عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل اللغة تقرر الفكر؟

هل توجد في لغتنا القوة الكافية لصياغة تفكيرنا؟ طبقا لفرضية سابير- وورف، الجواب هو بالتأكيد نعم. ان فرضية سابير – وورف تفترض ان اللغة التي نتحدث بها يمكن ان تضع حدودا للمفاهيم التي نفكر بها. هناك اكثر من سبع الاف لغة جرى تحديدها في كل العالم. هذا يعني ان الادراك البشري تطور طبيعيا ليستعمل سبعة الاف نظام للاتصالات لتبادل المعلومات والأفكار.

مع كل ذلك، هذه اللغة عادة تكون غير مفهومة للبعض الآخر وفيها من السمات تختلف بشكل لافت. وفي ضوء التعقيدية في نظام الاتصال البشري، يمكن للمرء ان يتساءل ما اذا كانت اللغة تؤثر على التفكير، وبتحديد اكثر، ما اذا كانت اللغة التي يتحدث بها المرء تؤثر على الطريقة التي يفكر بها. هذا المسعى هو في لب فرضية سابير – وورف التي تُعرف أيضا بفرضية النسبية اللغوية linguistic Relativity hypothesis.

فرضية سابير- وورف

هذه الفرضية في الأصل صيغت من جانب اثنيين من لغويي القرن العشرين وهما ادوارد سابير و بنيامين وورف. جوهر الفرضية هي الفكرة بان اللغة التي يتحدث بها الشخص تضع حدودا على المفاهيم التي يفكر بها. وعليه، طبقا لهذه الفرضية، تلعب اللغة دورا هاما جدا في تقرير موضوعات التفكير وآلياته. وكمثال تطبيقي، لننظر في كلمات متعلقة بالألوان. كلمات الألوان تختلف عبر اللغات، وبعضها يشتمل على عدد هائل من الوحدات المعجمية التي تميز بين العديد من الألوان الرئيسية (مثل قرمزي او ارجواني فاتح)، بينما أخرى تمتلك ما لا يزيد عن وحدتين معجميتين للتمييز بين ألوان فاتحة ومعتمة.

وبالتالي، وطبقا لفرضية سابير وورف، فان عدم وجود كلمة للون معين في لغة الشخص الاصلية سوف يمنعه من التفكير بشكل منفصل حول ذلك اللون او من ادراكه بشكل متميز. لذلك، فان التحدث بلغة لا تمتلك كلمة لـ "الأخضر" ربما يمنع المرء من تصور وادراك "اخضر" كشيء مختلف ومتميز عن "ازرق" او "اصفر".

وبنفس الطريقة، ليس كل اللغات تمتلك نفس الكلمات للعواطف. ولهذا فان عدم امتلاك كلمة لوصف عاطفة يشعر بها شخص معين ربما يقوده للكفاح لتحديدها وتمييزها عن الاخريات، وبالنتيجة يجعل من الصعب التفكير فيها كمتميزة عن العواطف الأخرى.

نجاح الفرضية

بينما تعاني الفرضية من عدة مغالطات، هي تبقى من بين أفضل الاستنتاجات في البحوث اللغوية في أوساط غير اللغويين. استطلاع ما اذا كانت الصناعات البشرية مثل اللغة، تمتلك القوة لتحديد قدرة المرء الفكرية هو شيء جاذب بحيث لايمكن انكاره. من المؤكد انها تولّد اهتماما كبيرا حتى بين غير المختصين. مع ذلك، بالإضافة لجاذبية الموضوع، يمكن للفرضية ان تحقق بعض النجاح النظري لو انها عملت جيدا اثناء الاختبار. الشيء الرئيسي الذي نريد فحصه هو ما اذا كان هناك اختلاف قابل للقياس في تمييز أشياء بتسميات معينة بين مجموعتين: مجموعة متمكنة من هذه التسميات، والمجموعة الأخرى بدون هذه القدرة. تقنيا، تسمية الأشياء والمفاهيم هي طريقة لتحديدها وتمييزها عن أشياء مشابهة او غير مشابهة. في فلسفة اللغة وعلم الدلالة، هذا يسمى الإحالة او الدلالة reference or denotation . فمثلا،الوحدة المعجمية "طفل" تشير الى انسان من أي جنس تحت عمر الـ 13 عاما، بينما كلمة "مراهق"، "بالغ" و "شخص كبير في السن" تشير الى انسان من أي جنس ولكن ضمن فئات عمرية مختلفة. في هذا المثال، الوحدات المعجمية توضح ان المرء لا يشير ببساطة الى أي انسان من أي جنس، بل يشير الى أي انسان من أي جنس ضمن فئة عمرية محددة. قدرة المرء على الاستفادة من هذه التصنيفات تسمح له للاعتراف بوجود كل فئة والتمييز بينها.

من السهل تصور انه اذا كانت لا توجد التسميات لكل فئة، سيصارع المرء بالضرورة لتحديدها كمنفصلة وسوف يفضل التفكير بسهولة في البشرية ككل.

مشكلة الفرضية

ان فرضية سابير- وورف تذهب الى ما وراء الدعوة الى الدلالة المباشرة او التسمية وبدلا من ذلك هي تؤكد ان التصور و التفكير في الكينونات التي ليس لها اسم في لغة المرء هو امر مستحيل. فمثلا لو فكرنا في الكلمة الألمانية schadentfreude التي تصف مفهوم الابتهاج او الشعور بالسعادة تجاه فشل او مكروه وقع به الاخرون. فرضية سابير وورف لا تجادل فقط ان امتلاك كلمة لتسمية او الإشارة الى عاطفة يسمح للمرء لتصويرها بوضوح اكبر وفهمها على النقيض من العواطف الأخرى من نفس النوع، وانما أيضا تدّعي ان المرء سوف لن يكون قادرا على التفكير في هذه العاطفة او الشعور بها او ادراكها ككل. ومن هنا، الفرضية تدّعي ان القدرة على التفكير حول الشعور بالابتهاج تجاه فشل شخص ما هي محددة اكثر بين متحدثي الإنجليزية قياسا بمتحدثي الألمانية.

مثال مشابه يمكن عمله عندما نفكر في اللون. الايطاليون يميزون بين الأزرق الغامق المرتبط بلون البحر او سماء الليل، ويطلقون عليه اسم "ازرق" و الازرق الفاتح المرتبط بلون السماء في يوم مشمس ويطلق عليه اسم ازرق سماوي  "azzurro ". هذان اللونان لا يعملان كنسخ مشابهة لبعضهما اكثر مما يعمل  لون "قرنفل" او "برتقالي" لمتحدث الإنجليزية كمتميزان عن "الأحمر"، هما ألوان بطبيعتهما الخاصة. ربما بالإمكان الادّعاء ان عدم امتلاك اسم للتمييز بين الداكن والازرق الخفيف قد يزيد من صعوبة ادراكهما كمتميزين بشكل واضح. مع ذلك، لا يُنكر ان اللغة المستعملة لايمكنها ان تحدد قوة الشخص على التفكير حول الأزرق الداكن جدا والازرق الخفيف جدا.

ماذا يقول علم اللغة linguistics؟

اذا كانت فرضية سابير  وورف خلقت نقاشا لا بأس به، فان اللغويين الحديثين يرفضون الحتمية اللغوية linguistic determinism (فكرة ان اللغة تقرر ما نفكر فيه) ربما الباحثون المعاصرون يقبلون نسخة أضعف تُعرف بـ النسبية اللغوية، التي تبيّن ان اللغة يمكن ان تؤثر في التحيزات المعرفية والادراك. اللغات تتطور باستمرار، ولكن تغير اللغة غير مستقل ابدا عن الفاعلية البشرية. اللغات هي وسائل للاتصال البشري، وعلى هذا الأساس، هي تتحدد بواسطة حاجات المتصلين البشر. وهكذا، اللغات بطبيعتها، تتطور طبقا للحاجات الاتصالية لمستعمليها. هذا يعني  ان اللغات تطوّر اوتوماتيكيا تعبيرات ووحدات معجمية للاشياء التي يلزم ايصالها. عندما تجلب تجارب جديدة مستعملي لغة لمواجهة أفكار وتصورات جديدة، او عندما هم يشعرون بالحاجة للإشارة الى موقف معين لتجربة في تضاد مع اخريات من نفس النوع، هم سيطورون طريقة للقيام بهذا.

لكي نعرض مثالا، لنتصور انتقالا الى بلد بعيد جدا وسنتذوق حينها طعاما محليا. المذاقات التي سنواجهها ستكون بالضرورة مختلفة جدا عن تلك التي اعتدنا عليها، وربما نشعر بالحاجة للاستفادة من كلمة جديدة او عبارة مطوّلة لوصفها. المذاقات الجديدة تتألف من تجربة جديدة وتصور جديد حالما يُجرب ويُدرك، ربما يتطلب منا تكييف لغتنا لنصف إحساسا جديدا كليا. مع ذلك، حقيقة ان لغتنا ليس فيها طريقة لوصف ذلك الذوق لايعني اننا لا نستطيع تصوره، واننا لا نستطيع التفكير حوله. بدلا من ذلك، اللغة كيّفت نفسها لحاجتنا الجديدة لتعبير معين.

يتبع من هذا ان اللغة لا تأتي قبل الفكر وانما تعمل كأداة لإيصال الأفكار. ومن هنا، الجدل بان اللغة يمكن ان تقرر الفكر سيعني سوء فهم للتأثير الذي تمتلكه الأفكار على اللغة والعملية الاشتقاقية التي تربط التجربة والادراك والتفكير في اللغة.

ماذا تقول الفلسفة؟

بينما فرضية سابير وورف تشكل تحديا لغويا فهي حتما ستولّد نقاشات أخرى في حقل الفلسفة، خاصة في فلسفة الذهن. فلسفة الذهن هي فرع من الفلسفة تهتم بالادراك، أي، وظيفة الذهن، والطريقة التي نتصور بها ونفهم ونتصل. جزء من مسعاها هو أيضا التحقيق بطبيعة العلاقات الادراكية والتبادل بين الافراد، وهي المسألة التي تتحداها فرضية سابير وورف مباشرة.

القضية الملائمة جدا التي عرضتها الفرضية هي انه، من خلال قبولها، سيجادل المرء بان البشر يمتلكون،عموما، أنظمة ادراكية مختلفة وغير متوافقة في نهاية المطاف. مع خطر تبسيط الفرضية، سنصل الى حقيقة ان هناك اكثر من سبع الاف لغة في العالم جرى تحديدها، وان البشرية طورت اكثر من سبعة الاف نظام للادراك، تشكلت بواسطة اللغات المرتبطة بها. ادّعاء ان البشر لا يشاركون نظام ادراكي، وانما لديهم عدة أنظمة ادراكية، كل واحد يختلف قليلا او بعمق عن الآخر، حتما يثير أسئلة إضافية حول الاتصال والفهم.

مصير فرضية سابير – وورف

يمكن الاستنتاج بأمان: ان فرضية سابيير منذ صياغتها الأولية، ولّدت اهتماما كبيرا وغذت نقاشات هائلة سواء داخل او خارج العالم الاكاديمي. ما أشرنا اليه في السطور السابقة، هو ان ادّعائاتها قوية جدا وفي نهاية المطاف هي غير منسجمة مع طبيعة الادراك. لذا فان الفرضية خاطئة(1) . الفرضية قدّمت بعض التنبؤات المثيرة التي أثارت اهتماما اكاديميا في العلاقات بين اللغة والادراك وحفزت العديد من الدراسات الثاقبة حول القضية. وهكذا، فان فرضية سابير ـ  وورف جرى التحقق منها على نطاق واسع وروجعت بشكل افضل لتعكس الطبيعة الحقيقية لنظام الادراك البشري وتعزيز دقتها المحتملة، انها تعرضت أيضا للانتقاد لعملها تنبؤات غير دقيقة.

النظر في هذا لن يكون ممكنا بدون الصياغة الأولى للفرضية، قيمتها تبقى بمنأى عن الاعتراض بسبب الاهتمام الذي أوجدته في دراسة العلاقة بين اللغة والفكر والادراك.

***

حاتم حميد محسن

...........................

The collector, Aug 4,2026 

الهوامش

(1) الصيغة القوية لفرضية سابير وورف تُعتبر خاطئة لأنها تدّعي ان اللغة تقرر تماما ما نفكر فيه. في الواقع، الناس يمكنهم بسهولة فهم المفاهيم والشعور بالعواطف ورؤية الألوان حتى عندما تفتقر لغتهم الاصلية لكلمة معينة او قاعدة نحوية لها.

 

في المثقف اليوم