أقلام فكرية

غالب المسعودي: ديالكتيك الوعي المتسامي.. بين المادية التاريخية والوجودية

تُعد إشكالية الوعي المحور الأساس الذي تتركز حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني، حيث تتشابك فيها التفسيرات الحيوية مع التأملات الميتافيزيقية والتحليلات الاجتماعية. إن محاولة فهم الوعي ضمن إطار يدمج المادية التاريخية بالجدل الهيجلي والطروحات الوجودية، تفرض إعادة تعريف "الروح" والوعي كصيرورات متغيرة لا كجواهر ساكنة. يحلل هذا المقال مفهوم الوعي مثبتاً طبيعته "المتسامية" (المفارقة) و"المتناهية" (غير الخالدة)، عبر تشريح أبعاده المعرفية في ضوء الفلسفات الكبرى

 نقد الذات العاقلة والتحول نحو الوعي المنخرط

ينطلق التحليل المعاصر للوعي من رفض تصور ديكارت الكلاسيكي الذي حصر الوعي في فكر مجرد ومنعزل عن الواقع. إن مبدأ "أنا أفكر إذن أنا موجود" يفترض وعياً خالصاً لا يتطلب تموضعاً في العالم، وهو ما واجه نقداً لاذعاً من الوجودية والمادية اللتين اعتبرتا هذا الوعي "وهماً" غير فاعل. فالوعي ليس حالة ذهنية ساكنة، بل هو "فعل وجودي" يُكتسب عبر الانخراط المستمر في الواقع، حيث يسبق الوجود الفعلي نقاء الوعي ويمنحه حقيقته الواقعية (سارتر، 1943).

 الوعي كصيرورة وانخراط في العالم

تكمن ماهية الوعي في ديناميكية العلاقة بالوجود؛ فالوعي المجرد كـ "شيء في ذاته" مستحيل إدراكه كقوة فاعلة. لذا، يُنظر للوعي في الحاضرية الشاملة كنشاط مبدع يمنح المعنى للموجودات التي كانت، قبل التفاعل البشري، صماء بلا قيمة. هذا الانخراط يحول الوعي من نظرية إلى قوة تحقق المعنى الكوني، متجاوزاً الانغلاق نحو فضاء يسمح بتحقيق الذات عبر العلاقة مع الآخر.

الجدل الهيجلي: صعود الوعي نحو الاعتراف

يمثل الجدل الهيجلي حجر الزاوية في فهم تطور الوعي من الإدراك الحسي إلى الوعي بالذات الذي ينال حريته عبر الصراع والتاريخ. في جدلية "السيد والعبد"، يطرح هيجل أن الوعي بالذات لا يتحقق بمعزل عن الآخر، بل هو نتاج ثقافي يتطلب اعترافاً متبادلاً (هيجل، 1807).

جدلية الاعتراف وتشكيل الوعي بالذات

حين يلتقي وعيان مستقلان، ينشأ صراع حياة أو موت؛ إذ يرى كل منهما في الآخر تهديداً لمركزيته. تكمن المفارقة الهيجلية في أن العبد هو من يحقق الوعي الحقيقي عبر "العمل"؛ فالعمل يحول الطبيعة لتجسد إرادة العبد، مما يمنحه وعياً بقدراته، بينما يظل السيد معتمداً على العبد، فاقداً لاستقلاله. هذا يثبت أن الوعي حركة تطورية، والروح هي "المسار التاريخي" للوعي في سعيه نحو المطلق، وهو مسار مرتبط بالزمن لا جوهراً خالداً فوقه.

المادية التاريخية: الوعي كنتاج للوجود الاجتماعي

أحدث ماركس وإنجلز ثورة بقلب الجدل الهيجلي، مؤكدين أولية المادة وأن الوعي نتاج متطور لها. في المادية التاريخية، لا يصنع الوعي التاريخ مستقلًا، بل هو ظاهرة تابعة للوجود الاجتماعي. القاعدة الاقتصادية هي التي تشكل البناء الفوقي المتضمن للأفكار والقوانين (ماركس، 1859).

الوعي كظاهرة بزوغية متناهية

من منظور مادي، يعد الوعي نتاجاً لأعضاء مادية (الدماغ). الروح هنا هي "أرقى نتاج للمادة"، ولا توجد بمعزل عن العمليات الحيوية. هذا الارتباط ينفي خلود الوعي؛ إذ يتغير بتغير أنماط الإنتاج وينتهي بانتهاء ركيزته المادية. ومع ذلك، فهو "متسامٍ" بقدرته على التنبؤ وتجاوز المعطى المباشر نحو مشاريع ثورية تغير العالم (إنجلز، 1878).

الطروحات الوجودية: الوعي بوصفه عدماً وتسامياً

قدم سارتر برهاناً على أن الوعي "متسامٍ" لأنه "عدم". يفرق سارتر بين "الوجود في ذاته" (الأشياء الصماء) و"الوجود لذاته" (الوعي). الوعي ليس شيئاً، بل هو الفجوة التي تسمح بالحرية. وصفه بـ "العدم" يعني افتقاره لمحتوى ثابت؛ فهو دائماً "هروب" نحو المستقبل. الوعي يمتلك قدرة "النفي"، أي قول "لا" للواقع، وهذا مصدر الحرية (سارتر، 1943).

تناهي الوعي في مواجهة الموت والزمنية

رغم قدرة الوعي على التسامي، يظل "متناهياً". يرى هايدغر أن الوجود الإنساني هو "كينونة نحو الموت"؛ فالموت هو الإمكانية الجوهرية التي تحدد زمنية الوعي. الوعي الأصيل يواجه فناءه ويتحمل مسؤولية وجوده المحدود (هايدغر، 1927). بالنسبة لسارتر، الموت يحول الوعي من "مشروع" إلى "شيء"، مما يثبت أن الوعي ينتهي بانتهاء الفاعلية الحيوية. الروح هنا هي "طاقة التجاوز" التي تجعل الإنسان أكثر من مجرد مادة، دون أن تحرره من قدر التناهي.

الأبعاد المعرفية والعلوم العصبية: بناء المعنى

تسهم العلوم العصبية في كشف آليات تحويل الإشارات الحيوية إلى تجربة ذاتية. تشير نظرية "المعالجة التنبؤية" إلى أن الدماغ "آلة تنبؤ" تعيد بناء العالم. الوعي يظهر كخاصية "بزوغية" لنظم معقدة، حيث يخلق الدماغ "فضاء عمل عالمي" يوحد المعلومات ويجعلها متاحة للذات (ديهاين، 2014).

برهان المتسامي المتناهي

بناءً على ما تقدم، الوعي "متسامٍ" بفعل القصدية وقدرته على النفي وتصور ما ليس موجوداً، وهو "غير خالد" لارتهانه بالوجود التاريخي والركيزة المادية (الدماغ) وأفق الموت. الروح، ليست كياناً أزلياً، بل هي "قدرة التجاوز" التي تحول الوجود من حالة "الشيء" إلى حالة "المعنى"، محققة أسمى تجليات الحرية في إطار التناهي البشري.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

هيجل، ج. و. ف. (1807): ظاهراتية الروح. (لفهم جدلية السيد والعبد).

ماركس، كارل (1859): إسهام في نقد الاقتصاد السياسي. (حول تحديد الوجود الاجتماعي للوعي).

سارتر، جان بول (1943): الوجود والعدم. (لبحث الوعي كعدم وحرية).

هايدغر، مارتن (1927): الوجود والزمان. (لتحليل التناهي والكينونة نحو الموت).

ديهاين، ستانيسلاس (2014): الوعي والدماغ. (لربط الفلسفة بالعلوم العصبية الحديثة).

في المثقف اليوم