متعددة وأن ما نسميه "وحدة الحقيقة" ليس سوى وهمٍ نشأ عن سطوة نموذج معرفي معين استطاع أن يفرض نفسه بوصفه النموذج الوحيد الممكن للعقلانية. ولعل أبلغ ما يعبر عن هذا التحول هو ذلك السؤال الذي يظل يتردد في نصوص الفلاسفة المحدثين، أليس في إمكاننا أن نفكر في حقائق متعددة لا بمعنى النسبية الفوضوية بل بمعنى تعدد الأنساق المعرفية التي تنتج كلٌّ منها حقيقتها ضمن شروطها الخاصة؟

إذا رجعنا إلى الجذور الأولى لهذا التحول نجد أنه سبق وأن كانط قد مهّد الطريق حين فصل بين العقل النظري والعقل العملي وجعل لكلٍّ منهما مبادئه وقوانينه التي لا تختزل في الأخرى. ففي حين كان العقل النظري يسعى إلى قوانين الطبيعة الكلية، كان العقل العملي ينفتح على مجال الحرية والأخلاق، وهنا تكمن البذرة الأولى لتعدد أنظمة الحقيقة إذ لم يعد العقل مطالبا بأن ينتج حقيقة واحدة موحدة بل أصبحت مهمته أن ينسق بين أنماط مختلفة من المعرفة، لكلٍّ منها منطقها الداخلي. لكن التحول الحقيقي لم يأت مع كانط وحده بل مع من جاءوا بعده ممن قرؤوه قراءة مختلفة وعلى رأسهم نيتشه الذي أعلن بجرأة أن "الحقيقة هي ذلك الجيش المتحرك من الاستعارات والمجازات والكنايات"، مقلبا بذلك كل التصورات التقليدية التي كانت تنظر إلى الحقيقة بوصفها مرآة تعكس الواقع كما هو.

وإذا كانت فلسفة نيتشه قد أطلقت العنان لتفكيك مفهوم الحقيقة الواحدة فإن فلسفة فتغنشتاين في مرحلتيها المختلفتين، قد قدّمت نموذجا آخر لهذا التعدد. ففي "رسالة المنطق-الفلسفية" كان لا يزال أسيرا لفكرة أن اللغة تعكس بنية الواقع وأن هناك حدودا للعالم تتطابق مع حدود اللغة، لكنه في "بحوث فلسفية" نقض كل ذلك حين تحدث عن "أشكال الحياة" وألعاب اللغة المتعددة، مؤكدا أن لكل لعبة لغوية قواعدها الخاصة وأنه ليس هناك ما يُدعى "جوهرا" مشتركا بين جميع الألعاب بل ثمة تشابهات عائلية تسمح لنا بأن نتحدث عن اللغة بوصفها ظاهرة إنسانية متعددة الأوجه. إن الحقيقة لم تعد شيئا واحدا يمكن أن يُختزل في صيغة نهائية بل أصبحت نتاجا لممارسات لغوية تختلف باختلاف السياقات والمواقف.

غير أن التحول الإبستمولوجي الأكثر حسما في الفلسفة المعاصرة يتمثل فيما يمكن أن نسميه "الانتقال من نظرية المعرفة إلى فلسفة العلم"، حيث أصبح العلم نفسه الذي كان يُعتبر النموذج الأسمى للمعرفة اليقينية موضعا للنقد والمراجعة. فهذا التحول الذي بدأ مع بوبر ونظريته حول قابلية التكذيب واستمر مع توماس كوهن وفيرابند قد كشف أن المعرفة العلمية ليست بناءً تراكميا متجانسا بل هي تاريخٌ من الثورات والانقطاعات، وأن ما يُعتبر حقيقة علمية في عصر ما قد يصبح مجرد أسطورة في عصر آخر. لقد أظهر كوهن في كتابه "بنية الثورات العلمية" أن العلم يتقدم عبر نماذج يفرض كلٌّ منها رؤيته الخاصة للعالم وأن الانتقال من نموذج إلى آخر ليس عملية عقلانية محضة بل يشبه التحول الجشطالتي، حيث يرى العالم بعيون جديدة. وإذا كان الأمر كذلك فليست هناك حقيقة علمية واحدة نهائية بل هناك أنساق متعاقبة من المعرفة كلٌّ منها ينتج حقائقه في ضوء افتراضاته الأساسية.

إن هذا التفكيك المستمر لمفهوم الحقيقة الواحدة لم يأت من فراغ بل كان ثمرةً لتراكمات نقدية متصلة بدأت مع هيوم الذي شكك في فكرة السببية كضرورة عقلية ثم مع كانط الذي أعاد تعريف العلاقة بين الذات والموضوع وبلغت ذروتها مع هوسرل وظاهرة الوعي حيث بيّن أن كل معرفة هي معرفة لذات مفارقة وأن العالم الذي نعرفه ليس عالما في ذاته بل عالما كما يظهر للوعي. لكن الظواهرية نفسها بمشروعها الرامي إلى الوصول إلى "الأشياء نفسها" كانت لا تزال أسيرة لحلم الوحدة، وهو الحلم الذي سيتفكك تماما مع هيدغر الذي أعلن أن الكينونة نفسها تتجلى في أزمنة ولغات متعددة وأن كل عصر تاريخي له فهمه الخاص للكينونة، والحقيقة عند هيدغر ليست صفةً من صفات القضايا بل هي حدثٌ يقع في التاريخ وهي انكشافٌ للكينونة في آنٍ معا وهذا الانكشاف ليس واحدا بل متعدد بحسب أفق كل عصر.

ولعل ما يعزز هذا التعدد الإبستمولوجي هو ذلك التوجه الذي يسميه البعض "ما بعد الحداثة"، والذي يجمع بين نقد العقلانية الغربية ونقد الميتافيزيقا التقليدية في الآن نفسه. لقد ذهب جيل دولوز وفليكس غتاري في مؤلفهما "ما الفلسفة؟" إلى أن الفلسفة ليست تأملاً في الحقيقة الواحدة بل هي إبداع لمفاهيم جديدة وكل مفهوم هو حقيقة في حد ذاته يتشكل ضمن سياقه التاريخي والمشكلاتي. وبذلك فإن الحقيقة الفلسفية ليست انعكاسا لواقع متعال بل هي بناءٌ مفهومي له فعاليته في تحويل الرؤى وإعادة تشكيل الأسئلة. أما ميشيل فوكو فقد مضى بعيدا في هذا الاتجاه حين كشف عن علاقة المعرفة بالسلطة مؤكدا أن كل نظام معرفي لا ينتج حقائق فحسب بل ينتج أيضا أشكالاً من السيطرة والإقصاء وأن ما يُعد حقيقة في مجتمع ما ليس سوى نتاج لتشكيلات خطابية تاريخية محددة. صحيح أن فوكو لم يكن نسبيا بالمعنى الساذج لكنه كان يرى أن الحقيقة ليست شيئا يُكتشف بل شيئا يُنتج عبر ممارسات خطابية ومؤسسية تخضع لتغيرات تاريخية مستمرة.

ويتبدى لنا أن التحول من وحدة الحقيقة إلى تعدد أنظمتها ليس مجرد تغير في المواقف الفلسفية بل هو تحول جذري في طريقة فهم العقل لذاته ولعلاقته بالعالم. العقل لم يعد تلك المحكمة الكلية التي تزن كل القضايا بميزان واحد بل أصبح مضطرا إلى الاعتراف بأن هناك عقولاً متعددة بل أن العقل الواحد نفسه ينقسم إلى أنماط متباينة من الممارسة المعرفية. فالعقل الرياضي يختلف عن العقل التأويلي والعلمي يختلف عن الأدبي والمنطقي يختلف عن الجمالي وكلٌّ منها ينتج حقيقته بما يتناسب مع أسئلته ومناهجه وغاياته. وإذا كان هذا الاعتراف بالتعدد قد خلق مشكلة جديدة وهي مشكلة التواصل بين هذه الأنساق المعرفية المختلفة، فإنه في الوقت نفسه حرّر الفلسفة من هيمنة نموذجٍ واحدٍ للحقيقة وفتح أمامها آفاقا جديدة لإعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والعالم، بين الذات والموضوع وبين اللغة والواقع.

لكن السؤال الذي يظل ماثلاً بكل ثقله هو إذا كانت الحقيقة متعددة فكيف يمكننا أن نميز بين المعرفة الصادقة والمغالطة، بين الحقيقة والوهم وبين الإنتاج المعرفي المشروع والسفسطة؟ هذا السؤال الذي يلح على الفلسفة المعاصرة بإلحاح لا يمكن الإجابة عليه بالعودة إلى معايير كلية أو أسس مطلقة بل يتطلب منا إعادة التفكير في مفهومنا للعقلانية ذاتها. فلعل العقلانية لم تعد تعني الخضوع لنموذج معرفي واحد بل تعني القدرة على التمييز بين الأنساق المختلفة وفهم شروط كلٍّ منها والقدرة على النقد والمراجعة في ضوء تلك الشروط. وهذا ما يجعل الموقف الإبستمولوجي المعاصر ليس موقفا هداما أو فوضويا بل موقفا نقديا يدرك أن التعدد ليس نقصا بل ثراءً وأن الحقيقة الواحدة التي كان العقل يبحث عنها قد تكون مجرد وهمٍ ناتج عن رغبة قديمة في التماسك والاطمئنان.

يمكننا في هذا السياق أن نفهم لماذا أصبحت فلسفة العلم وفلسفة اللغة والتأويل والتفكيك كلُّها تلتقي على أرضية نقد فكرة الحقيقة الواحدة. فبينما تسعى فلسفة العلم إلى تفكيك الأساطير التي تحيط بالمعرفة العلمية، تسعى فلسفة اللغة إلى كشف الأوهام التي تتعلق بقدرة اللغة على تمثيل الواقع ويذهب التأويل إلى أن كل فهم هو دمج لأفق المفسر في أفق النص وأن الحقيقة التأويلية ليست انطباقا على معنى واحد بل هي سلسلة من التأويلات المفتوحة. أما التفكيك بمعناه الدريدي فيكشف أن كل نص يحمل في طياته ما ينقض وحدته وأن المعنى لا ينضب في حضور واحد بل يتأجل في سلسلة من الإحالات التي لا تنتهي. والفلسفة المعاصرة في مجموع هذه التيارات لم تكن مجرد نقدٍ للحقيقة الواحدة بل كانت إعادة بناء لمفهوم الحقيقة نفسها بحيث أصبحت الحقيقة شيئا يحدث ويتجلى ويتعدد بدل أن تكون شيئا يُعرف ويُثبت ويُختزل.

لقد أصبح واضحا أن كل محاولة للإمساك بحقيقة نهائية خالدة كلية هي محاولة يعتورها القصور، وذلك لأن الحقيقة كما يراها هانس جورج غادامر هي شيء يتشكل في عملية الحوار والتفاهم، وهي دائما أفقية ترتبط بزمانية الفهم وشرطية التاريخ.

ومفهوم "التعدد" ليس مفهوما سلبيا أو نقصا عن الوحدة بل إيجابيا بامتياز، لأنه يعكس غنى الواقع وتنوع تجلياته ويعكس أيضا قدرة العقل البشري على التكيف مع سياقات متعددة دون أن يخسر هُويته. وحين ننظر إلى الفلسفة المعاصرة من هذه الزاوية نجد أنها لم تتخلَّ عن مشروع العقلانية بل أعادت تعريفه وجعلته أكثر تواضعا وأكثر انفتاحا على اختلاف الثقافات والأزمنة والألسن. والتحول الإبستمولوجي الذي نعيشه اليوم ليس قطيعة مع الماضي بل هو استمرار للنقد الذاتي الذي طالما ميز الفلسفة الغربية عن غيرها من الخطابات، وهو امتداد لذلك التساؤل السقراطي الذي لا يكل عن حدود المعرفة وإمكانياتها.

والسؤال الذي يطرح هنا هو إذا كنا قد تجاوزنا فكرة الحقيقة الواحدة إلى فكرة تعدد أنظمتها فهل يعني ذلك أن الحقيقة أصبحت مجرد مصطلح فارغ؟ كلا بل إن الحقيقة في منظور هذا التحول هي مفهوم لا يقل ثراءً وقوة لكنه تحرّر من الأسطورة التي كانت تريد له أن يكون واحدا. وإذا كان الفيلسوف المعاصر قد تخلّى عن حلم الحقيقة المطلقة فإنه لم يتخلَّ عن السعي نحو الفهم الأعمق بل إن تخليه عن هذا الحلم يجعله أكثر قدرة على الإنصات لاختلاف الأصوات وأكثر استعدادا للاعتراف بأن كل نظام معرفي يحمل في داخله قيمته وحقيقته النسبية وأكثر وعيا بأن الحقيقة ليست وجهةً نصل إليها بل هي طريقٌ نسلكه ونسلك فيه دون أن نبلغ نهايته.

ولقد حاول هيغل أن يحل هذه المعضلة من خلال فكرة الجدل الذي يتجاوز التناقضات في تركيب أعلى حيث تتحقق الحقيقة النهائية في نهاية المطاف كوحدة جدلية تنبثق من تضافر كل الاختلافات. لكن هذه الحل الهيغلي مهما كانت عبقريته يظل أسيرا لفكرة "النهاية" و"التمام" التي لا تليق بمناخ فلسفي معاصر يعتبر الانفتاح واللامحدودية من خصائص الفكر الحي. إن الفلسفة المعاصرة كما يراها إيمانويل ليفيناس قد تخلت عن طموح الكل والشمول، ليس لأنها عاجزة عنه بل لأنها تدرك أن كل كلية تحمل في طياتها عنفا ضد المختلف وأن أي محاولة لاختزال تعدد الحقائق في حقيقة واحدة هي محاولة إقصائية تمحو خصوصية الأنساق الأخرى وتفرض عليها منطقا لا ينتمي إليها، وتعدد أنظمة الحقيقة ليس فوضى معرفية بل هو اعتراف بأن الآخر سواء كان نظاما معرفيا أو ثقافة أو لغة يحمل في داخله حقيقة خاصة به تستحق أن تفهم بشروطها لا بشروطنا نحن.

وهذا يجرنا بالضرورة إلى دور اللغة بوصفها الوسيط الأساسي الذي تتحقق من خلاله الحقيقة أو بالأحرى الحقائق. فإذا كانت اللغة في تصور الفلاسفة المعاصرين ليست أداة شفافة تنقل المعاني وتصور الواقع بل هي نظام يفصل ويشكل ويسهم في تكوين ما نسميه حقيقة فإن تعدد اللغات ليس مجرد تعدد أصوات بل هو تعدد عوالم. لقد ذهب فلهلم فون هومبولت إلى القول بأن كل لغة تحمل في داخلها رؤية خاصة للعالم وأن الترجمة بين اللغات ليست نقلاً للمعاني بل هي إعادة خلق لها في أفق لغوي مختلف. وهذا الطرح يجد صدى عميقا في فلسفة العلوم المعاصرة حيث يرى العديد من فلاسفة العلم وعلى رأسهم بول فايرابند أن النظريات العلمية المختلفة تشبه اللغات المختلفة، كل منها ينظم العالم بطريقته الخاصة ولا يوجد ما يبرر القول بأن لغة علمية معينة يمكن أن تختزل كل اللغات الأخرى أو أنها تمثل "الواقع في ذاته" بينما الأخرى تمثل انحرافا عنه. إن ما يسمى بـ"التناسب في الترجمة" الذي تحدث عنه كواين أو "اللامقايسة" التي أشار إليها كوهن، كلها تشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن المعرفة لا تنمو في خط مستقيم نحو حقيقة مطلقة بل هي تنمو في فروع متشعبة، كل فرع يتطور وفق قوانينه الداخلية وكل فرع ينتج حقائق لا يمكن قياسها بمعايير الآخرين.

إن الاعتراف بهذا التعدد الجذري لا يعني كما يتوهم البعض، الوقوع في هوة النسبية المطلقة التي تسوي بين المعرفة والعلم والخرافة. بل إن التعدد الذي نعنيه هو تعدد مرجعي بمعنى أن كل نظام معرفي يحمل معيار صدقه داخله وأن الحقيقة في كل نظام هي تحقيق لشرائطه الخاصة وليس خرقا لها. فالقضية العلمية صادقة إذا كانت متوافقة مع المنهج العلمي ومعطيات التجربة في سياق نموذج معين، والقضية الأخلاقية صادقة إذا كانت متوافقة مع مبادئ الفعل الخيري في سياق أخلاقي معين، والقضية الجمالية صادقة إذا كانت محققة لجمالية الفن في سياقها التذوقي. وليس من الحكمة أن نحاكم القضية الأخلاقية بمعايير العلم أو القضية الجمالية بمعايير المنطق فكل نظام يحمل مشروعيته في منهجه وليس في انطباقه على نظام آخر. وربما كان في هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه "التعدد المسؤول" أي تعدد لا ينفي وجود معايير بل ينوعها ويوسع مجالها بحيث يصبح المثقف أو الفيلسوف قادرا على التنقل بين الأنساق دون أن يختزل أحدها في الآخر بل وهو قادر في الوقت نفسه على إقامة جسور من التفاهم بينها دون أن يطمس خصوصياتها.

لكن السؤال العميق الذي لا مفر منه هو إذا كان كل نظام معرفي مغلقا على منطقه الداخلي فكيف يمكن الفهم بين الأنظمة وكيف يمكن النقد وكيف يمكن التقدم المعرفي الذي لا يستغني عن الحوار بين التخصصات المختلفة؟ هنا نصل إلى المفارقة المركزية في التحول الإبستمولوجي المعاصر.

 إن تعدد الأنظمة لا يمنع التواصل بل يجعله أكثر ضرورة وأكثر إبداعا. فالتواصل لا يعني التطابق أو الانصهار بل يعني القدرة على فهم الآخر من موقعه دون التخلي عن موقع الغير، وهو ما يسميه غادامير "اندماج الآفاق"، بحيث يلتقي أفق القارئ بأفق النص دون أن يلغى أحدهما الآخر بل ينتجان معا معنى جديدا لم يكن موجودا في أفق أي منهما على انفراد.

إن الفلسفة المعاصرة لم تعد تبحث عن معايير متعالية أو أسس نهائية بل أصبحت تبحث عن "آليات الترجمة" بين الأنساق أو عن "مناطق التداخل" التي تسمح بالتفاهم المتبادل دون إلغاء الاختلاف. وهذا هو بالضبط ما يميز العقلانية الجديدة عن العقلانية الكلاسيكية، الأولى تعترف بالاختلاف وتعده مصدرا للإثراء بينما كانت الثانية تخشى الاختلاف وتحاول إخضاعه للوحدة.

إن هذه الرؤية الجديدة للعقلانية تجد تعبيراتها في فلسفة بول ريكور الذي ربط بين التأويل والأنطولوجيا مؤكدا أن فهم الذات لا يتم في عزلة بل من خلال الطريق الطويل للتأويل حيث نمر عبر الأعمال الثقافية والرموز والأنساق المختلفة لنصل إلى إعادة بناء الذات في ضوء هذه المصادر المتعددة، والذات نفسها في فلسفة ريكور ليست وحدة بسيطة بل هي وحدة متعددة تتشكل من خلال حوار داخلي بين الأصوات المختلفة، وهو حوار يعكس التعدد الإبستمولوجي في مستوى وجودي عميق. وهذا يقودنا إلى الاعتقاد بأن التعدد ليس مجرد سمة من سمات المعرفة بل هو سمة من سمات الوجود البشري نفسه، فالوجود البشري كما يراه ميرلوبو بونتي هو وجود جسدي في العالم، والجسد نفسه هو مركز وجهات نظر متعددة لا يختزل إلى زاوية واحدة ولا يستنفد في رؤية واحدة. والوعي في هذا المنظور ليس وعيا بمادة واحدة بل وعيا بالتشابك والتعقيد وبالحضور المتعدد للعالم في اللحظة الواحدة.

والانتقال من وحدة الحقيقة إلى تعدد أنظمتها ليس رحلة تخل عن الحقيقة بل هو رحلة نحو حقيقة أوسع وأعمق، حقيقة لا تتجلى في معادلة أو مبدأ بل في حوار الأنساق وفي توتر العلاقات بينها وفي القدرة الإنسانية على احتمال هذا التوتر والعيش معه دون أن نستسلم لليأس من المعرفة ودون أن نتمسك بأوهام اليقين البسيط. لقد أثبتت الفلسفة المعاصرة في منعرجاتها المختلفة أن العقل عندما يتخلى عن طموح الهيمنة والكلية يصبح أكثر قدرة على الإنصات وأكثر حكمة في حكمه وأكثر شفافية في اعترافه بحدوده. صحيح أننا فقدنا الأمان الذي كانت تمنحه الحقيقة الواحدة، ذلك الأمان الذي يشبه سكنى بيت محكم الأركان، لكننا ربحنا في المقابل فضاءً مفتوحا حيث يمكننا أن نتنقل بين أنساق المعرفة كمسافرين يكتشفون في كل أفق جديد وجها جديدا للوجود وحيث يمكننا أن نعيش كينونتنا في انفتاح دائم غير منغلقين على وهم الاستقرار النهائي.

وما يمكن أن نستشفه في هذه الأسطر هي أن مفهوم الحقيقة قد تحوّل من ماهية مستقرة إلى حدث متجدد ومن جوهر مكتشف إلى بناء متفاعل ومن ملكية خاصة لعقل مفارق إلى حقل مشترك بين الأنساق المختلفة. إن الحقيقة في سياقنا هذا لم تعد سؤالاً عن المطابقة بين القول والواقع بل صارت سؤالاً عن الفعل والأثر، عن كيفية تحول الأقوال إلى ممارسات وكيفية تشكل الواقع في ضوء الأسئلة التي نطرحها والأطر التي نبنيها. إن الفلسفة المعاصرة لا تقدم لنا يأسا معرفيا بل تقدم لنا تواضعا معرفيا ممزوجا بالجرأة، تواضعا يعترف بعدم امتلاك الحقيقة النهائية وجرأةً تدفعنا إلى مواصلة السؤال والبحث والإبداع في ظل هذا الاعتراف. ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه أعاد للفلسفة دورها الأصلي، ذلك الدور الذي بدأ مع سقراط والذي لم يكن يوما دور المعلّم الذي يمتلك الحقيقة بل دور المحاور الذي يبحث عنها مع الآخرين مدركا أنه كلما اقترب منها ابتعدت لتظهر في أفق جديد داعية إياه إلى مواصلة الرحلة. والحقيقة في فلسفة اليوم تظل تلك النجوم البعيدة التي نرسم عليها مساراتنا لا لنصل إليها بل لتكون النور الذي يضيء دروب بحثنا الدائم ويدفعنا إلى احترام اختلاف الرؤى والانفتاح على كل ما هو جديد وغريب ومغاير، مؤمنين بأن غنى الوجود لا يمكن أن يحويه نظام واحد وأن جمال العقل يكمن في قدرته على العيش مع التعدد لا في هروبه إلى أوهام الوحدة.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم