عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عامر عبد زيد الوائلي: العدالة الدولية

"محكمةٌ تصل متأخرة دائمًا"

من «مجد إسرائيل لا يكذب» إلى «مجد القانون لا يستطيع أن يفعل شيئًا»

ثمة لحظات في التاريخ يصبح فيها السخرية من الواقع أكثر جدية من وصفه. فماذا نفعل أمام عالم يجتمع فيه ممثلو الدول في قاعة فخمة، تحت شعار الأمم المتحدة، ثم يتحدث أحدهم عن الحرب والوجود والبقاء، ويستدعي نصًا توراتيًا من قصة أماليق، في حين تجلس العدالة الدولية في مكان آخر تقلب أوراقها بعناية شديدة، كأنها موظف أرشيف يخشى أن يخطئ في رقم الصفحة؟

هنا لا تعود المشكلة أن القانون الدولي لا يعرف ما يحدث. المشكلة الأكثر سخرية أن القانون يعرف، ويكتب، ويصدر الأوامر، ويعلن أن بعض الحقوق «قابلة للتصديق»، ويطلب اتخاذ تدابير مؤقتة، ثم يعود إلى مكتبه ليضع الملف فوق ملف آخر.

وكأن العدالة الدولية اخترعت نظامًا عبقريًا:

أن تكون حاضرًا قانونيًا، وغائبًا فعليًا.

وقد أصدرت محكمة العدل الدولية بالفعل تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، واعتبرت أن بعض الحقوق التي طلبت جنوب أفريقيا حمايتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية قابلة للتصديق، ثم أصدرت لاحقًا تدابير إضافية وأكدت الطبيعة الملزمة لأوامرها.

يا لها من عدالة دقيقة! هي لا تقول لك: «أنا عاجزة». بل تقول: «أنا مختصة.»

وهذه كلمة محترمة جدًا. فـ«العجز» كلمة سياسية محرجة، أما «الاختصاص» فهو عجز يرتدي بدلة قانونية.

المحكمة التي تصل بعد الجريمة لتشرح لنا معنى الجريمة

من غرائب العدالة الدولية أنها تملك فضيلة عظيمة: إنها لا تتسرع. والتسرع، كما نعرف، عيب خطير. خصوصًا عندما تكون الجثث مستعجلة. القانون الدولي يحتاج إلى وقت.

وقت لدراسة الأدلة. وقت لسماع الأطراف. وقت لتشكيل اللجان. وقت لترجمة الوثائق. وقت للتأكد من الاختصاص. وقت للتأكد من الصياغة. وقت للتأكد من أن العبارة لا تحتوي على معنى يمكن أن يغضب أحدًا.

أما الضحية؟ فهي، للأسف، لا تحتاج إلى كل هذا الوقت. لأنها تكون قد أصبحت جزءًا من الأدلة. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في النظام الدولي:

الإنسان يموت في الزمن الحقيقي، بينما العدالة تتحرك في الزمن الإجرائي.

وقد يكون هذا منطقيًا من الناحية القانونية. لكنه يصبح عبثيًا عندما تتسع المسافة بين سرعة الموت وسرعة الحكم إلى درجة يصبح فيها الضحية شاهدًا على قضية لم يعد موجودًا ليشهد نتيجتها.

العدالة الدولية: «لقد أمرناهم»

وهنا تصل الكوميديا السوداء إلى ذروتها. المحكمة تقول: اتخذوا الإجراءات. احموا المدنيين. امنعوا الأفعال المحظورة. اسمحوا بالمساعدات. حافظوا على الأدلة. وتصدر الأوامر بصيغة قانونية رصينة. ثم يبدأ السؤال الصغير جدًا:

ومن سينفذ؟ وهذا سؤال غير مريح. لأنه يفسد هيبة الجلسة. فالمحكمة تستطيع أن تقول للدولة: «افعل». لكنها لا تملك بالضرورة شرطة عالمية تطرق باب الدولة في الصباح وتقول: «صباح الخير، المحكمة طلبت منكم تنفيذ الحكم.»

ولا تستطيع أن ترسل سيارة شرطة دولية مع ضابط يحمل ملفًا أحمر. ولا تستطيع أن تقول: «إما التنفيذ أو سأصادر دبابتكم.» فالعدالة الدولية، في نهاية الأمر، ليست دولة عالمية.

وهنا تصبح المأساة أكثر وضوحًا: القانون الدولي يستطيع أن يحدد الحد، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمنع السلطة من عبوره. الأمم المتحدة: بيتٌ كبير للجميع... بشرط ألا يزعج أحدٌ أحدًا

ثم يأتي منبر الأمم المتحدة. يا له من مكان جميل للعدالة! مكان تجتمع فيه الدول لتقول إنها تؤمن بالقانون والسلام وحقوق الإنسان. وفي القاعة نفسها يستطيع ممثل دولة أن يعلن أن بلاده تخوض حربًا وجودية، وأنها «لا تملك خيارًا آخر»، بينما يغادر بعض الدبلوماسيين القاعة احتجاجًا.

أما الأمم المتحدة فتظل واقفة في مكانها.لا تغادر. فهي المؤسسة الوحيدة التي لا تستطيع حتى أن تنسحب من نفسها. لقد صُممت الأمم المتحدة لتكون فوق منطق القوة، لكنها تعمل في عالم ما تزال فيه القوة هي التي تحدد مقدار ما تستطيع المؤسسة الدولية فعله.

وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها المفارقة المؤسسة للنظام الدولي كله: أنشأنا مؤسسة لتقييد القوة، لكننا أعطينا القوة حق الاعتراض على المؤسسة. ثم جلسنا ننتظر النتائج.

«مجد إسرائيل لا يكذب»... ومجد القانون ماذا يفعل؟

في خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول 2026، استُدعيت العبارة التوراتية المرتبطة بصموئيل الأول 15:29، في سياق خطاب أوسع يضع الحرب ضمن سردية بقاء وصراع وجودي. وقد عرض الخطاب الحرب باعتبارها جزءًا من معركة مستمرة من أجل بقاء إسرائيل، مع تكرار فكرة أن إسرائيل «لا تملك خيارًا آخر».

والعبارة، من الناحية الرمزية، تستحق التوقف. لكن السخرية هنا لا تتجه إلى النص الديني ذاته. إنها تتجه إلى المشهد كله. ففي جهة هناك نص مقدس يحمل ذاكرة ابادة اعداء إسرائيل . وفي جهة أخرى هناك دولة حديثة تتحدث بلغة الأمن والوجود.

وفي الجهة الثالثة محكمة دولية تتحدث بلغة «التدابير المؤقتة». وفي الجهة الرابعة شعوب تسأل سؤالًا بسيطًا للغاية: هل يمكن للقانون أن يوقف الحرب؟ والجواب الذي يبدو أن النظام الدولي يفضله هو: «نعم... من حيث المبدأ.» أما من حيث الواقع، فهذه قصة أخرى.

العدالة الدولية تحب كلمة «مؤقت»

ربما أجمل كلمة في قاموس العدالة الدولية هي: مؤقت. الإجراء مؤقت. الحماية مؤقتة. التدبير مؤقت. الانتظار مؤقت. المعاناة، في الخطاب السياسي، مؤقتة. أما الموت، فله مشكلة صغيرة مع كلمة «مؤقت». إنه لا يفهمها.

حين يموت الإنسان، لا تستطيع المحكمة أن تعيد له حياته في القرار النهائي وتقول: «نعتذر عن التأخير الإجرائي.» القانون يعرف هذه المشكلة بالطبع. ولهذا يتحدث عن «الضرر غير القابل للإصلاح». تعبير رائع. فالضرر غير القابل للإصلاح هو، ببساطة، الضرر الذي لا تستطيع المحكمة إصلاحه. ويا لها من دقة قانونية! لقد اخترعنا اسمًا قانونيًا للمأساة التي لا يمكن علاجها.

من «الإبادة» إلى «قابلة للتصديق»

وهنا تظهر اللغة القانونية في أجمل صورها البيروقراطية. لا تقول المحكمة: «نحن متأكدون أن الإبادة وقعت.» ولا تقول: «لم يحدث شيء.» بل تقول: بعض الحقوق التي تطالب بها جنوب أفريقيا قابلة للتصديق.

وهذا منطقي في مرحلة التدابير المؤقتة. لكن تخيل الإنسان العادي وهو يسمع العبارة: «حقك في ألا تُباد قابل للتصديق.» ربما يسأل: وهل توجد حقوق غير قابلة للتصديق؟ نعم، ربما في عالم القانون. لكن الضحية لا تعيش في عالم «الحقوق القابلة للتصديق».

إنها تعيش في عالم: الماء موجود أو غير موجود. الدواء موجود أو غير موجود. البيت قائم أو مدمر. الطفل حي أو ميت. الممر مفتوح أو مغلق. وهنا يظهر التفاوت الهائل بين لغتين: لغة القانون التي تحتاج إلى تعريف دقيق للجريمة، ولغة الحياة التي تعرف الجريمة قبل أن تعرف اسمها القانوني.

المحكمة لا تحكم على النوايا... ممتاز!

ثم هناك مشكلة النية. فالقانون الدولي الجنائي، خصوصًا في جريمة الإبادة، لا يكتفي بمشهد الدم. إنه يريد أن يعرف القصد. وهذا أمر قانوني مفهوم. لكن السخرية تبدأ عندما نكتشف أن القصد شيء يعيش في الرأس، بينما الجريمة تقع في الأرض.

نحن نريد أن نعرف: ماذا كان يقصد الفاعل؟ وماذا قال؟ وماذا فعل؟ وما السياق؟ وما علاقة القول بالفعل؟ وهذا ضروري. لكن المشكلة أن الضحية لا تستطيع أن تقول: «سأنتظر حتى تنتهوا من إثبات القصد.» إنها لا تملك هذا الامتياز الزمني.

نتنياهو يقول: نحن الضحية

وهنا يدخل الخطاب السياسي إلى المسرح. فالخطاب الذي يعتمد على التهديد الوجودي يعيد ترتيب العالم إلى ثنائية بسيطة: نحن الذين نواجه الخطر، وهم مصدر الخطر. وكلما أصبح الخطر وجوديًا، أصبح الدفاع عن الذات أكثر اتساعًا. وكلما اتسع مفهوم الدفاع، أصبح السؤال: أين تنتهي حدود الدفاع؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل العدالة الدولية.

ليس فقط: هل قيلت كلمة «إبادة»؟ بل ما الأفعال التي حدثت؟ ما السياسات التي اتُّخذت؟ ما التعليمات؟ ما القرارات؟ ما النتائج؟ ما العلاقة بين الخطاب والفعل؟ لأن الخطاب وحده لا يكفي لإثبات النية القانونية. لكن الخطاب أيضًا ليس بريئًا بالضرورة. إنه جزء من البيئة التي تُنتج السياسة وتمنحها معنى.

أماليق يدخل الأمم المتحدة

هنا تبلغ السخرية السياسية ذروتها. تخيل المشهد: الأمم المتحدة، المؤسسة التي أنشئت بعد حرب عالمية رهيبة، تحاول أن تتحدث عن القانون الدولي. وفي خطاب أمامها يظهر أماليق.

أماليق، القادم من طبقات الذاكرة القديمة، يدخل قاعة حديثة مزودة بالميكروفونات والشاشات والترجمة الفورية. إنه مشهد يستحق لوحة سريالية. القديم يدخل إلى الحديث، والحديث يكتشف أنه لم يتخلص من القديم. وهنا تصبح المشكلة أن العدو التاريخي يمكن أن يتحول إلى قالب. لا يعود السؤال: «من هو هذا الخصم سياسيًا؟» بل: «أي عدو من الماضي يشبهه؟» وهذه أخطر لحظات السياسة. لأنك عندما تجعل خصمك نسخة من عدو مقدس أو تاريخي، فإنك لا تعود تتفاوض معه بوصفه إنسانًا سياسيًا. لقد نقلته إلى عالم آخر. عالم تصبح فيه التسوية أقل وضوحًا.

فلسفة العبور أمام العدالة التي تحب الجدران

ومن داخل فلسفة العبور تظهر المفارقة بصورة أكثر عمقًا. فالحد في فلسفة العبور ليس جدارًا بالضرورة. إنه يمكن أن يكون معبرًا. أما السياسة حين يحكمها الخوف، فإنها تفعل العكس. تحول الحد إلى جدار. ثم تحول الجدار إلى هوية. ثم تحول الهوية إلى خوف. ثم تحول الخوف إلى عدو. ثم تحول العدو إلى مبرر للسلطة. ثم تعود السلطة لتبني جدارًا جديدًا. وبذلك: (الخوف، الحد، الهوية، العدو، السلطة، إعادة إنتاج الحد).

والعدالة الدولية تقع أحيانًا أمام هذا الجدار. فتقول: «هذا الجدار مخالف للقانون.» ثم تكتب تقريرًا. ثم تصدر قرارًا. ثم تشرح حيثيات القرار. ثم تنتظر. والجدار، من جانبه، لا يقرأ التقارير.

العدالة الدولية والكرسي الفارغ

ربما تكمن إحدى أكبر مشكلات العدالة الدولية في أن القانون لا يملك دائمًا ما يكفي من القوة السياسية لتحويل حكمه إلى واقع. وهذا لا يعني أن القانون بلا قيمة. على العكس.

إن مجرد وجود المحكمة، وإصدار أوامر ملزمة، وتوثيق الوقائع، وخلق سجل قانوني، يمكن أن يكون له أثر سياسي وتاريخي طويل. لكن هذا الأثر لا ينبغي أن يجعلنا نخلط بين: وجود القانون وقدرة القانون على التنفيذ الفوري.

فالقرار القضائي قد يصبح وثيقة تاريخية. وقد يصبح أساسًا للمساءلة. وقد يؤثر في الدول والمؤسسات. لكن بالنسبة إلى إنسان تحت القصف، هناك سؤال أكثر استعجالًا: متى يبدأ مفعول القرار؟

العدالة التي تصل دائمًا بعد «التحقق»

هناك شيء شديد السخرية في علاقة القانون الدولي بالزمن. في السياسة، قد يستغرق تبرير الحرب دقائق. في الحرب، قد يستغرق تدمير حي ساعات. في الخطاب، قد تستغرق صناعة العدو جملة.

أما في المحكمة، فقد تستغرق الإجابة سنوات. وبذلك نكتشف أن الزمن نفسه غير عادل. الفاعل يملك زمن القرار. والضحية لا تملك إلا زمن النجاة. أما المحكمة فلها زمن الإجراءات. والتاريخ له زمنه الخاص. ومن هنا تصبح العدالة الدولية مثل قطار محترم جدًا: لا يتأخر لأنه لا يملك جدولًا زمنيًا للضحايا.

المفارقة الكبرى: القانون أقوى في الذاكرة منه في اللحظة

ومع ذلك، سيكون من السهل جدًا أن نقع في السخرية الكاملة ونقول إن العدالة الدولية لا قيمة لها. لكن هذا أيضًا تبسيط. فالقانون يستطيع أن يفعل شيئًا مهمًا: أن يمنع السلطة من كتابة التاريخ وحدها.

قد تخسر المحكمة معركة اللحظة، لكنها تستطيع أن تحفظ الأدلة. قد لا تستطيع إيقاف الرصاصة، لكنها تستطيع أن تسأل لاحقًا: من أطلقها؟ ولماذا؟ وبأي أمر؟ وبأي قانون؟ وبأي تبرير؟ ولهذا فإن العدالة الدولية ليست مجرد شرطي فاشل. إنها أيضًا ذاكرة قانونية. والمشكلة أن الذاكرة لا تستطيع دائمًا إنقاذ الميت. لكنها تستطيع أن تمنع القاتل من احتكار رواية الموت.

المشكلة ليست أن العدالة الدولية عمياء

بل ربما المشكلة أنها ترى أكثر مما تستطيع فعله. وهذه مفارقة أشد قسوة. المحكمة ترى. المنظمات ترى. الصحافة ترى. الصور ترى. الأقمار الصناعية ترى. الهواتف ترى. والعالم كله تقريبًا يرى. ثم يأتي السؤال: ومن يملك القدرة على تحويل الرؤية إلى فعل؟ هنا يظهر الحد الحقيقي للنظام الدولي. ليس حد المعرفة. بل حد القدرة. نحن لا نعيش في عالم يجهل الجريمة. نعيش في عالم قد يعرفها، ويوثقها، ويصفها، ويصدر بشأنها بيانًا، ثم يكتشف أن المعرفة وحدها ليست سلطة.

الأمم المتحدة بوصفها مسرحًا للعدالة

ربما ينبغي أن ننظر إلى الأمم المتحدة بطريقة أقل رومانسية. إنها ليست محكمة العالم. وليست حكومة العالم. وليست شرطة العالم. إنها ساحة تتصارع فيها الدول، والمصالح، والذاكرة، والقوة، والقانون، والصورة الإعلامية، والشرعية. وهذا يفسر المفارقة: نتنياهو يستخدم المنبر لتقديم رواية إسرائيل. خصومه يستخدمون المنبر لتقديم الرواية الفلسطينية. الدول تستخدمه لإظهار مواقفها. الإعلام يستخدمه لصناعة الصور. والمحكمة تعمل في مكان آخر. أما الضحية، فغالبًا ما تظهر في الخطاب باعتبارها موضوعًا. وهنا تقع المأساة الأنثروبولوجية الكبرى: الجميع يتحدث عن الإنسان. والإنسان نفسه قليلًا ما يكون هو المتحدث.

العدالة الدولية كموظف استقبال للتاريخ

لو أردنا أن نمنح العدالة الدولية شخصية ساخرة، لربما كانت موظف استقبال مهذبًا جدًا. تدخل إليها وتقول: «لقد حدثت كارثة.» فتجيب: «هل لديك رقم القضية؟» تقول: «هناك قتلى.» فتقول: «نحتاج إلى أدلة.» تقول: «هناك أدلة.» فتقول: «نحتاج إلى التحقق منها.» تقول: «تحققوا منها.» فتقول: «الإجراء يحتاج إلى وقت.» تقول: «لكن الناس يموتون الآن.» فتجيب: «نفهم قلقكم.» وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دبلوماسية في التاريخ: «نفهم قلقكم.» فالعدالة الدولية قد تفهم القلق. لكن القلق، للأسف، لا يوقف الدبابة.

منطق العبور: ماذا تفعل العدالة عندما يصبح الحد جدارًا؟

هنا يعود سؤال فلسفة العبور. إذا كان العبور حركة في مواجهة الحد، فإن السياسة العادلة ينبغي أن تعمل على إبقاء الحدود قابلة للعبور السياسي: الحدود بين الجماعات. الحدود بين الذاكرة والحاضر. الحدود بين الأمن والحق. الحدود بين السيادة والقانون. الحدود بين الخوف والتسوية. لكن خطاب الحرب الوجودية يفعل العكس. إنه يغلق الحدود. والعدالة الدولية، عندما تعجز عن فرض قراراتها، تجد نفسها أمام جدار مزدوج: جدار القوة من جهة، وجدار الهوية من جهة أخرى.

وهنا لا يكفي أن نقول: «نحتاج إلى قانون أقوى.» بل ينبغي أن نسأل: كيف يتحول القانون نفسه إلى قوة سياسية قابلة للتنفيذ؟ فالقانون الذي لا يستطيع عبور الحد الذي وضعه لنفسه، يصبح هو الآخر أسيرًا للحد.

خاتمة:

ربما تكون المأساة الكبرى في العدالة الدولية أنها تعلمنا الفرق بين أن تكون العدالة موجودة وأن تصل العدالة. الأولى يمكن أن تتحقق في النص. الثانية تحتاج إلى قوة سياسية. ولهذا يمكن أن تكون المحكمة على حق قانونيًا، بينما يظل الواقع على حاله. ويمكن أن تكون الأوامر ملزمة، بينما تظل الضحية تنتظر. ويمكن أن تكون الحقوق «قابلة للتصديق»، بينما يكون الموت يقينيًا. وهنا تصبح السخرية من العدالة الدولية ليست سخرية من القانون نفسه.

بل من المسافة بين القانون والعالم.

إنها السخرية من نظام يستطيع أن يقول للسلطة: «لا تفعل.» لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمنعها من الفعل. ويستطيع أن يقول للضحية: «نعترف بحقك.» لكنه لا يستطيع دائمًا أن يحميها في اللحظة التي تحتاج فيها إلى الحماية. ويستطيع أن يكتب التاريخ بدقة شديدة بعد سنوات، لكنه لا يستطيع أن يكتب للميت حياة جديدة. وفي هذا المعنى، فإن العدالة الدولية ليست غائبة تمامًا.

وهذه هي المشكلة. إنها حاضرة بما يكفي كي نراها، وعاجزة بما يكفي كي نسخر منها. أما السخرية الأخيرة، وربما الأكثر مرارة، فهي أن العالم لا يزال يملك محاكم وقوانين واتفاقيات وأختامًا رسمية وعبارات مثل «التدابير المؤقتة» و«الحقوق القابلة للتصديق». وكل هذا بينما يسأل الإنسان، في الطرف الآخر من العالم: متى يصبح الحق قابلًا للتنفيذ؟ وربما كان هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُكتب على باب كل محكمة دولية: ليس: هل العدالة موجودة؟ بل كم يستغرق وصولها؟ لأن العدالة التي تصل بعد أن ينتهي كل شيء تستطيع أن تكتب التاريخ. لكنها لا تستطيع دائمًا أن تنقذ الإنسان من أن يصبح جزءًا منه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم