عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

كريم الوائلي: تجديد الفكر العربي عند زكي نجيب محمود

لقد أيقظت المجتمع العربي صدمة اللقاء بالحضارة الغربية إبان الاحتلال الغربي للوطن العربي، وكان رد الفعل الأولي مواجهة عسكرية خسرها الثوار، لأنهم واجهوا جيوشاً معدة، وأجهزة متطورة، ومن ثم دفعت المواجهة الحضارية إلى تأمل الذات والآخر، والحاضر والماضي، والواقع والواقع الآخر، فكانت المواقف متفاوتة ومتباينة على النحو الآتي:

1- الانسلاخ تماما من التراث العربي والإسلامي والارتماء بأحضان الحضارة الغربية، اذ يرى انصار هذا الاتجاه ان تقدم الشرق لا يمكن ان يتحقق الا بالتبعية للآخر الغربي، فكريا وسياسيا واقتصاديا .

2 - الانكفاء نحو الذات، والعودة للتراث بوصفه المنقذ، وكما تمكن التراث من حل معضلاته ومشكلاته في سياقاته التاريخية والاجتماعية السابقة، يمكنه، أيضا، ان يحل معضلاته المعاصرة .

3 - المجاورة بين إنجازات التراث العربي والحضارة الغربية بحيث نجدل منهما ضفيرة واحدة، تحاول التوفيق بين الماضي العربي والحاضر الغربي .

وقد استخدم المفكرون العرب مناهج متعددة تتأسس في ضوئها قراءات التراث، فلقد وظف الطيب تيزيني وحسين مروة المنهج الماركسي من اجل الانتقال من التراث الى الثورة عند تيزيني ومن الضرورة الى الحرية عند حسين مروة، كما سعى محمد عابد الجابري الى قراءة ذات طبيعة تنويرية للكشف عن تكوين العقل العربي .

أما زكي نجيب محمود فلقد تطور موقفه مع تطور الحركة القومية ليقدم منهجا توفيقيا في قراءته للتراث، وتحديد أليات مستقبل التقدم . وكان متعصبا ـــ في اول حياته ـــ لتصور يرى فيه أنَّ الفكر الغربي " هو الفكر الإنساني الذي ليس لفكر سواه " وانه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا اذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر الى الانسان والعالم "وكان يتمنى ان يأكل كما يأكل الغربيون ويلعب كما يلعبون ويكتب من اليسار الى اليمين كما يكتبون، ظنا منه ان الحضارة وحدة لا تتجزأ " فإما ان نقبلها من أصحابها ـــ واصحابها اليوم هم أبناء اوروبا وامريكا بلا نزاع ـــ واما ان نرفضها "، ويعزو موقفه هذا الى المامه بالثقافة الغربية وجهله بالتراث العربي الذي وصفه بانه " كاد ان يكون تاما "، بحيث تبدو أسماء الاعلام العربية والمذاهب في التراث " لا تجيئه الا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة يلمحها، وهي طافية على أسطر الكاتبين ".

ويكتشف زكي نجيب محمود وكأنه في "صحوة قلقة " او " عرج في بنائه الثقافي " وهو في انضج سنيه " بان مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة، هي ليست كم اخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغي ان نزيد ... وانما المشكلة كيف نواءم بين ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا او نفلت منه، وبين تراثنا الذي بغيره تفلت منه عروبتنا او نفلت منها "، وينبغي ان يكون الحل المواءمة والمجاورة بين فكرين، اطلق عليهما المنقول أي الفكر الغربي، والاصيل أي التراث العربي، ويكشف أنَّ هذه "الصحوة القلقة " قد تأتت بعد استيقاظه بعد ان فات الآوان، او اوشك على ذلك فيما يقول، والاستيقاظ لم يأت بعد نوم وانما من غفلة او جهل او فهم خاطئ، ولذا أراد ان يسد هذا الفراغ الكبير بازدراد تراث آبائه، بحيث " يعب صحائف التراث عبا سريعا " ويطرح سؤالا " كيف السبيل الى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا بحيث يندمج فيها المنقول والاصيل في نظرة واحدة ".

ويبدو ان زكي نجيب محمود يعيش مفارقة الصدمة القلقة او العرج في بنائه الثقافي، والاقتصار في المعرفة على منبع الآخر وحده، وسعيه الى المواءمة بين الفكر الغربي والتراث العربي، ويشعر انه قد استيقظ بعد غفلة طويلة فشرع في قراءة التراث على عجالة، ومن ثم يهدف الى دمج الفكرين الغربي (المنقول) والعربي (الأصيل) .

2

ان الانسان العربي يعيش انشطارا حقيقيا في شخصيته وانماط تفكيره، ذلك انه يزاوج بشكل منفصل بين أقواله وأفعاله، فقد يكون مزهوا بانجازاته العلمية في العلوم الفيزياء والكيمياء ولكنه يعتقد عن ايمان وتصديق بالخرافات والخوارق والكرامات، الامر الذي دفع زكي نجيب محمود الى القول إنَّ الانسان العربي "يعيش على مستويين لا صلة بينهما فالقول ناحية والتطبيق ناحية " .

واذا كان سؤال النهضة الذي بدأه مفكرو القرن التاسع عشر وحاولوا فيه الإجابة عن كيفية النهوض بالأمة، فإن زكي نجيب محمود لم يقدم إجابة تامة، لأنه ـــ فيما يقول ــ ليتعذر علينا اليوم ان نقول عن الفكر العربي انه قد اصبح ذا طابع يميزه "، ويرفض المجاورة بين الثقافتين الغربية والعربية، بحيث نشير بأصابعنا الى رفوف نقول هذا شكسبير قائم الى جوار ابي العلاء المعري، لان مجرد المجاورة لا يعني حلا لمشكل معضل، كما انه يرفض الفصل بين الثقافتين فصلا حادا، لان هناك تناقضا او ما يشبه التناقض بين الثقافتين لأنه اذا كان عربيا صميما اقتضى ذلك ان يغوص في تراث الاقدمين حتى لا يدع رأيا مجالا لجديد، ... واذا كان معاصرا صميما كان محتما عليه ان يغرق حتى اذنيه في هذا العصر بعلومه وآدابه وفنونه وطرائق عيشه، ويرى ان الحل ان تكون هناك تركيبة عضوية يتمزح فيها تراثنا مع عناصر العصر الراهن الذي نعيش فيه، لنكون بهذه التركيبة عربا ومعاصرين في آن " غير ان سؤالا محيرا يطرحه زكي نجيب محمود، كيف نفعل ذلك ؟ ما الذي نأخذه؟ وما الذي نتركه من القيم التي انبثت في خلفه الاقدمون ؟ ثم ما الذي نأخذه وما الذي نتركه من هذه الثقافة الجديدة ؟" وكيف ننسج الخيوط التي استللناها من قماشة التراث مع الخيوط التي انتقيناها من قماشة الثقافة الاوربية والأمريكية ؟، كيف ننسج هذه الخيوط مع تلك في رقعة واحدة، لحمتها من هنا وسداها من هناك، فاذا هي نسيج عربي معاصر؟

3

ويؤكد زكي نجيب محمود انه ( كثيرا) ما شكك في جدوى السؤال المطروح في الخروج من الازمة الخانقة التي يعاني منها لايجاد حل ... ولأنه يعاني من صحوة قلقة، و (كثيرا) ما يشكك في جدوى طرح الأسئلة ولكنه (فجأة) يجد الحل بقوله " وفجأة وجدت المفتاح الذي اهتدي به " ولم يكن هذا المفتاح عربيتا او تراثيا، ولكنه في مصدر غربي لدى هربرت ريد في عبارته " انني على علم بان هناك شيئا اسمه (التراث) ولكن قيمته عندي في كونه مجموعة من وسائل تقنية يمكن ان نأخذها عن السلف لنستخدمها اليوم ونحن آمنون بالنسبة الى ما استحدثناه "

ومن الغريب ان يصرح زكي نجيب محمود بانه وجد في هذه العبارة مفتاحا للموقف كله، اذن مرجعية الحل ليست عربية، وانما غربية، وفي نص لاحد المفكرين الغربيين ومن الغريب ان تكون عبارة هربرت ريد " مفتاحا للموقف كله "

ان هذا المفتاح الغربي ــ مقولة هربرت ريد ــ تنظر الى التراث الغربي، فتأخذ ما يصلح لواقعهم الغربي المعاصر، وقد يكون هذا صحيحا، غير ان هذه المقولة لا يمكن ان تكون معيارا نطبقه على تراثنا العربي، اذ يبدو ان زكي نجيب محمود ما يزال يستخدم الأدوات الغربية، ولا يطبقها على الفكر الغربي، وإنما يحاول تطبيقها على الفكر العربي، بمعنى ان زكي نجيب محمود يجعل من هربرت ريد يفكر نيابة عن، وان كان بشكل مختلف .

ولذلك نجده يطبقها حرفيا حيث يقول " نأخذ من تراث الاقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقا عمليا فيضاف الى الطرائق الجديدة المستحدثة فكل طريقة للعمل اصطنعها القدامى وجاءت طريقة جديدة انجح منها، كان لا بد من اطراح الطريقة القديمة ووشعها على رف الماضي الذي لا يعنى به الا المؤرخون "

ونخلص من هذا الى نتيجة مفادها ان البحث عن " طرائق السلوك التي يمكن نقلها عن الاسلاف العرب بحيث لا تتعارض مع طرائق السلوك التي استلزمها العلم المعاصر والمشكلات المعاصرة " ولم يقتصر زكي نجيب محمود على ذلك بل انه قسم المعرفة على أساس منهجي يستقيه من فيلسوفين غربيين، وهما :ديكارت الذي " أراد ان يكون السير العلمي بادئا من فكرة داخلية نثق في صوابها، ثم نمضي خارجين الى العالم الطبيعي وما وراءه، واما ثانيهما فهو بيكون الذي رأى ان يكون طريق السير في الاتجاه المضاد، بادئا من الطبيعة الخارجية وما نشاهده في ظواهرها، ثم نمضي داخلين الى فكرة عقلية نقيمها ونكون على يقين من صوابها .

***

الدكتور كريم الوائلي

في المثقف اليوم