عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: تبادل الأدوار بين اقتصادات الثقافة وثقافة الحقبة الاستعمارية

تتشابك الخطط السياسية المكانية المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط ضمن حقل فلسفي يتجاوز القراءات التبسيطية القائمة على الثنائيات التقليدية؛ إذ يتطلب الراهن تقديم تحليل فلسفي تفكيكي يكشف عن "الخيط الناظم"، الفكري والبنيوي، الذي يربط بين الواقعية الميكافيلية التقليدية والذرائعية المحدثة في ممارسات إدارة الأزمات الإقليمية. ينطلق هذا التحليل من أطروحة مفادها أن الذرائعية المعاصرة لا تمثل بديلًا إنسانيًا أو أخلاقيًا للميكافيلية، بل تعمل كغلاف معرفي ولغوي يعيد إنتاج جوهر النفعية القائم على حفظ استقرار منظومة الهيمنة وتغليب المصلحة المصلحية العليا، متوسلة بخطاب حداثي يرفع شعارات "حل المشكلات" ويجافي الأطر الفكرية التأسيسية.

في قلب هذا التقاطع الفلسفي، تبرز آلية مركبة لتبادل الأدوار بين "اقتصادات الثقافة" و"ثقافة الحقبة الاستعمارية"؛ إذ لم تعد القِوَى المهيمنة تعتمد حصرًا على أدوات القسر العسكري المباشر، بل عمدت إلى تسليع المنتج الثقافي وتحويل المؤسسات النقدية والمعرفية إلى أدوات لتوجيه الأزمات وضبطها، عبر تفكيك الخطاب السياسي تفكيكًا جذريًا، يتجلى بوضوح كيفية تعليق مفاهيم السيادة والعدالة وحقوق الإنسان داخل "مستعصيات على الحسم"، وتعيد إنتاج حالة السيولة في إدارة النزاعات بدلًا من تفكيك مظالمها البنيوية.

المشتركات الإجرائية غير المعيارية

تشترك الميكافيلية والذرائعية المحدثة في مجافاة المعيارية الأخلاقية الصارمة، بيد أن كلًا منهما تنطلق من أرضية مفهومية تاريخية خاصة. تأسست الميكافيلية في عصر النهضة الإيطالية عبر طروحات نيقولا ميكافيلي، لا سيما في كتابيه "الأمير" و"مطوّلات في تاريخ تيتوس ليفيوس" ،على أولوية استقرار البناء السياسي ودرء الاضطراب بأي ثمن. تُنحي الميكافيلية المبادئ الأخلاقية القبلية جانباً، وتستعيض عن الفضيلة بمعيار "الكفاءة السياسية والقدرة الحازمة" التي تمكّن الفاعل السياسي من مجابهة تقلبات الأقدار والظروف الطارئة؛ فبقاء الدولة هو المرتكز الوجودي، وحيث تغيب السلطة الحازمة تنتفي إمكانية إنفاذ أي التزام قيمي.

في المقابل، تطورت الذرائعية المحدثة متأثرة بالمنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، رافضة النظرية التمثيلية للمعرفة، ومؤكدة عدم وجود حقيقة موضوعية جاهزة تصلح معياراً مطلقاً للأشياء؛ فالحقيقة في المنظور الذرائعي ما تعني مطابقة الفكر للواقع، بل تقاس بمدى نجاح الخطابات والمفاهيم بوصفها "أدوات وظيفية" لتحقيق الوفاق المجتمعي وحل المشكلات العينية. وفي مضمار العلاقات الدولية، تُعفي هذه المقاربة الفاعل السياسي من الارتهان للمبادئ الكلية الصلبة لصالح المرونة التقنية والتكيف الظرفي المستمر.

يتجلى الخيط الرابط بين الفكرين في التقائهما الأداتي؛ فبينما تقرر الميكافيلية صراحة أن "الغاية تبرر الوسيلة" لحفظ السلطة، تؤسس الذرائعية المحدثة معرفياً لغياب غايات مطلقة عابرة للسياقات يُحتكم إليها لتقييم الوسائل. هذا التلاقي يفرز نمطاً لإدارة الأزمات يتعامل مع الصراعات الإقليمية بوصفها اختلالات وظيفية تقنية تحتاج إلى تسويات مرحلية، بدلًا من معالجة أسبابها التاريخية وجذورها الاستعمارية.

تفكيك مركزية إدارة الأزمات وتعرية الثنائيات الحاكمة

تنهض التفكيكية بوصفها استراتيجية قراءة نقضية تسعى لتقويض "ميتافيزيقا الحضور" والتراتبيات المركزية القائمة على الثنائيات الضدية الحادة حيث يُمنح الطرف الأول أسبقية قيمية ووجودية بينما يُدفع الطرف الثاني نحو الهامش بوصفه عنصراً طارئاً أو مهدداً.

وعند تطبيق هذه الرؤية على إدارة الأزمات في المنطقة، تتكشف الميتافيزيقا التي ترفع من شأن المركز الاستعماري المقترن بالعقلانية والتنظيم، في مقابل اختزال الإقليم في الفوضى والتهديد المستمر. وتعمل آليات القراءة النقدية على كشف ثلاث آليات مضمرة:

تفكيك ثنائية السيادة الوطنية والتدخل الإنساني: حيث يُعاد إنتاج التدخل الخارجي كضرورة إجرائية ذرائعية لحفظ الأمن، مما يفرغ السيادة الوطنية من مضمونها القانوني والفعلي، فتغدو مقولة نسبية تخضع لحسابات الكفاءة الميكافيلية ورضا الفاعلين الدوليين.

تفكيك ثنائية المبدأ الأخلاقي والضرورة الاستراتيجية: إذ تُختزل الديمقراطية وقيم العدالة في إجراءات قابلة للتفاوض أو التعديل الفوري وفق متطلبات "الضرورة السياسية"، متحولة إلى لغة أداتية لامتصاص الضغوط وإعادة توجيهها.

إنتاج منطق "الإرجاء المستمر": وفيه تُرحّل الحلول الجذرية للمظالم التاريخية بصورة دائمة؛ فلا تنتهي الأزمات بل تُدار في مساحات رمادية برزخية لا تبلغ سلماً ناجزاً ولا حرباً حاسمة، مما يحفظ الإقليم في حالة سيولة دائمة تكرس استمرار الهيمنة.

الدور الوظيفي للدول الرخوة كأداة للذرائعية والميكافيلية المحدثة

لا تكتمل دائرة الهيمنة الاستعمارية المعاصرة دون فحص البنية الوظيفية للأنظمة الهشة أو "الدول الرخوة" في الإقليم. ففي ظل عجز هذه الكيانات عن تأسيس شرعية دستورية أو تنموية مستقلة نابعة من الإرادة الشعبية، تجد نفسها مرغمة، أو متواطئة، على تبني المنطق الذرائعي المعولم بوصفه استراتيجية نجاة وبقاء سياسي بالمعنى الميكافيلي الصرف.

تتعاطى هذه الدول مع القوى الاستعمارية الكبرى عبر تحويل وظيفتها السيادية من "حماية الفضاء العام والمواطنين" إلى ممارسة دور "الوكيل الإجرائي" لمنظومة الهيمنة. وهنا تنعكس الأدوات كالتالي:

استيراد ذرائع "مكافحة الإرهاب" و"الاستقرار الأمني": تستعير الأنظمة الرخوة المعجم الذرائعي الدولي لتسويغ القمع الداخلي، وخنق الحريات، وتصفية المعارضة السياسية تحت غطاء "الضرورة الأمنية غير المعيارية".

ترسيخ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة محلياً: تتذرع هذه الدول بمتطلبات الاستقرار لتجاوز مبادئ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، فيغدو اضطهاد الشعوب، وتفكيك الطبقات الوسطى، وقمع الحركات المطلبية مجرد "كلفة ضرورية" لإثبات الكفاءة أمام المراكز الدولية المانحة والضامنة لبقاء السلطة.

السيادة المقايضة: تصبح السيادة الوطنية في يد الدولة الرخوة ورقة مقايضة نفعية؛ إذ تتنازل عن قرارها الاقتصادي ومواردها الحيوية للمؤسسات الدولية، في مقابل نيل الاعتراف بشرعيتها وتأمين الحماية الخارجية ضد الاستحقاقات الديمقراطية الداخلية.

تبادل الأدوار بين اقتصادات الثقافة وثقافة الحقبة الاستعمارية

شهدت العقود الأخيرة تحولاً بنيوياً في ممارسة السيطرة؛ إذ انتقلت القوى المهيمنة من الاعتماد الأحادي على الخطاب الاستعماري التقليدي إلى التوسل بـ "اقتصادات الثقافة"؛ حيث تحولت الثقافة والفنون والتعليم والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني إلى قطاعات إنتاجية وسلعية تُدار وفق منطق السوق وتوجيه الرأس المال.

يتجلى هذا التبادل في مسارات واضحة:

تسليع الخطاب التحرري وتسقيف النقد: تحويل مفاهيم النضال والتمكين وحقوق الإنسان إلى مشاريع ممولة مشروطة بمؤشرات أداء إجرائية وضعتها جهات مانحة، مما يفرغ العمل المدني من شحنته الوطنية النقدية الراديكالية ويحوله إلى قطاع خدمي يكرس إدارة الواقع بدلاً من تغييره.

الاحتكار الإعلامي والضبط الاجتماعي: استخدام التدفق المعلوماتي الموجه لتطبيع النماذج الاستهلاكية، وتصوير كل مشروع مقاومة ذاتية بوصفه سلوكاً غير عقلاني يهدد الأمن والاستقرار.

اصطفاء النخب الوكيلة: توجيه المنح الأكاديمية والتمويلات البحثية لصناعة نخب محلية تنبذ الأفكار التحررية الجذرية، وتتبنى الحلول الترقيعية الجزئية المتوائمة مع متطلبات السوق الليبرالية المحدثة.

نحو نموذج إرشادي مستقل للسيادة الثقافية والسياسية

يكشف هذا التفكيك الفلسفي عن تشابك وثيق بين الميكافيلية والذرائعية المحدثة لترسيخ الهيمنة الاستعمارية وتوظيف الأنظمة الرخوة واقتصادات الثقافة كأدوات ناعمة وخشنة لضبط الشعوب واستنزاف مقدراتها.

إن تجاوز هذا المأزق التاريخي لا يتحقق بالحلول الترقيعية، بل بإعادة بناء مفهوم السيادة والحق خارج المنطق الأداتي؛ وذلك عبر:

فض الارتباط التبعي بين المعرفة والسوق المعولمة، وبناء منصات معرفية وثقافية وطنية مستقلة تعبر عن الضمير الجمعي.

تفكيك المعادلة المصنوعة التي تضع الشعوب أمام خيارين عدميين: إما القبول بالاستبداد الداخلي الحاكم، أو الخضوع للوصاية الاستعمارية الناعمة.

صياغة مشروع نهضوي تحرري يقطع مع البراغماتية الأداتية والميكافيلية المحدثة، ويؤسس لنموذج حضاري يستعيد المبادئ الأخلاقية المطلقة في العدالة والحرية، ويمتلك أدوات إنتاج معرفته وقراره السياسي ومصيره المستقل.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم