عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر الوائلي: لماذا يختار الإنسان العبودية؟

مقدمة: قبل البحث في الاستبداد، أو في مؤسساته، أو في أدواته، لا بد من التوقف عند المفارقة التي حيّرت الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ: كيف يمكن للإنسان، الذي فُطر على طلب الحرية، أن يقبل بالعبودية؟ بل كيف تتحول الطاعة من استجابة عارضة لظروف القوة إلى نمط دائم من التفكير والسلوك، حتى يغدو الخضوع فضيلة، والامتثال حكمة، والاعتراض خروجًا على النظام؟ إن هذه المفارقة ليست مجرد إشكالية سياسية، بل هي سؤال أنثروبولوجي وفلسفي يتعلق بطبيعة الإنسان، وبكيفية تشكل وعيه، وبالعلاقة المعقدة بين الحرية والخوف، وبين السلطة والرضا، وبين الإرادة الفردية والبناء الاجتماعي.

لقد درجت أغلب الدراسات السياسية على تفسير الاستبداد من زاوية القوة؛ فالمستبد، في هذا التصور، يحكم لأنه يمتلك الجيش، أو يحتكر السلاح، أو يسيطر على الاقتصاد، أو يستخدم أجهزة القمع. غير أن هذا التفسير، على الرغم من أهميته، لا يجيب عن السؤال الأعمق: كيف تستطيع سلطة محدودة العدد والعدة أن تهيمن على مجتمع كامل؟ وكيف يستمر نظام استبدادي عقودًا، وربما قرونًا، رغم أن المحكومين يفوقون الحاكم عددًا وقدرة؟ إن القوة المادية وحدها لا تكفي لتفسير دوام السلطة، لأن السلطة التي تقوم على العنف المجرد تظل مهددة بالانهيار متى ضعفت أدواتها، أما السلطة التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى عادة، فإنها تصبح أكثر رسوخًا وأشد صعوبة في التفكيك. من هنا جاءت أهمية السؤال الذي طرحه المفكر الفرنسي إتيان دو لا بوييسي في القرن السادس عشر في رسالته الشهيرة «مقالة في العبودية المختارة»، حين تساءل: لماذا يطيع الناس طاغية واحدًا، مع أنهم قادرون على التخلص منه لو امتنعوا عن طاعته؟ لم يكن هذا السؤال احتجاجًا أخلاقيًا على الظلم بقدر ما كان محاولة للكشف عن الآليات الخفية التي تجعل الإنسان شريكًا – من حيث لا يشعر – في استمرار النظام الذي يقيده. لقد نقل لا بوييسي النقاش من دراسة المستبد إلى دراسة المحكوم، ومن تحليل القوة إلى تحليل الطاعة، ومن البحث في أدوات السيطرة إلى البحث في البنية النفسية والثقافية التي تجعل السيطرة ممكنة. غير أن مفهوم «العبودية المختارة» كثيرًا ما أسيء فهمه، إذ ظُن أنه يحمل الإنسان مسؤولية استعباده، أو أنه يفترض وجود اختيار حر وكامل للخضوع. والحقيقة أن المقصود بهذا المفهوم أكثر تعقيدًا؛ فالاختيار هنا ليس قرارًا واعيًا يتخذه الفرد في لحظة معينة، وإنما هو حصيلة عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية، والتربية، والخطاب الديني، واللغة، والرموز، والخوف، والعادات، حتى يصبح الامتثال هو السلوك الطبيعي، ويبدو التمرد فعلًا شاذًا أو غير أخلاقي. فالإنسان لا يولد محبًا للطاعة، وإنما يتعلمها، ويتكيف معها، ويعيد إنتاجها في حياته اليومية. وهنا تتجاوز هذه المقالة القراءة التقليدية للا بوييسي لتضع أطروحته في حوار مع عدد من المشاريع الفكرية الحديثة. فإذا كان لا بوييسي قد كشف لغز الطاعة، فإن ميشيل فوكو بين كيف تعمل السلطة من خلال الانضباط والمراقبة وإنتاج الذوات، ولم تعد السلطة مجرد أوامر تصدر من الأعلى، بل شبكة من العلاقات التي تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه. وإذا كان بيير بورديو قد أوضح أن الهيمنة تستمر عبر العنف الرمزي، بحيث يقبل الناس بالنظام الاجتماعي لأنه يبدو لهم طبيعيًا، فإن إريك فروم كشف البعد النفسي للمسألة حين رأى أن كثيرًا من البشر يهربون من الحرية لأنها تضعهم أمام مسؤولية الاختيار، فيبحثون عن سلطة تمنحهم اليقين والأمان. أما عبد الرحمن الكواكبي فقد ربط بين الاستبداد وإفساد الأخلاق والعقول، بينما كشف محمد عابد الجابري عن أثر البنى المعرفية في تشكيل أنماط التفكير، وأبرز مالك بن نبي أثر القابلية الداخلية في استمرار الهيمنة، في حين قدّم علي شريعتي مفهوم «الاستحمار» بوصفه عملية منظمة لتغييب الوعي وإلهاء الجماهير. إن الجمع بين هذه المقاربات لا يراد منه مجرد استعراض لأفكار متفرقة، بل بناء إطار تفسيري يوضح أن الطاعة ليست ظاهرة بسيطة يمكن ردها إلى سبب واحد، وإنما هي نتاج تفاعل معقد بين البنية النفسية، والنسق الثقافي، والمؤسسة السياسية، والاقتصاد، والدين، واللغة، والتعليم، والذاكرة الجماعية. فالسلطة لا تصنع الطاعة وحدها، كما أن المجتمع لا ينتجها بمعزل عن السلطة، وإنما تنشأ بينهما علاقة دائرية يعيد كل طرف فيها إنتاج الآخر. ولهذا فإن هذه المقالة لا تبحث عن إدانة الإنسان لأنه يطيع، بل تحاول فهم الظروف التي تجعل الطاعة خيارًا يبدو عقلانيًا في نظره. فالإنسان قد يفضل الخضوع إذا كان البديل هو الفوضى، أو إذا تربى على أن الطاعة فضيلة مطلقة، أو إذا أقنعته الثقافة بأن الاعتراض خروج على الدين أو الجماعة أو الوطن. وهكذا تتحول العبودية من علاقة خارجية بين السيد والعبد إلى بنية داخلية تسكن الوعي، بحيث لا يحتاج المستبد دائمًا إلى القمع، لأن الناس يتكفلون بإعادة إنتاج النظام الذي يحكمهم. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور مترابطة. يبدأ المحور الأول بتحليل سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة بوصفهما المدخل الفلسفي لفهم الاستبداد. ثم ينتقل المحور الثاني إلى التمييز بين الإكراه بوصفه استخدامًا مباشرًا للقوة، وبين العبودية المختارة بوصفها حالة تتداخل فيها القناعة والعادة والخوف والتنشئة. أما المحور الثالث فيتناول الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا تشارك في إنتاجه الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، واللغة، والإعلام، وسائر النظم الاجتماعية، بما يجعلها جزءًا من الوعي الجمعي لا مجرد استجابة ظرفية للسلطة. وبذلك تمثل هذه المقالة الأساس النظري الذي يقوم عليه الكتاب كله؛ لأنها تنقل البحث من السؤال التقليدي: كيف يحكم المستبد؟ إلى السؤال الأكثر عمقًا: كيف يُنتج المجتمع الطاعة التي تجعل الاستبداد ممكنًا؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، يغدو الاستبداد ظاهرةً يمكن تفكيكها، لا قدرًا تاريخيًا لا سبيل إلى تغييره، وتصبح الحرية مشروعًا لإعادة بناء الإنسان قبل أن تكون مشروعًا لإعادة بناء الدولة.

1. سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة

إن السؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي في منتصف القرن السادس عشر يُعد من أكثر الأسئلة الفلسفية إثارة في الفكر السياسي الحديث، لأنه نقل النقاش من البحث في طبيعة السلطة إلى البحث في طبيعة الطاعة. فلم يتساءل لا بوييسي: كيف يفرض المستبد سلطته؟ بل سأل سؤالًا أكثر عمقًا وإرباكًا: لماذا يطيع الناس المستبد أصلًا؟ وإذا كان البشر أكثر عددًا وأقوى من الحاكم، فما الذي يجعلهم يقبلون الخضوع له، بل ويساهمون أحيانًا في تثبيت سلطته والدفاع عنها؟ لقد كان هذا السؤال بداية لتحول معرفي كبير في دراسة السلطة، إذ لم تعد المشكلة تكمن في القوة التي يمتلكها الحاكم، وإنما في البنية الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تجعل الطاعة ممكنة ومستدامة، وهو التحول الذي سيجد صداه لاحقًا في أعمال ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وإريك فروم، وغيرهم من منظري السلطة الحديثة(). لم يكن لا بوييسي بصدد صياغة نظرية قانونية في الحكم، ولا تقديم برنامج سياسي للإصلاح، وإنما كان يحاول تفسير مفارقة تاريخية لازمت المجتمعات الإنسانية عبر العصور؛ إذ كيف يمكن لرجل واحد أن يحكم ملايين البشر، مع أن هؤلاء يملكون القدرة العددية والمادية على التخلص منه؟ لقد رأى أن السلطة لا تستمد قوتها من ذاتها، وإنما من مقدار الطاعة التي يمنحها الناس لها، وأن المستبد لا يستطيع أن يستمر في الحكم إلا لأن المجتمع يمنحه – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أسباب بقائه(). ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي تفيد بأن الطاغية يسقط إذا امتنع الناس عن خدمته، لأن قوته ليست قوة ذاتية، بل قوة مستعارة من خضوع المحكومين. تكمن جدة أطروحة لا بوييسي في أنها قلبت العلاقة التقليدية بين السيد والعبد؛ ففي الفكر السياسي السابق كان التركيز ينصب على وسائل الإكراه والقهر، أما هو فقد حوّل الأنظار إلى المحكوم نفسه، متسائلًا عن الأسباب التي تجعله يشارك في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده. وبهذا المعنى فإن الاستبداد لا يصبح مجرد علاقة رأسية بين حاكم ومحكوم، بل يتحول إلى علاقة اجتماعية معقدة يشترك في صنعها الطرفان، وإن كانت المسؤولية الأخلاقية والسياسية الأولى تبقى ملقاة على عاتق السلطة المستبدة التي تحتكر القوة وتمنع شروط الحرية. إن أهمية هذا التحول تكمن في أنه يكشف أن تحليل السلطة لا يكتمل بتحليل أدوات القمع، بل لا بد من تحليل البنى التي تجعل القمع مقبولًا أو محتملًا أو حتى مشروعًا في نظر الناس(). غير أن مفهوم «العبودية المختارة» لا ينبغي أن يُفهم على نحو حرفي، وكأن الإنسان يختار العبودية بإرادة حرة ومطلقة، لأن هذا الفهم يُفضي إلى تحميل الضحية مسؤولية استعبادها. والمقصود عند لا بوييسي هو أن الطاعة تتحول مع الزمن إلى عادة اجتماعية، وأن الأجيال التي تولد داخل نظام استبدادي تنشأ على اعتبار الخضوع أمرًا طبيعيًا، فلا تدرك إمكان العيش خارج منظومة السلطة القائمة(). ومن ثم فإن «الاختيار» هنا ليس اختيارًا لحظيًا، بل هو حصيلة عمليات طويلة من التنشئة والتطبيع الثقافي، بحيث يغدو الامتثال جزءًا من تكوين الفرد النفسي والاجتماعي. وقد أدرك لا بوييسي أن العادة تؤدي دورًا حاسمًا في تكوين الطاعة؛ فالإنسان يعتاد النظام الذي يعيش فيه، ويألف قوانينه ورموزه، حتى لو كانت ظالمة. فالاعتياد يخلق نوعًا من الألفة مع الواقع، ويجعل تغييره يبدو مخاطرة مجهولة العواقب. ولهذا فإن المجتمعات التي تتوارث الاستبداد لا تتوارثه بوصفه نظامًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه ثقافة، ولغة، وأسلوبًا في التربية، ورؤية للعالم. ومن هنا يصبح الدفاع عن السلطة دفاعًا عن نمط الحياة المألوف، لا عن الحاكم نفسه(). وتتضح قيمة هذا التحليل إذا قورن بما ذهب إليه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد»؛ فالكواكبي لم يكتف بوصف الاستبداد باعتباره انحرافًا سياسيًا، بل رأى أنه يفسد الدين والعلم والأخلاق والاقتصاد، حتى يصبح المجتمع كله أسيرًا لمنطقه(). وإذا كان لا بوييسي قد بحث في أسباب الطاعة، فإن الكواكبي كشف نتائجها الحضارية؛ فالطاعة العمياء لا تؤدي فقط إلى استمرار الحاكم المستبد، وإنما تُنتج إنسانًا عاجزًا عن المبادرة، يخشى التفكير الحر، ويعتاد الاتكال، فيتحول الاستبداد إلى بنية شاملة تتغلغل في جميع مؤسسات المجتمع. ومع تطور الفكر الاجتماعي في القرن العشرين، اتسعت دائرة تفسير الطاعة لتشمل آليات أكثر تعقيدًا من مجرد الاعتياد. فقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على العنف المباشر، وإنما على إنتاج أفراد منضبطين يراقبون أنفسهم بأنفسهم(). فالمدرسة، والثكنة، والسجن، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية، كلها تسهم في تشكيل ذوات مطيعة، بحيث تصبح الطاعة ممارسة داخلية لا تحتاج دائمًا إلى حضور الحاكم أو الشرطي. وبهذا المعنى فإن لا بوييسي طرح السؤال، بينما قدّم فوكو تفسيرًا لكيفية تشكل شروط الإجابة عنه داخل المؤسسات الحديثة. ومن زاوية أخرى، يضيف بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي، الذي يفسر استمرار الهيمنة دون حاجة إلى الإكراه المادي(). فالسلطة تنجح عندما تجعل تصوراتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية، وعندما يقتنع الخاضعون بأن مواقعهم الاجتماعية أمر مشروع أو محتوم. وهنا لا تُفرض الطاعة بالقوة، بل تُمارس عبر اللغة، والتعليم، والرموز، والذوق، وأنماط التفكير، فيغدو الخضوع نتيجة لاقتناع ضمني بالنظام القائم. أما إريك فروم، فقد قدّم تفسيرًا نفسيًا بالغ الأهمية حين رأى أن الحرية ليست دائمًا موضع ترحيب، لأن الإنسان قد يخشى المسؤولية التي تفرضها، فيلجأ إلى الخضوع طلبًا للأمن والاستقرار(). فالطاعة، في بعض الحالات، ليست مجرد استجابة للخوف من العقاب، بل محاولة للهروب من قلق الاختيار. ومن ثم فإن السلطة لا تستمد قوتها من قدرتها على التخويف وحدها، وإنما أيضًا من قدرتها على إشباع حاجة نفسية لدى بعض الأفراد إلى اليقين والانتماء. وتكتسب هذه الرؤى أهمية خاصة عند إسقاطها على الواقع العربي؛ إذ لا يمكن تفسير استمرار أنماط الاستبداد بردّها إلى إرادة الحكام وحدهم، كما لا يصح اختزالها في عوامل خارجية. فهناك منظومات ثقافية وتربوية ودينية وسياسية أسهمت تاريخيًا في تكوين ثقافة تميل إلى الامتثال أكثر من ميلها إلى النقد، وإلى البحث عن الحماية أكثر من البحث عن الحرية. وهذا لا يعني أن الطاعة صفة جوهرية في العقل العربي، بل يعني أن الظروف التاريخية والاجتماعية أنتجت أنماطًا معينة من العلاقة بالسلطة، وهي أنماط قابلة للنقد والتغيير متى تغيرت شروط إنتاجها. وعليه، فإن سؤال لا بوييسي لا يفقد راهنيته، بل يزداد أهمية في عالم تتخذ فيه السلطة أشكالًا أكثر تعقيدًا مما عرفه القرن السادس عشر. فالاستبداد اليوم لا يقوم على السيف وحده، بل على المدرسة، والإعلام، والخطاب الديني، والاقتصاد، والتقنيات الرقمية، وصناعة الرأي العام. ولذلك فإن فهم الطاعة لم يعد مسألة سياسية فحسب، وإنما أصبح مدخلًا لفهم الثقافة والمجتمع والوعي. ومن هنا ينطلق هذا الكتاب ليجعل سؤال لا بوييسي نقطة البداية في مشروع أوسع يسعى إلى الكشف عن الأركيولوجيا العميقة للطاعة، وكيف تحولت عبر التاريخ إلى بنية ثقافية تعيد إنتاج الاستبداد جيلاً بعد جيل.

2. الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده.

3. الطاعة بوصفها بناءً ثقافياً

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده. خاتمة تُفضي هذه المقالة إلى نتيجة أساسية مفادها أن الاستبداد لا يبدأ من الحاكم، بل من البنية التي تجعل الطاعة ممكنة، وتمنح السلطة شرعيتها واستمرارها. فالسؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي قبل أكثر من أربعة قرون لم يفقد راهنيته، بل ازداد عمقًا في ظل التحولات الحديثة؛ إذ لم يعد جوهر المشكلة في امتلاك السلطة لأدوات القهر، وإنما في قدرتها على تحويل الطاعة إلى جزء من الوعي الفردي والجمعي، بحيث يغدو الامتثال سلوكًا اعتياديًا، ويصبح الخضوع فضيلة أخلاقية أو ضرورة اجتماعية. ومن هنا انتقل البحث من تفسير الاستبداد بوصفه علاقة سياسية بين الحاكم والمحكوم إلى فهمه بوصفه علاقة ثقافية ومعرفية ونفسية تتغلغل في مؤسسات المجتمع وآليات تنشئته. وقد أظهر تحليل سؤال لا بوييسي أن الطاعة ليست استجابة تلقائية للقوة، وإنما هي ظاهرة مركبة تتداخل فيها العادة، والخوف، والتنشئة، والرموز، والشرعية، والذاكرة الاجتماعية. كما بيّن التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة أن السلطة تبلغ ذروة فاعليتها عندما لا تعود بحاجة إلى الإكراه المباشر، لأن الإنسان يصبح رقيبًا على نفسه، ويعيد إنتاج النظام الذي يخضع له من خلال سلوكه اليومي وقناعاته الثقافية. أما النظر إلى الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا، فقد كشف أن الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، واللغة، ليست مؤسسات محايدة، بل يمكن أن تتحول إلى فضاءات لإنتاج الامتثال أو إلى أدوات لتكوين الإنسان الحر، تبعًا للمنظومة الفكرية والقيمية التي تحكمها. ومن ثم، فإن العبودية المختارة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إدانة للإنسان أو تحميلًا له مسؤولية استعباده، بل بوصفها وصفًا للكيفية التي تنتقل بها السلطة من الخارج إلى الداخل، ومن القهر المادي إلى الضبط الذاتي، ومن مؤسسات الدولة إلى بنية العقل ذاته.

وهذه النتيجة تفتح أفقًا نقديًا جديدًا؛ إذ يصبح تحرير الإنسان مشروعًا يتجاوز تغيير الحكام أو إصلاح المؤسسات السياسية، ليشمل إعادة بناء الثقافة، وتجديد التربية، ونقد الخطاب الديني والسياسي، وترسيخ قيم المسؤولية والتفكير النقدي. فالاستبداد الذي يُبنى في الوعي لا يُهزم بالقوة وحدها، وإنما يُهزم بإنتاج وعي جديد يجعل الحرية قيمة معرفية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا. وعلى هذا الأساس، تمثل هذه المقالة المدخل النظري للكتاب كله؛ لأنها تضع القارئ أمام الفرضية المركزية التي ستتكرر بأشكال مختلفة في المقالات اللاحقة، وهي أن الطاعة ليست معطى فطريًا ولا قدرًا تاريخيًا، بل بناء اجتماعي قابل للتفكيك وإعادة التشكيل. فإذا كان الاستبداد قد نجح عبر التاريخ في صناعة الإنسان المطيع، فإن مشروع التحرر الحقيقي يبدأ بصناعة الإنسان القادر على السؤال، والنقد، وتحمل مسؤولية الحرية. ومن هنا تنطلق المقالة التالية لتتتبع الجذور التاريخية للطاعة في التراث العربي، باحثةً في الكيفية التي انتقلت بها من البناء القبلي إلى بنية الدولة، ومن العصبية الاجتماعية إلى الشرعية السياسية، لتصبح جزءًا من التكوين العميق للعقل والثقافة.

***

د. عامر الوائلي

في المثقف اليوم