عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: الصفر الفلسفي المطلق وتداعيات الوعي المطلق

رعشة الوجود الأول، والهروب نحو الوعي الدوغمائي

يمثل مفهوم "الصفر المطلق" في التحليل الفلسفي والميتافيزيقي نقطة العدم التأسيسية، أو الدرجة الصفرية التي تسبق تشكل الأنساق وتخلق المعاني، وهو الفراغ الأنطولوجي البارد الذي تنبثق منه "رعشة الوجود الأول". في تلك اللحظة البدئية، يجد الكائن البشري نفسه مقذوفاً في مواجهة كون غير محدد الملامح، مما يولد صدمة وجودية قاهرة تدفعه نحو البحث المستميت عن الحقيقة، ومحاولة صياغة "وعي مطلق" قادر على تفسير الشيئية والظواهر المحيطة به، محولاً الإدراك الحسي المجرد إلى مفاهيم كلية يحتمي بها من قلق العدم. غير أن مسار الوعي البشري في التعامل مع هذه الرعشة الوجودية يختلف جذرياً باختلاف السياقات الثقافية والتاريخية والإبستمولوجية. فبينما اتجه العقل الفلسفي المنفتح نحو تقبل قلق السؤال واعتباره محركاً لصيرورة مستمرة من العقلنة، نجد أن العقل في الشرق الأوسط قد سلك مساراً مغايراً تماماً؛ إذ تحولت هذه الرعشة الوجودية الأولى إلى دافع لتأسيس يقينيات شمولية صارمة ومطلقات لا تقبل المساءلة.

لم تكن هذه الرعشة في الفضاء الشرق أوسطي حافزاً نحو عقلنة جدلية، بل استحالت إلى هاجس مرضي أدى إلى انغلاق "الوعي المطلق" داخل سياجات دوغمائية صلبة. وعوضاً عن تقبل الصيرورة والتغير التاريخي، تمترس العقل السياسي واللاهوتي خلف نصوص وأنساق مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، مما أنتج بنية أيديولوجية ترفض التفكيك وتجرم المساءلة النقدية. إن هذا التأسيس الميتافيزيقي لفكرة الوعي المطلق هو ما يفسر الاستعصاء الفلسفي لعقلنة الواقع العربي ؛ إذ تم استبدال القلق الوجودي المنتج، الذي يؤسس للفردية وللسؤال الفلسفي الحر، بيقينيات شمولية تقمع أي محاولة للتمرد المعرفي، محولة الفرد إلى مجرد صدى باهت لصوت الجماعة.

استحالة الفردية الهوياتية في الأنساق الأيديولوجية المغلقة

في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، شهدت المجتمعات الإنسانية تحولاً جذرياً في مفهوم الهوية، حيث انتقلت من كونها "هبة جاهزة" وموروثة حتمياً إلى "مهمة إجبارية" تتطلب من الفرد بناء ذاته وتحمل مسؤولية اختياراته وعواقبها، وهو ما يُعرف في السوسيولوجيا المعاصرة بالانتقال نحو الفردانية وتحرير الفرد من الشخصية الاجتماعية الصارمة الموروثة. يشير التحليل السوسيولوجي للمفكر زيجمونت باومان إلى أن الهوية في عالم "الحداثة السائلة" أصبحت تتأرجح بين الرغبة الملحة في التحرر الفردي وبين الخوف العميق من العزلة والهجران، مما يجعلها معركة مستمرة للتوفيق بين الأضداد، وأداة للتوحيد والتفريق في آن واحد.

غير أن مقاربة هذا المفهوم المعقد في سياق الأيديولوجيات المهيمنة في الشرق الأوسط تكشف عن استحالة بنيوية لتحقق ما يمكن تسميته "الفردية الهوياتية". فالفضاء الثقافي والسياسي في هذه المنطقة لا يزال محكوماً بسرديات كبرى ترفض رفضاً قاطعاً تحرير الفرد من عباءة الجماعة، سواء تمثلت هذه الجماعة في طائفة مغلقة، أو قبيلة، أو أمة متخيلة تتطلب الخضوع التام. إن محاولة بناء هوية فردية مستقلة عن المركزية الجمعية تُقابل في هذا السياق بالتخوين والوصم والنبذ المجتمعي، إذ تعتبر الأيديولوجيات المهيمنة أن أي نزوع نحو الفردانية يمثل تهديداً مباشراً لتماسك البنية الاجتماعية والسياسية، وتماهياً مع الفردانية الغربية التي تُصوَّر على أنها متحللة من كافة الالتزامات الأخلاقية والوطنية والقومية.

الفوضى القابلة للإدارة والجنون المزدوج للعقل العربي

لا تقتصر استراتيجيات الأنظمة الحاكمة في إدارة أزماتها على القمع المادي المباشر والاعتقالات المفتوحة، بل تمتد إلى هندسة ما يُعرف بـ "الفوضى القابلة للإدارة". إذ تفترض هذه الاستراتيجية السياسية الخبيثة أن إبقاء المجتمعات في حالة مستمرة من اللايقين، والاضطراب الهيكلي، والصراع الأهلي الكامن، هو الأداة المثلى لضمان السيطرة الشاملة. ويُستخدم هذا النهج سواء من قِبل النخب الحاكمة محلياً للتهرب من استحقاقات التنمية والديمقراطية، أو من قِبل القوى المهيمنة إقليمياً ودولياً لتمرير أجنداتها.

في هذا السياق المأزوم، تبرز ظاهرة سيكولوجية وسياسية يمكن تسميتها بـ"الجنون المزدوج" أو "الشيزوفرينيا المعرفية" للعقل العربي. يتم وضع الفرد العربي في قلب تناقض حاد وعنيف بين الخطاب الرسمي الذي يدعي تبني الحداثة والتنمية وحقوق الإنسان، وبين الواقع المعاش الذي يفيض بأبشع صور الاستبداد والتخلف والقمع. ولإدامة هذه الفوضى وشل قدرة المجتمع على التفكير السليم، تلجأ السلطة الاستبدادية إلى سلاح أشد فتكاً يتمثل في "الوصم بالجنون" أو "التجريم المعرفي". فأي عقل نقدي يطالب بالتغيير الحقيقي، أو يحاول تفكيك السردية الرسمية المزيفة، لا يُناقش باعتباره خصماً سياسياً أو صاحب رأي، بل يُقصى فوراً ويُوصم باللاعقلانية، والانحراف، والعمالة، والجنون.

الاستبداد المستنير والتحول الفوقي

من زاوية أخرى في مقاربة الأزمات المرتهنة، ظهر في الخطاب السياسي العربي المعاصر ما يُعرف بنموذج "الاستبداد المستنير"، والذي يمثل تحولاً نحو أساليب أكثر مرونة في الهيمنة، وخصوصاً في الدول الريعية الغنية. يعتمد هذا النموذج على تفويض جزئي للسلطة لمؤسسات بيروقراطية رسمية، ويستبدل العنف المادي الفج بسياسات الإقناع وشراء الرضا الشعبي عبر توفير البنية التحتية والمنافع الاقتصادية السخية، خالقاً بذلك "عقداً اجتماعياً توافقياً" زائفاً يقوم على مقايضة الحريات السياسية بالرفاه الاقتصادي. ورغم أن هذا التفكك والتحول من المستوى الفوقي قد يبدو خطوة نحو تجنب الانفجارات العنيفة، إلا أنه يظل إعادة إنتاج للاستبداد بأقنعة حداثية، حيث تظل آليات "الغنيمة" سارية المفعول، وتُحكم السيطرة على الفضاء العام لمنع تبلور أي ديمقراطية حقيقية قاعدية.

الإمبريالية الاقتصادية وإعادة إنتاج التبعية

لا يمكن قراءة أزمات السلطة والهوية والاستعصاء المعرفي في الشرق الأوسط قراءة سليمة بمعزل عن شبكة التدخلات الخارجية المستمرة التي أسهمت ولا تزال تسهم في إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية والسوسيولوجية للمنطقة. إن الرأسمالية الاحتكارية العالمية في مراكزها الإمبريالية الكبرى، وكما يتبدى بوضوح في فترات الأزمات المالية والسياسية، تسعى دوماً وبشكل حثيث لنقل أعباء أزماتها المتفاقمة إلى الأطراف (دول العالم الثالث عموماً والشرق الأوسط خصوصاً) عبر آليات التدخل العسكري المباشر، أو عبر إحكام الهيمنة الاقتصادية والمالية.

تتجلى هذه التدخلات التدميرية في صراعات الهيمنة ومحاولات فرض النفوذ، أو ما وُصف بـ "التكالب الجديد" للسيطرة على الشرق الأوسط من قبل قوى دولية وإقليمية متنافسة تسعى لتأمين مصالحها الجيواستراتيجية والاقتصادية. هذا التكالب الخارجي السافر يعمق من أزمة السلطة المحلية بشكل جوهري؛ حيث تستمد بعض النخب الحاكمة في المنطقة شرعيتها، وأسباب بقائها، وحمايتها الأمنية من ارتباطاتها بالخارج، وليس من خلال إرساء تعاقد اجتماعي ديمقراطي حقيقي مع مواطنيها. وفي ظل هذا الوضع المختل، يتحول الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تبعية وريع، يُستخدم كأداة قذرة لشراء الولاءات السياسية (الزبائنية) وتغذية شبكات الفساد، بدلاً من توجيهه نحو تحقيق تنمية بشرية وصناعية حقيقية ومستدامة.

نحو قطيعة إبستمولوجية وتجاوز العطالة التاريخية

بناءً على هذا التحليل التفكيكي الشامل، يتضح بجلاء أن أزمات الشرق الأوسط المعاصرة، المتمثلة في التخلف السياسي والاحتقان الاجتماعي والعقم المعرفي، ليست محض صدف جيوسياسية طارئة أو إخفاقات اقتصادية عابرة يمكن معالجتها بإصلاحات إدارية طفيفة. إنها في العمق نتاج مباشر لعطالة إبستمولوجية قاهرة وانسداد أنطولوجي عميق الجذور. إن الفرار المذعور من "رعشة الوجود الأول" ومن قلق الصفر المطلق نحو دفء "الوعي المطلق" واليقينيات الدوغمائية قد أسس لبنية عقلية ونفسية ترفض التفكيك، وتُجرم الفردية المستقلة، وتُعادي العقلنة المتجددة.

لقد تضافرت محددات العقل السياسي العربي المتمثلة في "القبيلة، والغنيمة، والعقيدة" لتكريس الاستبداد، وتلاقت مع سياسات "حالة الاستثناء" و"الفوضى القابلة للإدارة" لإنتاج مجتمعات تعيش في أسر "التأخر التاريخي" والشيزوفرينيا المعرفية. في ظل غياب الحس التقدمي الواعي، وتزايد تدخلات القوى الإمبريالية الخارجية التي تقتات على هذا التشظي وتفرض معاييرها المزدوجة، تم مصادرة الإرادة الحرة للشعوب، وتحويل الفرد إلى كائن مستلب يسكن حافة "الحياة العارية"، مجرداً من أي فاعلية تاريخية أو كرامة سياسية.

إن الخروج من هذه المتاهة المظلمة، وكذلك أي مشروع حقيقي للنهضة أو التحرر الشامل، لن يكتب له النجاح المطلق عبر الترقيع السياسي السطحي أو استيراد القوالب الجاهزة من الخارج دون وعي بالسياق. إن الحل الجذري يشترط إحداث "قطيعة معرفيةحاسمة"، تبدأ باقتحام مساحات "اللامفكر فيه"، وتفكيك "مركزية اللوغوس" و"السياج الدوغمائي" المضروب حول العقل العربي. هذا يتطلب الانتقال بشجاعة من سطوة النقل الجامد وأيديولوجيا القطيع إلى رحابة العقل النقدي المتسائل والفردانية المسؤولة. بغير هذا التأسيس الفلسفي الجذري لـ"النزعة الإنسانية" وإعادة تعريف علاقة الذات بالاخر، والدولة، والتراث، أو سيظل الشرق الأوسط يدور في فلك أزماته المرتهنة للسلطة، تائهاً إلى الأبد في مسافات الوهم السحيقة بين الصفر المطلق ومتاهة الاستبداد والعطالة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم