تقديم: الرواقية مذهب فلسفي قديم حيث نشأت هذه الفلسفة باليونان مع زينون الرواقي في القرن الثالث الميلادي، مذهب فلسفي متكامل الغايات والأهداف، ويمكن التمييز بين الرواقية المبكرة والرواقية المتأخرة، عصر زينون وباقي الفلاسفة اليونان في مدينة أثينا والفلاسفة الرومان أمثال إبكتيتوس وسينيكا والإمبراطور ماركوس أوريليوس، كما تدور الفلسفة الرواقية في ثلاث قضايا: المنطق و الطبيعة والأخلاق، وتدريب العقل على الحكمة والتأمل في الحياة إيمانا بقيمة العقل في تدبير شؤون الانسان، والإيمان بالراحة النفسية أو التوازن النفسي، ملامح الفلسفة في غنى دلالتها وقوتها بوصفها فلسفة تعنى بالحكمة العملية في الحياة، وليست الفلسفة نابعة من التفكير المجرد أو التنظير النظري إلا إذا كانت الرؤية النظرية مهمة في ثنايا الحياة والغايات الخاصة بالوجود الانساني. كتب الرواقي عن الحياة والرغبات والانفعالات، كتب عن الصفات المميزة في الطبيعة الإنسانية، عن الحسد والغضب والانفعالات، كتب عن الانسان والسعادة والفضائل العملية، عناية الرواقي بالحياة والعقل ودعوته للعيش وفق الطبيعة، وكل ما يتطابق مع العقل الكلي. فكل من يرتمي في أحضان الرواقية، وكل من يريد أن يسلك طريقه على خطى الرواقية يستجيب في عمله للخطوات العملية في تحقيق الحكمة والطفر بالسعادة، كما يرغب الرواقي دائما في السلام الداخلي، يريد أن تكون الارادة الموجه لحياتنا، أن يكون الفعل نابع من الذات والتأملات الذهنية للحياة، كذلك التحرر من القلق والتركيز على كل ما يقع تحت سيطرتنا. إننا نواجه الحياة بجرأة وإرادة، الحياة قصيرة جدا ويجب أن يعيش المرء على طبيعته، العفو يطفئ الغضب، والانسجام مع الذات مبدأ ثابت، والصفح يخمد نار الحقد والحسد، والعقل والتوازن في الذات يطفئ لهيب الرغبات والانفعالات، رسائل الرواقي سينيكا وتأملات ماركوس أوريليوس كلها نابعة من الحكمة العملية، نابعة من الفضائل وغايتها، أن يكون الانسان سعيدا بعقله، الغضب مصدره التوقعات الخاطئة، التفاؤل المفرط يولد الإحباط، أن تتوقع كل الاشياء، وأن تأخذ نصيبا من الاحتياط، كما تعتبر العفة فضيلة سامية، فلا يجب الافراط في التفاؤل والزيادة في جرعة الأشياء بالتمني والتقدير الخاطئ، يجب أن يكون الرواقي على استعداد لتقبل الأشياء أي التقليل من التفاؤل، بحيث لا نرسم أحلاما فوق طاقتنا، ولا شيء مستقر لأن مصائر البشر في خطر عندما لا نملك ما يجعلنا نعيش بتناغم مع الطبيعة، أن نترك للعقل يدير أمور حياتنا، كل ما هو جزئي ينتهي، وما هو كلي يبقى خالدا، أن نمدح العقل والروح، ولا نجعل من العطاء المادي أساس حياتنا. لقد كان سقراط شجاعا أمام الموت إيمانا منه بالمبدأ وقناعة راسخة في انفصال النفس عن الجسد، الشجاعة فضيلة، ويعلم الحكيم أن الفضائل العملية تقود الانسان نحو السعادة وسكينة النفس، الفضيلة علم والجهل رذيلة، طريقة سقراط في تعلم الحقيقة وبناء الذات من الداخل، شخصية سقراط لا بد أنها حاضرة في الفلسفة الرواقية مع الميل لتعلم الأشياء والعمل بالحكمة العملية يؤدي الى محبة الحكمة ومزاولتها في الواقع، يحيا الرواقي على أمل أن يحيا وفق الطبيعة وانسجاما مع الذات، كما يدرك الرواقي قيمة العقل واستقامة الحكم ونزاهة الإنسان في الحياة، كلها أدوات مهمة في السمو والرفعة، التجاوز للغضب والانتقام، عدم السماح للنفس بالانحراف، ولادة الانسان بالعقل والحكمة ولادة للسياسة الرشيدة بالعفو والصفح وعدم الانتقام، توزان النفس الانسانية وبناء الانسان أو تحقيق المواطنة العالمية عندما يتم ترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة. الرواقية القديمة والرواقية المتأخرة عناوين عريضة لاسم واحد يتعلق الأمر بالفلسفة الرواقية أو المذهب الجامع للفلسفة والتفلسف، التفكير هنا لا يشمل الأخلاق والفضائل الأخلاقية، بل يشمل علم المنطق والطبيعة، وإذا كان علم المنطق لا يتطابق مع منطق وطبيعيات أرسطو فإن الجانب العملي والحكمة أساس الأفكار القائمة في الرواقية، ولذلك استلهمت الرواقية كفلسفة عملية مبادئها من تيارات ومذاهب مختلفة، من سقراط وحكمته في قول الحقيقة وتدريبه للعقل من خلال المنهج التوليدي، وتدريب الإنسان على الحوار والنقاش في الساحات العمومية إيمانا من الفيلسوف سقراط بقيمة التفلسف، وقوة المنهج في توليد واستخراج الأفكار، والعمل على إعادة تعريفها، وليست الرواقية في عداء مع الأبيقورية رغم قول الفيلسوف أبيقور باللذة الحسية، وعدم التشديد على العقل في تدبير الأشياء أو محاولة الرفع من اللذات الحسية كعامل لإزالة التوتر، ومنح السكينة والهدوء للنفس لأن الرواقية في مبدئها الأصيل تشدد على تطويع الرغبة، وضبط الانفعالات من خلال ترك الأمور للعقل، والتدريب العقلي والروحي لأن قانون الطبيعة يسري على الانسان، وقانون الإنسان حسن تدبير الأمور، كما يبتغيها العقل، والحياة ليست طويلة بل قصيرة جدا، ويجب أن يحيا الإنسان على الأمل أن يحيا وفق قوانين الطبيعة، ولذلك أخرج الرواقيون فكرة المواطنة العالمية، وفكرة الأخوة والمحبة، وسؤال الرواقي المهم: كيف يعيش الانسان؟ هل يحيا الانسان حياة العقل؟ ولماذا نحتاج للفلسفة؟
- الرواقية والتدريبات الروحية
الرواقية مذهب فلسفي يشمل مرحلتين أساسيتين، المرحلة اليونانية والمرحلة الرومانية، وما يجمع المرحلتين مبادئ الرواقية وقناعات الرواقي، جملة من الرسائل والتأملات، والمختصر المفيد في فن الحياة وطرق نيل السعادة، وكذلك العيش بتناغم مع قوانين الطبيعة وقواعد العقل، الحياة بالمعنى البسيط ليست سوى معارك الإنسان مع ذاته، والمعركة الشرسة مع الرغبات الجامحة، وما يهدد سلامة الإنسان في الوجود إذا لم نحسن التعامل مع الرغبات، إذا جنح العقل والنفس جنوحا سلبيا نحو تدمير الذات. فوظيفة الانسان أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن يترجم عنه بأفعاله، أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل، وقد وهبتنا الطبيعة حب البقاء ميلا أساسيا يهدينا الى التمييز بين ما هو موافق لها وما هو مضاد، فنحن نطلب ما ينفعنا ونجتنب ما يضرنا بالطبع(1)، ومدخل الاستكشاف البحث عن الذات في ركام الرغبات، وانحراف الميولات نحو كل ما هو سلبي وهدام لبناء الانسان على قناعات مهمة تؤدي للحكمة العملية، مبادئ أصيلة في المذهب الرواقي تجعل من هذه الفلسفة مرآة الانسان في الواقع، أن يكون إيمان الرواقي شديدا بالفعل المطابق لذاته وللواقع، كل ما يتعلق بالنوايا الطيبة والغايات النبيلة في الحياة القصيرة أصلا، وليست الحكمة سوى استقامة العقل وسلامة الحكم، الحياة ليست ثابتة ولا جامدة، الحياة سيل من الأحداث والوقائع التي يمكن أن تنال من الإنسان، تنال من الجهد والفعل، ويمكن أن يصاب الانسان بخيبات الامل، وهنا تتراخى الهمم والعزائم، وخير للرواقي أن يتوقع كل الاشياء في الحياة، التفاؤل المفرط وانحراف النفس نحو اللذات الهدامة، وكل ما يؤدي للضجر والقلق، أسباب وأشياء تقلل من سعادتنا وبهجتنا في الحياة، وطريق السعادة من خلال وضع قواعد للسلوك الانساني، كل ما يتعلق بالأخلاق وحكم العقل واستقامة الانسان في الحياة، وأن الفعل الاخلاقي لا يكون صحيحا إلا إذا كان موافقا لما تقتضيه قوانين الطبيعة أعني أن الفعل الأخلاقي يتجه إلى تحقيق ما يجري عليه نظام الطبيعة(2)، في الطبيعة كل شيء معلل ومنظم بقوانين ثابتة، وفي الانسان العقل القائم على قواعد ومبادئ تثير في الإنسان الرغبة في المعرفة، وتعليل الأشياء بمنطق وحكمة. حقيقة المذاهب الفلسفية اليونانية كلها تنبع من تفكير عميق في الوجود والموجودات، تفكير عميق في الذات، الفلسفة وليدة تساؤلات وأسئلة جمة في غمار الطبيعة والانسان معا، سؤال الوجود والطبيعة في حكمة قدماء اليونان، وسؤال الفحص والتحري عن حقيقة الانسان، وعلاقته بالطبيعة والوجود، والرواقية بهذا المعنى فلسفة تهتم بالإنسان، وتدريب العقل على المعرفة وفن العيش، فلسفة تلقي على عاتقها هم الانسان وسعادته عندما تنخرط في الحياة وتجعل من وجود الانسان وسلامته أساس بناء منطق سليم للحياة والذوق معا، الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة وبناء الانسان على منطق سلوكي سليم بعيدا عن الانفعالات والأهواء المنفلتة، مهمة الفلسفة علاجية في تقويم الغضب، والنأي بالذات عن القلق وكل ما يزيد الذات توترا، والعيش وفق للطبيعة يعني العيش وفق العقل دون العودة إلى الماضي أو تذكر ماسي الإنسان في الماضي، ودون التطلع أكثر زيادة على المستقبل. إن الرواقية بهذا المعنى تنصب على الحاضر أولا حيث يعيش الإنسان لذاته بتناغم، والتدريبات الروحية على الطريقة السقراطية، يعني تمرين الذات على تعلم الحقيقة وتعلم الفضيلة، والتمارين الروحية ترياق للنفس في توازنها، وشفاء للروح من سقم وهموم الواقع، شفاء من تلك التطلعات أو السقف الذي يضعه الانسان في ابتغاء شيء ما، فلا ينال منه إلا خيبات الأمل في عدم التطابق بين الأفكار والواقع، الحسرة والسقوط في الاستحالة، والتوقع الخاطئ للمستقبل، شيآن يجب أن ننفصل عنهما كما قال سينيكا، الخوف من المستقبل وذكريات الماضي الأليمة، هذا لا يعنيك وذلك لم يعرض لك بعد، خير لنا التفكير في الحاضر، والعيش بتناغم مع الطبيعة، أفضل لنا تعلم الفضيلة، وتدريب العقل على الحوار والتواصل وفن العيش، الفلسفة هي السعادة ذاتها، وليس ما يقوله الأبيقوريون أن الفلسفة أداة من أجل تحقيق السعادة، يعني ضرورة التفلسف والأخذ بمنطق الفلسفة الذي يعتبر كمنطق العقل والحكمة العملية أولى الأشياء بالعناية والقول، والحكمة عند أصحاب الرواق هي استقامة العقل فحسب، ولما كان العقل خلوا من الهوى والانفعال، فإن الرجل إذا بلغ مرتبة الحكمة فلن يستطيع شيء مهما يكن أن يسلبه إياها(3)، فضيلة الإنسان في التعلم والفهم، والرذيلة منبعها الجهل، وبذلك كانت الحكمة نافعة للخير والاستقامة، والشر نابع من الجهل وعدم التعلم، الحقيقة كما يراها الحكماء نابعة من الداخل وقابعة في الذات وبالتالي نحن في حاجة للتأمل، تأملات في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس تنطلق من اعتبار الذات مركز الحقيقة، والفهم للذات في فهمها وقدرتها على إدراك طبيعة العالم، لابد أن تكون تأملات الإنسان نوع من التدريبات الروحية للعقل والجسد معا، التدريبات تزيل الهموم والقلق، التدريبات تنأى عن الهوى والعواطف الجياشة، الإنسان جزء من نطام كوني غايته أن يكون سعيدا في الوجود، أن يحيا على طبيعته، وطبيعة القوانين لأن الحياة قصيرة ويجب أن نعيش بتناغم، ومبدأ العمل يقتضي منا تقدير كل لحظة في الحياة، أن لا تصير حياتنا عبثا ولهوا، أما الفضائل التي كان يدعو إليها أفلاطون وسقراط فهي: الحكمة والشجاعة والعفة والاعتدال، أعلى الفضائل تحقيق العدالة كانسجام وتناغم بين الإنسان وذاته، وبين الطبقات الاجتماعية، تبقى العدالة أم الفضائل مشروطة بالقوة المعنوية والقدرة في التدبير والاتزان، حكمة الفلاسفة، وقوة العقل في تحقيق التوازن النفسي والذهني، تتحقق العدالة بين مجموع القوى النفسية كالغضب والشهوة والعقل، ومجموع قوى المجتمع بين الطبقات الاجتماعية أي بين طبقة الفلاسفة وطبقة الجنود وطبقة عامة الشعب. الفكرة الجوهرية هنا تتعلق باطلاع الرواقيون على الفلسفة السابقة، وعنايتهم بالمذهب وليدة التأثير بالسابقين منهم: هيراقليطس في الطبيعيات، وسقراط في الأخلاق، وطبعا أرسطو في المنطق مع وجود اختلاف في البناء والرؤى، ولا يمكن أن يكون التطابق كاملا، بل في وحدة المذهب الرواقي ما يدل على الإبداع في النظر للذات والعالم، ومن يعتبر أن الرواقية مذهب متعدد المواقف والتأملات، إنها مذهب هيراقليطس كما ذهب إلى ذلك يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية"، الرواقيون ماديون، فكل معرفة عندهم معرفة حسية أو ترجع إلى الحس، والأصل في المعرفة أن الشيء يطبع صورته في الحس بفعل مباشر لا بواسطة " أشباه" كما يقول الابيقوريون(4)، حوادث الكون محكومة بقواعد ثابتة، والعقل الإنساني محكوم بمبادئ، وكل ما في العالم معلل ومحدد بالغايات في خدمة الانسان، وقوة الرواقية في جوهر فلسفتها القائمة على مبادئ تتعلق بقوانين الطبيعية والحرية الإنسانية، ملامح الفلسفة الرواقية في بعدها الأخلاقي المعياري، في قوة الفلاسفة على بناء نظرة شمولية عن الإنسان وسعادته من منطلق السؤال الجوهري: كيف يحيا الانسان؟ الحياة وفق قانون العقل يعني الحياة وفق قانون الطبيعة الذي يحكم العالم، طبيعة الحياة أن تكون عاقلة، أن يحكمنا العقل ويدبر أمرنا وإذا كان الأمر كذلك فإن الرواقي ملزم بتملك مجموعة من الصفات الخاصة بالتعامل وفن العيش معا، مهمة الفلسفة تتعلق بالفهم، حسن توجيه السلوك نحو المفيد للعيش الرغيد، الفلسفة علاجية، فقد صدع الرواقيون بأن الفلسفة بالنسبة لهم تدريب، الفلسفة ليست تعليم نظرية مجردة، وهي أبعد ما تكون عن عملية تفسير نصوص، إنما الفلسفة هي فن العيش(5)، فن تدبير الحياة بطرق عقلانية، فن العيش والتناغم مع الذات. إن الفلسفة بهذا المعنى تدريب روحي، تقويم سلوك لاستقامة النفس واستقامة الفعل، نتعلم كيف نحيا، نعيش كيف نواجه الموت والمصير، نحسن التفكير والانهمام بذواتنا، هناك حوار يجري بن الذات وذاتها وحوار يجري مع الاخر، قوة الحوار في السؤال والتواصل، الحوار الذي يقود إلى التحول، ولطالما يعطي الرواقيون مثالا بالحكيم سقراط الذي اتخذ من فن التهكم أسلوبه المميز في سبيل إحداث التحول في النفس والفكر، أن يكون الإنسان على استعداد لتعلم الحقيقة، أن يتدرج سقراط بالمحاور في سبيل بناء الذات، تحرير المحاور من الجهل والمغالطات الفكرية، قناعة الفيلسوف سقراط نابعة من الحجة وطريقته في التفلسف، ولذلك كان مزعجا يكثر من طرح الأسئلة ولا يعطي جوابا محددا، ويمتاز بميزة أساسية في فلسفته التي تتعلق بالتعريفات وإقامة الحجة والدليل على زيف المغالطات، وعندما ينتهي من السؤال يتولد لديه سؤال جديد، وهكذا يتحول المشهد الخاص بالنقاش والحوار إلى فضاء ممتع دون أن ينتهي إلى أجوبة قطعية إلا أن الأمور كانت واضحة كما يؤكد على ذلك ويل ديورانت في كتابه "قصة الفلسفة"(6)، في سؤال لسقراط عن الفلسفة الطبيعية حيث اعتبر هذه الفلسفة حسنة لأنها تزيل الغموض عن الأشياء من خلال سؤال في الوجود وطبيعة الأشياء، لكن أرقى فلسفة وأعلاها قيمة تلك التي تعنى بالإنسان، ولذلك ظل السؤال السقراطي أخلاقي بامتياز يروم بناء قيمة الإنسان في بعده الفكري والأخلاقي معا، الثناء على الفلسفة السابقة يعني أن للفلسفة خطوط متوازية ومتكاملة الأجزاء، ولا يمكن للنسق الفلسفي أن يلغي جزء من هذه الأجزاء، الفلسفة ممارسة علاجية ضد الألم والقلق، علاج مفيد لأشكال القهر النفسي، تدريبات روحية على التأمل والتبصر في الحياة من منطلق فكري عميق للوجود الانساني في تناهيه، والوجود المادي في عظمته، لذلك قدم الرواقيون تعريفا للفلسفة بأنها علم الأشياء الالهية والأشياء الإنسانية، ولعل الرواقيين أرادوا بهذا التعريف أن يتجاوزا نظر سقراط حين جعل الفلسفة قاصرة على الأمور الإنسانية فأضافوا إليها النظرة في الأمور الالهية(7)، الالهة والناس ليسوا سوى أجزاء من العقل الكوني، والعقل يحكمنا ويدبر أمورنا، العقل المستقيم معيار للخير والشر، وكل فعل انساني سديد لا بد أن يكون متطابقا مع العقل، ومن يملك الحكمة يملك سائر الفضائل، وتعلم الحكمة يحتاج إلى قنوات وأدوات منها: التجرد من الغرائز والرغبات الهدامة، الحكمة قمة الفضائل التي تأتي بالمران والتدريب للنفس، نوع من الثراء الروحي وغنى النفس، والجمال الذي يمنح الانسان بهاء إزاء الحياة وفن العيش، أن يحيا الرواقي على المبدأ القويم، أن يعيش كريم النفس، والفلسفة النظرية ليست كافية في الترقي وتحصين النفس، والعيش على المبدأ الفلسفي القويم، الفلسفة العملية أساس الحكمة، أن يتحلى الإنسان بالفلسفة العملية سلوكا وعملا، مهمة الفلسفة أن تعلم البشر ألا يسعوا إلا إلى ما هم قادرون على اكتسابه وإلا يتجنبوا تلك الشرور التي بوسعهم اجتنابها، مستندين في ذلك إلى الحرية الإنسانية(8). يعيش الإنسان على الطبيعة ومنسجما مع ذاته، فن تدبير الحياة يحتاج منا الشعور بالسكينة بعيدا عن القلق والرتابة، الزمن يمر بسرعة، الزمن يمتاز بالانسياب والتدفق، والحياة تدفق وجريان، ولا شيء يبقى راكدا وساكنا، إنها فلسفة هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة والتغير، كل الأشياء في تبدل، مصيرنا إلى الزوال عندما ننتهي يبقى الأثر، فمن الأفضل العيش وفق العقل والعيش وفق ما يبتغيه الإنسان من خلال نمط وجود يتميز بالسعادة والأمل، الحياة لا تتعلق بالماضي، في تعلق الإنسان بأمجاد أو ماسي الماضي، ولا يجب ترقب ما يمكن أن يكون في المستقبل، الحذر من كل ما فات، والحذر من كل ما هو ات، إنها اللحظة التي يجب على الإنسان حسن تدبيرها، إنها الحياة ونمط وجودنا الذي يتميز فيه الانسان بالقدرة على الفعل والاختيار، إننا نبحث عن السلام الداخلي، نبحث عن الهدوء ليس على الطريقة الابيقورية أو على طريقة الكلبيين، ولو أن الرواقية في شخص سينيكا كان قريبا من تعاليم وأفكار أبيقور في اللذة والحياة السعيدة، لقد فهم سينيكا مغزى فلسفة أبيقور ومذهبه، لا يمكن وصف اللذة الحسية بالشر، ولا يمكن وصفها بالخير، البحث يسير حثيثا نحو الفضيلة وانتقاء ما هو نافع من اللذة، لذلك يمكن القول أن أبيقور كان حريصا على الجمع بين الروح والجسد، لأن كل لذة طبيعية بمثابة لذة ضرورية، نافعة ومفيدة لسلامة الجسد وهدوء الروح دون أن تكون دعوة الفيلسوف إلى اللذات الماجنة، ولو أن الفهم لأبيقور ومذهبة لم ينل نصيبا من التأمل والفهم يمكن القول أن الرواقية استوعبت بعض الأفكار من الابيقورية من خلال حوار الفلاسفة الذي يشير كما العادة إلى وظيفة الاقتباس أو التأثير أو أحيانا التجاوز من خلال آلية النقد للمذهب، غاية الرواقية كمذهب فلسفي إقامة الدليل والبرهان على قوة العقل والحكمة في سبيل إسعاد الانسان، إذن الفضيلة هي الحياة بمقتضى العقل والأخلاقيات هي ببساطة الفعل العقلاني. إن العقل الكوني هو الذي يدبر حياتنا وليس الهوى والارادة الذاتية للفرد(9)، الفضيلة ليست نابعة من الماديات، الفضيلة نتاج للحكمة والتأمل في مصيرنا، ترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة، ولا يجب على الرواقي الخوف من الموت، ذلك قدر الانسان، تقابل بين الحياة والموت، الحياة قصيرة جدا، أعمال لا يمكن إنجازها دفعة واحدة، وطموحات لا يمكن تحقيقها، نتوقع الحياة الطيبة إلا أن الحياة لها منطقها الخاص، الحياة متغيرة والإنسان يتحول ويتغير أو بالأحرى يتكيف مع تقلبات الحياة، لا يمكن للحياة أن تحمل كل التوقعات الخيرة، فلا يمكن أن يكون التفاؤل عاليا بل يجب أن نعيش مع الحياة في تبدلها، حتى لا يصيبنا الغضب والقلق، حتى نعيش بانسجام وتناغم مع الحياة، التفاؤل المفرط يولد في الإنسان خيبات الأمل والانكسار، التفاؤل المفرط يولد فينا الاحباط عندما نرفع من التحديات والتوقعات، وتكون النتائج على عكس ما نبتغيه ونريده، فكرة الرواقية نجدها لدى الفيلسوف "شوبنهاور" عندما اعتبر الحياة كلها معاناة وحرمان لأن الانسان شديد اللهفة، كثير الرغبات، لا يوجد تطابق بين الارادة والرغبات، والإرادة أقوى من الميولات العقلية، وهكذا يصاب الانسان باليأس والقلق الذي ينبع من غياب الانسجام بين التوقعات والنتائج، وينعكس ذلك على سعادتنا مما يتولد فينا الشقاء والبؤس ونصير عبيدا للرغبات، ولا شيء يقلل من هيجان هذا الاندفاع الا سلطة العقل وحدود الارادة، أفعالنا سبب سعادتنا أو شقائنا، علينا إدراك الفعل وحدود العمل بقدر ما نستطيع فعله، من الأشياء ما هو في قدرتنا وطوقنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا به يد، فمما يتعلق بقدرتنا ورغبتنا ونفورنا، وبالجملة ما هو من عملنا وصنيعنا(10)، وكان الرواقي يلقي باللوم على الارادة الجياشة، ويحاول أن يحاكم الإنسان في جموحه واندفاعه، الإنسان كائن يريد ويرغب، إننا نبحث عن ما هو أصيل في الانسان، الغضب والحسد من المشاعر السلبية، ونار الغضب يتم إطفائها من خلال العقل والنمو المتزايد في السلامة والتوازن النفسي، تأملات الرواقيون في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس، والمحادثات على خطى إبكتيتوس، وما يتعلق بنوازع النفس في تحليل عوالمنا الداخلية، وسلوك الإنسان في فلسفة سينيكا، رسائل الفيلسوف وما يتعلق بالمحادثات والمختصر في الحياة كلها جوانب مهمة تثير الفضول في معرفة طبيعة المذهب الرواقي، راهنية الفلسفة الرواقية مطروح الان، وإنسان اليوم في حاجة إلى تعديل السلوك الاستهلاكي، في حاجة للتدريبات على الطريقة الرواقية، الفلسفة بوصفها تدريبات روحية، والفلسفة علاجية للفعل والسلوك، أسئلة الرواقي من قبيل: كيف أعيش؟ كيف يحيا الانسان؟ كيف يدبر العقل أمور حياتنا؟ من يتحكم في حياته يتحكم في قراراته وقدراته، يجب أن تكون القدرة متطابقة مع الحياة في بساطتها، كل كائن يجب أن يتبع ما تمليه عليه طبيعته، الرواقية بوصفها فلسفة عملية وفن في تدبير الحياة، الأمل أن يحيا الإنسان وفق طبيعته، والغاية تحقيق السلام الداخلي والراحة النفسية، التدريبات الروحية من خلال الحوار والتواصل مع الاخر وبناء على الحوار مع الذات، قواعد بمثابة ترياق للنفوس المريضة بالقلق والألم وسائر المشاعر السلبية، لا للعودة إلى الماضي وما يحمله من ذكريات، ولا يمكن التعلق بالمستقبل، الإنسان وليد اللحظة، ويجب النظر بعين الرضا والسكينة للحاضر، وما يمكن أن يجعل تركيزنا ينصب على اللحظة دون التفكير في الموت أو العودة للماضي، لذلك تقدم الفلسفة الرواقية وصفة عملية وليست سحرية لما يجعلنا نشعر دائما بالسكينة ونترقب كل شيء في الحياة، كل ما تحمله الحياة من ملذات وأحزان، كل ما يمكن أن يجعلنا نتكيف مع الوضعيات المختلفة، فلا نرفع من التوقعات حتى لا يصيبنا الهم والقلق، الغضب جنون مؤقت يؤثر على رشدنا، تنفلت المشاعر وتطفو الانفعالات، ويتراجع الجانب العاقل فينا وبالتالي خير لنا أن نكون على انسجام وتناغم بين ما نرغب فيه وما نطمح أن نحققه، وعند الرواقية أن كل شيء في هذا العالم مسوق نحو غاية ومدبر لخدمة الانسان وهذه نظرية العناية الالهية، وعلى الانسان ألا يسعى بإرادته، ومحض حريته واختياره الى أن يتوافق مع القوانين العامة للطبيعة. فالفضيلة إذن تقوم في حرية الارادة الموافقة للطبيعة. ومادام الأمر كذلك، فلا بد أن يكون الحكيم الرواقي سيد نفسه، لا يهمه فقر أو غنى، ولا تصده أي قوة خارجية عن الفضيلة (11)، السعادة وفق الطبيعة، والعقل يحكم في أمورنا حتى نتصرف بحكمة وروية، لا بد من إدراك قيمة الفضائل الأربعة: الشجاعة والاعتدال والعدالة والحكمة، الادراك مدخل أساسي لفهم قيمة الحياة والعيش وفق الطبيعة، كل شيء في العالم منظم ومحكم، وكل شيء في الإنسان يجب أن يكون كذلك، هم الإنسان في الوجود أن يحيا بالعقل ويعيش الانسان على الفضيلة.
الرواقية المتأخرة وفن العيش
الرواقية مذهب أخلاقي والرواقية المتأخرة تصنيف يراد به التمييز بين اللحظة اليونانية واللحظة الرومانية، بعيدا عن فلسفة المؤسس زينون، وبعيدا عن فضاء أثينا، هناك في مكان اخر نمت الرواقية وتوهجت من خلال بعض الرواد الذين منحوا المذهب الرواقي قوة بالزيادة والتفسير لما يتعلق بقيمة المذهب في شتى المستويات خصوصا على المستوى الأخلاقي والفكري، توهجت الرواقية بوصفها فلسفة عملية وحكمة يبتغي فيها الإنسان السعادة والسلام الداخلي، الرواقية في مجملها فلسفة تروم تحقيق المواطنة العالمية أو العالم بالمعنى الروحي حيث يكون الانسان والانسانية، حيث تختفي الجغرافيا والانتماء المحلي إلى انتماء عالمي من خلال مبادئ الفلسفة وقوتها كحكمة عملية. تطورت الرواقية مع سينيكا وإبكتيتوس وماركوس أوريليوس، تجتمع نظرة هؤلاء على فكرة معينة مفادها أن الرواقية فلسفة عملية، قائمة على عبارة عريضة: الحياة وفقا للطبيعة، والعالم يسير وفق قوانين الطبيعة، وليست الحياة سوى المنطق الذي يحكم العالم والأشياء، ونيل الفضيلة ليس بالأمر السهل، بل الفضيلة نوع من الجهد والعناء في سبيل التحرر من الانفعالات والغضب، الانفعالات النفسية التي يمكن اعتبارها عائقا في بلوغ السعادة. كتب سينيكا عن العفو والانتقام، مهم للحياة الفردية وأساسي في قيام الحياة السياسية، العفو مبدأ أصيل، اعتدال العقل عندما يملك القدرة على الانتقام أو اعتدال الاسمى نحو الادنى في ردع العقاب(12)، يسود العفو ويقل الشر، ويطفو في العمل بالعفو قمة الامن وسلامة الناس، عندما يعفو الحاكم ذلك زينة للسلطة، والعفو ضد القسوة، قريب من اللين والرحمة، ملتصق بالحكمة والتروي، العفو يعزز من الحكم الرشيد، نوع من التقويم وإظهار للرحمة والرقة، والحاكم الطاغية لا يمكث في سلطانه إذا بالغ في التسلط، العفو فضيلة سامية عند الحاكم، قوة وحكمة، وفي أقوال سينكا ومبادئ فلسفته حكمة ضد الحكم الشمولي، لذلك دفع الفيلسوف ثمنا باهظا في علاقته بالحاكم الطاغية "نيرون" الذي أجبره على الانتحار، رسائل الفيلسوف إلى أمه وصديقه "باولينوس" كلها دروس نابعة من الحياة والخبرة في مجالات عدة، نابعة من قناعة الفيلسوف وفن العيش، رسائل في ترسيخ الفضيلة في النفس، والعيش وفق الطبيعة وقوانين الوجود، الحياة التي نعيشها قصيرة جدا، ولا نسمح أن نضيع أوقاتنا في التفاهة أو أشياء مبتذلة، الحياة يجب أن نعيشها كما نريدها ونرغب فيها بإرادة وعقل. إن كل يوم تضيعه لأجل شخص أو شيء ما قد يكون يومك الأخير، تتعامل مع مخاوف كفان، ومع رغباتك كمخلوق خالد لا يموت(13)، انغماسنا في ملذات الحياة لا يقوينا ولا يمنحنا السكينة والأمل، الحياة التي نعتبرها قصيرة، علينا أن نسرع الخطوات إلى حيث تأخذنا الظروف، إلى حيث يرغب الانسان في العيش بسلام، كل الأوطان أوطان الرواقي، لذلك وجد زينون بديلا في وطن اليونان، الوطن هنا يعني أنك لست غريبا في العالم، بل أنت جزء من عالم رحب وفسيح، هنا نقول أن الرواقي ينشد المواطنة العالمية، وينشدون الأمل أن يحيا الانسان على الحرية بدون قيود القوانين الوضعية، لا يجب التوقع والترقب لما يمكن أن يكون عليه الانسان في المستقبل، نتوقع الحياة الطيبة دائما والحياة قصيرة ومتغيرة، الحياة مقلقة جدا، وقصيرة بالنسبة إلى أولئك الذين ينسون الماضي، يهملون الحاضر، ويخافون المستقبل، وعندما تحكم قيود الموت قبضتها سيدرك أولئك الفقراء البائسون أنهم كانوا منهمكين باللاشيء(14)، يستغرق الإنسان مدة طويلة يتعلم كيف يموت، الإنسان لا ينبغي أن يخشا الموت، سقراط المثال الحي على الشجاعة أمام القضاة، يعلم سقراط أن قضيته تتجاوز الأفراد إلى قضية رأي عام تتعلق بالمشروعية الفكرية والأخلاقية التي حملها الفيلسوف في التغيير للعقول، لقد عرض الفيلسوف سقراط نفسه للموت من أجل الفضيلة، وفضل أن يموت على أن يتخلى عن مطالب ضميره، رافعا لذلك الخير فوق الوجود، والفكر والضمير فوق الحياة في الجسد(15)، وما يطفئ نار الجسد، ويمنح السكينة للنفس والهدوء الداخلي قواعد مهمة في العمل والسلوك تتعلق بالحكمة والعقل، أن تكون رواقيا اتبع مجموعة من القواعد، استند على الفلسفة والحكمة العملية، التزم بالهدوء والاتزان، لا يجب قمع المشاعر، الغضب نار وليس شرا مطلقا، الغضب حسب سينيكا تحرر مؤقت من سلطة العقل، في الغضب يغيب ويتلاشى التفكير المنطقي وتخرج الانفعالات،، الغضب الذي أؤكد عليه هو ما يتسم بالشر، حيث عدم القدرة في السيطرة عليه، ويتنامى استنباطه من الحقيقة ذاتها إذا ظهر مناقضا لإرادته، ويتعقب نوايا ضحايا من الصراخ والضجيج واعتزاز الجسم كله، وإضافة من الشتائم والقسوة(16)، الغضب مدمر يولد الندم، ويكون نتاج للتوقعات الخاطئة، والتضخم في الانفعالات، ومن أفضل الطرق المؤدية للعلاج من الغضب والتقليل من الانفعالات السلبية، إبطاء الخطوات والحد من نبرة الصوت، التريث في الحكم أي التأخير أفضل علاج، والابتعاد عن التسرع في الاحكام، ولنقل بشكل عام، ضبط النفس وجعل الأشياء خاضعة للعقل أو أفضل دواء للغضب هو الارجاء، وما يجعل الذات منسجمة مع ذاتها، يتعلق الأمر بالاعتدال والتوازن، كما يضيف سينيكا إلى فلسفته ما يتعلق بالإحسان والعطاء، الإحسان مصدره النوايا الحسنة، الإحسان لا يمكن أن يكون مصدره الزهو والافتخار بالذات، الإحسان ينبع من الفعل والنية الطيبة، لا نتهامس بالإحسان، ولا نقدم أنفسنا كرموز للعطاء، الإحسان فعل يقوي من التماسك الاجتماعي، والإحسان الجيد غالبا ما يكون نابعا من نية المعطي، ولا يمكن أن يكون الاحسان كله ماديا. الرواقية كما نفهما تمرين للجسد وترويض للرغبة، الطبيعة روح الكون، ومنطق المعاملة يتجلى من خلال المحبة والأخوة يعني أن العالم واحد والناس كذلك، نتأمل في الحياة كما في تأملات ماركوس أوريليوس، يعني التقليل من التوتر والقلق والتحكم في الذات، فن العيش في الحكمة وتأمين الانسان للسلام الداخلي، في التأملات رغبة شخصية من الحاكم التوجه نحو الحكمة وبناء سليم للذات على الاعتدال، يعبر الحاكم الرواقي عن ذاته ونوازعه النفسية، ويلقي بالمسؤولية على الإنسان في عدم التزامه بالمبادئ والقواعد، الزمن يمر بسرعة والحياة قصيرة جدا. موضوع تأملات ماركوس وتدريباته ما هي إلا المواضيع الثلاثة لإبيكتيتوس: الرغبة والنزوع والحكم، هذا البناء التصوري خاص بإبيكتيتوس، ولا يوجد في أي تراث فلسفي اخر(17)، البناء التصوري أو المناطق الثلاثة للتدريبات الروحية، مجال الرغبة والنفور، ومجال النزوع والواجب، ومجال التصديق، قواعد الحاكم الفيلسوف نابعة من الرواقية، مضمونها تتعلق بالسلام الداخلي والتوازن النفسي، والسعي نحو الحكمة، وتجنب المشاعر السيئة والتحكم في الذات، وخير ما يستعين به الانسان النظر للفلسفة بوصفها أسلوب حياة وفن للعيش، الفلسفة العملية في تدريب العقل والنفس على أشياء تمنحنا السعادة والفضيلة، وإذا تمسك الإنسان بكل القواعد والمبادئ دون العودة للماضي أو ترقب المستقبل وأخذ الحياة بكل ما تحمله من مسرات وأحزان، الفلسفة الرواقية بهذا المعنى علاج سلوكي ومعرفي. تحتفظ الرواقية ببريقها بوصفها تدريبات للعقل والنفس واعتدال للعيش بسعادة.
خاتمة::ندرك من خلال طرحنا لهذا العنوان أن الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة والعيش بتناغم وفق قوانين الطبيعة وقوانين العقل، الرواقية وفن تدبير الحياة بحكمة وتبصر، وما يمنحنا السكينة والسلام الروحي الداخلي أفعالنا المتطابقة مع العقل والحياة، حيت يدرك الرواقي قيمة التأملات في الحياة التي تعتبر قصيرة جدا، ويجب أن نعيشها دون الشعور بمركب النقص من الماضي ودون الرفع من التوقعات والأمل من المستقبل الغامض، الحياة التي ينشدها الرواقي حياة العقل، سكينة النفس، تأملات الإنسان في طبيعة الحياة، والتأمل في الطبائع يمكن إدراك قيمة ما تحمله الرواقية كفلسفة عملية في سبيل العيش بحكمة، وطلب الاعتدال والتوازن، وإذا جنح الانسان وعمل بكل المواصفات والمبادئ يمكن القول إنه سلك مسارا رواقيا، لا يشعر بالندم أو القلق، لا يصيبه البؤس والنفور، لا يهاب الموت، لا يرفع من سقف التوقعات، بل تزداد الهمم والعزائم، وينشد الإنسان السلام والهدوء، وما يضفي على الرواقية كفلسفة عالمية النظر إلى الانسان كمواطن كوني مشمول بالاعتراف والاحترام.
***
أحمد شحيمط
......................
هوامش:
(1) يوسف كرم " تاريخ الفلسفة اليونانية "دار النشر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012 ص 273
(2) عبد الرحمان بدوي " خريف الفكر اليوناني " الطبعة الخامسة 1979 ص 14
(3) عثمان امين " الفلسفة الرواقية " مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، 1945 ص 166
(4) يوسف كرم " تاريخ الفلسفة اليونانية" ص 268
(5) بيير ادو" الفلسفة طريقة حياة " ترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي 2017 ص65
(6) ول ديورانت " قصة الفلسفة " في عرض المؤرخ عن قصة الفلسفة من افلاطون الى جون ديوي، يبسط قيمة الفلسفة من خلال العلاقة بين افلاطون وسقراط في بداية الكتاب.
(7) عثمان امين " الفلسفة اليونانية " ص 116
(8) بيير ادو " الفلسفة طريقة حياة" ص 65-66
(9) ولتر ستيس"تاريخ الفلسفة اليونانية " ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة 1984 ص 283
(10) إبكتيتوس" المختصر" دراسة وترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي 2017 ص 21
(11) احمد فؤاد الأهواني " المدارس الفلسفية " مؤسسة هنداوي للنشر 2023 ص 47
(12) لوكيوس أنايوس سينيكا " العفو والانتقام " ترجمة حمادة احمد علي، دار افاق للنشر والتوزيع 2020 ص 103
(13) سينيكا " هل الحياة فصيرة حقا؟ " ترجمة غدير فياض، الطبعة الاولى 2023 ص 13
(14) سينيكا " هل الحياة قصيرة حقا؟ " ص 34
(15) بيير ادو "الفلسفة طريقة حياة " ص 79
(16) سينيكا " ترجمة حمادة احمد علي، الطبعة الاولى 2020 ص72
(17) بيير ادو " الفلسفة طريقة حياة" ص 169








