أقلام فكرية
علاء جواد كاظم: موت الكتاب لا يقل فظاعة عن موت الجسد
"في ليلة الانفجار المروع انقشعت سحابة الدخان عن مشهد مأساوي. لم يكن صاحب المكتبة يصرخ من الم جسدي، بل كان يقف وسط الخراب يصرخ: لماذا الشر؟!. لم يكن يبكي دكانه المحترق، بل كان ينعى الكتب التي تطايرت اجزائها في الهواء. في تلك اللحظة ادركنا أن موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد".
اذا كان موت الجسد نهاية طبيعية للانسان، فهل يمكن اعتبار موت الكتاب - بوصفه رمزا لموت المعرفة والوعي وخطرا اشد اثرا على المجتمع؟ وهل يشكل غياب المعرفة شرطا اساسيا لانتشار الشر، ام أن الشر ظاهرة مستقلة مرتبطة بطبيعة الانسان والسلطة والنفوذ والمال؟ الموت الجسدي هو التوقف النهائي غير القابل للرجوع للوظائف الحيوية للانسان، وهو انقطاع الوجود المادي للشخص في العالم الطبيعي. اما موت الكتاب، يتمثل في حرق النصوص او اتلافها ام منع تداولها؛ وبمعنى ادق، هو تعطيل انتاج المعرفة، وتهميش الفكر، وقمع حرية التعبير، بما يؤدي الى انطفاء الوعي النقدي داخل المجتمع.
الكتاب ليس مجرد اوراق مكتوبة بل هو فكرة حية وروح تعيش وتجربة متراكمة تنقل وحكمة تنير وتحمي البشر من الوقوع في الظلام. وعندما نترك القراءة، ونهمش الفكر، ونحارب العلم لا تموت اوراق الكتاب فحسب، بل يضعف الضمير وتنطفئ المعاني وتتلاشى القييم. فالشر لا ينمو في نور المعرفة، بل في الفراغ وغياب الفكر الحر. ومن هنا، فان موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد لانه يمهد الطريق لانتشار الظلال، ويجعل الفرد اقل قدرة على التمييز بين الصواب والخطا والحق والباطل.
الشر مفهوم معقدا في الفلسفة، طرح منذ الاف السنين في كثير من النصوص الدينية والفكرية. وهو كل فعل يلحق ضرر غير مبرر بالفرد او بالقيم الاخلاقية. فاذا كان الخير موجودا فلماذا يوجد الشر؟ ومن بعض ابرز التفسيرات المطروحة أن الله منح حرية الاختيار، وبدون هذه الحرية لا يكون للخير معنى حقيقي. غير أن الحرية ليست مطلقة، اذ تتيح لنا امكانية اختيار الشر. وببساطة، لو كان الفرد مجبرا على الطيبة، فهل طيبته حقيقية؟ ويرى الغزالي أن الاختيار قدرة منحها الله للانسان، وأن الشر الاخلاقي يأتي من سوء استخدام هذه الحرية. كما يرى اوغسطينوس أن "الشر ليس قوة مستقلة، بل هو غياب الخير". فكما ينتشر الظلام بغياب الضوء، ويزداد البرد عندما تقل الحرارة، وهكذا ينشأ الشر من فراغ لا من كيان مستقل قائم بذاته.
وتتعدد انواع الشر بحسب طبيعتة؛ فهناك الشر الطبيعي الناتج عن الظواهر الطبيعية دون تدخل الانسان مثل الكوراث الطبيعية كالزلازل والامراض وهذا النوع يطرح تساؤلات فلسفية ودينية حول الحكمة من وجوده او لماذا سمح الله به؟ هناك شر اخلاقي ناتج من افعال البشر كالظلم والفساد، وهو مرتبط بحرية الانسان. اما الشر البنيوي، فينشأ عن انظمة سياسية واقتصادية تنتج ظلم منهجي مثل الانظمة القمعية والاستغلال الاقتصادي واحتكار المعرفة الحقيقية.
يرى بعض من الفلاسفة أن المعاناة ربما تخلق وعيا اعمق، بدليل، فلا تعاطف بلا الم، ولا شجاعة بلا خطر، ولا تقدير بلا فقدان. ومع ذلك، تبقى صورة الشر الشديد لا مبرر حقيقي لها - كالحروب والابادة الجماعية وهتك حقوق الطفولة عصية على التبرير. وغالبا ما يتجذر الشر حين يصبح نظام جماعي مدعوم بجهل ممنهج وتضييق على الثقافة والمعرفة. وهذا بدوره يؤدي لموت الضمير الجماعي نتيجة موت الكتاب او قمع المعرفة يبدأ الشر بالانتشار والتمدد. والتاريخ يشهد على أن حرق الكتب وقمع المفكرين كانا مقدمة لانحدارات اخلاقية كبرى.
يذهب جان بول سارتر الى أن العالم لا ياتي بمعنى جاهز، بل نحن من نصنع معناه وقيمته؛ ويظهر والشر عندما نهرب من مسؤؤليتنا في مواجهته. وهنا يصبح الشر نتيجة اختيار جماعي لا "لغزا كونيا غامضا". أن اسباب انتشار الشر هو الجهل والخوف وغياب التفكير النقدي وضعف الحوار المعرفي، فعندما يموت الجسد ينتهي الانسان وعندما يموت الكتاب بالمعنى وهو ما يمنع تحول الفرد الى مجرد قوة غريزية تنهي الوعي المعرفي لمنع الشر.
في الفلسفة الاسلامية لا يعتبر الشر قوة مستقلة تنافس الخير، بل كجزء من النظام الكوني الواسع. يرى ابن سينا والفارابي أن الوجود على هذه الارض في اصله خير، وأن الشر ليس قائما بذاته، بل هو غياب للكمال. والحكمة التي لا يستطيع أن يدركها الانسان لماذا وجد الشر، بمعنى أن الشر ليس عبثا، بل يدخل ضمن اختبار الفرد في الحياة.
اما في الفكر الغربي، فقد يرى توماس هوبز أن الانسان ميال بطبعه الى الانانية والصراع، ما يستدعي وجود دولة قوية تمنع الفوضى. بينما اعتبر جان جاك روسو أن الفرد طيب بطبعه، وأن المجتمع الفاسد هو من يصنع الشر. اما حنة أرنت اوضحت في دراستها للنازية أن الشر لا ينتج عن شيطان، بل عن افراد عاديين يطيعون الاوامر دون تفكير، فيما عرف بمفهوم "تفاهة الشر".
اما علاقة الشر بالسلطة والمال؟ فتكمن في أن السلطة كما يرى ميشيل فوكو – ليست مجرد نظام سياسي، بل شبكة تحكم وتنتج المعرفة وتحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ. وعندما تقوم السلطة باحتكار الحقيقة والمعرفة، قد يتحول ذلك الى شر ممنهج. والمال بحد ذاته ليس شرا، لكنه يصبح وسيلة للشر عندما يقدم على القيم او يستخدم لاستغلال الاخرين، وبهذا يتحول المال الى معيار وحيد للنجاح. ويرى كارل ماركس أن النظام الراسمالي قد ينتج ظلم هيكلي او بنيوي بسبب سيطرة راس المال.
اذن لماذا الشر في عالمنا؟ أن اسباب الشر تكمن في اربعة ابواب تبدأ من الحرية مرورا بغياب الخير ووسيلة للسلطة والنفوذ لتنتهي بحكم انظمة بشرية فاسدة وغير عادلة. أن موت الجسد نهاية فردية، اما موت الكتاب فهو بداية لانهيار جماعي. فالموت الجسدي حدث طبيعي، لكن الموت الفكري كارثة حضارية اشد الما واطول اثرا. أن انقراض الكتاب لا يؤدي الى الشر مباشرة، لكنه يهيئ البيئة المناسبة لنموه. فالمعرفة ليست مجرد معلومات، بل قدرة على التساؤل والمسائلة والمحاسبة.
قد يظهر الشر الطبيعي بعيدًا عن إرادة الأفراد، ولكن كيفية التفاعل معه تعكس مدى وعيه. المجتمع الواعي يمكن أن يخطئ، لكنه يمتلك وسائل لتصحيح اخطائه. بينما المجتمع الذي يتم فيه تهميش الكتب، يفقد القدرة على تمييز عيوبه. وفي غياب المعرفة، يصبح الأفراد أكثر عرضة للخضوع وأقل استعدادًا لمواجهة الظلم.
إن اخطر اشكال الشر ليست تلك التي يقوم بها "شخص شرير"، بل تلك التي تصدر عن أشخاص عاديون ضمن انظمة تقييد الفكر والمعرفة. وهنا يلتقي هذا المفهوم مع تحليل حنة أرنت حول "تفاهة الشر"، عندما يكون قلة التفكير وسيلة لنشر الجريمة من الناحية الأخلاقية. في تصوري، انقراض الكتاب لا يعني ببساطة سحق الثقافة والمعرفة، بل يشير إلى تحويل المعرفة إلى سلعة تستخدم كأداة بيد السلطة. وعندما تُختصر المعرفة في فائدة مالية، أو تُستخدم في أيديولوجية معينة، فإنها تفقد قيمتها النقدية، وتصبح من مصدر للتحرر إلى وسيلة للسيطرة والهيمنة الفكرية والسياسية.
غير أنني لا أعتقد أن موت المعرفة هو السبب الوحيد للشر؛ فالشر يمكن أن ينشأ من الجشع، أو من حب السلطة والنفوذ، أو من تدهور الضمير الشخصي. ومع ذلك، فإن نقص المعرفة يزيد من صعوبة التصدي له.
لذا أرى أن موت الشخص ينهي وجوده، بينما موت الكتاب تضعف الحماية الأخلاقية للمجتمع. وفي غياب هذه الحماية، يصبح الشر — سواء كان أخلاقيًا أو هيكليًا — أكثر قدرة على الانتشار، لأنه لا يُقابل بعقول ناقدة، بل بعقول خائفة أو صامتة.
يتضح أن فقدان الجسد يمثل إنهاءً بيولوجيًا له نتائج محدودة، بينما فقدان الكتاب يرمز إلى تحطم عميق في الهيكل المعرفي والأخلاقي للمجتمع. فعندما ينتهي وجود الجسد، فإن الفرد يتلاشى، لكن عند انطفاء المعرفة، فإن المجتمع كله يفقد اتجاهه الفكري وقدرته على التمييز والنقد والمحاسبة. والشر، سواء كان موجودًا في الطبيعة أو الأخلاق أو البنية، لا ينتظر حتى ضعفه الجسدي، بل يتسلل عندما يضعف الوعي، وعندما تُهمش الأصوات الحرة، وعندما تصبح المعرفة أداة تستخدمها السلطة.
إن الشر لا يتطور في وجود الوعي السليم، بل ينشأ في غياب الفكر، ولا يستمر إلا عندما يختفي التساؤل. لذلك، فإن أخطر أنواع الموت ليس الذي يتوقف فيه القلب عن العَمل، بل هو الذي يسكت المعرفة.
فإن الدفاع عن الكتاب ليس حنينا للماضي أو للثقافة بمعناها المحدود، بل تأميناً لشرط حيوي من شروط الوعي الأخلاقي. وإذا كان الفناء الجسدي حتمية طبيعية، فإن فناء الكتاب قراراً تاريخياً يتحمله الإنسان عندما يتخلى عن مسؤوليته في حفظ المعرفة. فالمجتمع الذي يفقد مؤلفاته وكتبه لا يفقد اوراقا فحسب، بل يفقد قدرته على مواجهة الشر وعلى حماية انسانيته.
***
علاء جواد كاظم






