أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: العقل الأداتي ونقد الحداثة
مساءلة المشروع العقلاني عند ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو
في زمن اختزلت فيه الفلسفة إلى مجرد نزوات ذهنية أو تنويعات أكاديمية جافة، تظل تلك اللحظة الفارقة التي تجرأ فيها مفكران على مساءلة العقل نفسه مشتعلة بنارها القديمة، ليس من باب العبث أو التمرد العقيم بل من باب الوفاء الأعمق للعقل ذاته. نحن اليوم في خضم انهيارات متتالية ووعود مكسورة أقرب ربما من أي وقت مضى إلى فهم ما كان يخيف ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو حين جلسا يكتبان "جدل التنوير" في كاليفورنيا الباردة بعيدين عن أنقاض أوروبا التي كانت لا تزال مشتعلة. فليس صدفة أن يخرج أقسى نقد للحداثة من أحضان الفلسفة الألمانية نفسها، تلك الفلسفة التي كانت منذ كانط وهي أعلى صوت في التبشير بالعقل وملكاته النبيلة. هنا يكمن سر المفارقة التي لم تنتبه إليها الأجيال اللاحقة من أنصار التنوير، أن يكون العقل الأداة الوحيدة التي وعدت بتحرير الإنسان هي نفسها الأداة التي أعادت إنتاج أعمق أشكال القهر في ثوب جديد أكثر أناقة وأشد فتكاً.
قبل عقود من أن يصبح الحديث عن "أزمة العقلانية" حديث الساعة وقبل أن تملأ كتب ما بعد الحداثة المكتبات بنقودها المترفة على الميتافيزيقا الغربية، كان هوركهايمر وأدورنو يعملان في صمت على تقويض أسس المشروع العقلاني من داخله دون أن يخرجا إلى سهولة الرفض الكلي أو الإغراق في النسبوية. إن ما يميز مقاربتهما ويمنحها حيويتها المستمرة هو إصرارهما على البقاء داخل دائرة العقل حتى وهم ينقدانها على استعمال أدوات التنوير لكشف تناقضات التنوير ذاته. وهذه هي لعبة الفلسفة الحقيقية، لعبة من يغامر بأن ينقض ما بنى لا لأنه كاره للبناء بل لأنه يحلم ببناء آخر لا يعيد أخطاء الأول. ونقرأ هذا في سطورهما المتراصة كجدار من لهب أن التنوير الذي بدأ ثورة على الأسطورة لم ينته إلا إلى إعادة إنتاجها وأن العقل الذي ظن نفسه محرراً لم يلبث أن تحول إلى أداة إدارة وسيطرة لا تقل ضراوة عن أسوأ كهنة الطقوس البدائية.
هذا المقال الذي بين أيدينا الآن ليس شرحاً بارداً لفلسفة رجلين ماتا منذ زمن، بل هو محاولة متواضعة لدخول تلك الغرفة المظلمة التي فتحا فيها النافذة على واقع لم نكن مستعدين بعد لمواجهته يومها وأصبحنا اليوم عراة أمامه. إنه دعوة للتأمل في مصير العقل في عصر الخوارزميات حيث لا يختلف سؤال "ماذا أريد؟" كثيراً عن سؤال "ماذا ستقترح علي التطبيقات؟". العقل الأداتي ذلك المارد الذي أطلقه فرانسيس بيكون عندما قال "المعرفة قوة"، لم يكتف بتحويل الطبيعة إلى مرعى للاستغلال بل حول الإنسان نفسه إلى مادة خام، إلى نقطة في حساب، إلى رقم في معادلة لا نعرف من كتبها ولا نعرف إلى أين تقود. في سياق هذا بالذات تصبح قراءة هوركهايمر وأدورنو ضرورة وجودية أكثر منها هواية ثقافية. فكلما شعرنا بأن خياراتنا تتلاشى وأن لغتنا تصبح أكثر جفافاً وأن أحلامنا أصبحت كتالوجات جاهزة للتسوق كلما شعرنا بالحاجة إلى هذين الصوتين اللذين صرخا في وجه الحداثة وهي في أوج غطرستها أن الطريق الذي تسلكينه لا يؤدي إلى الحرية بل إلى أسطورة جديدة تستعبد من لا يعرفون أنهم مستعبدون.
وليس من المفارقة العابرة أن يكون أقسى نقد واجهه المشروع الحداثي قد انبثق من رحم الفلسفة الألمانية نفسها، تلك الفلسفة التي ظلت لعقود المعقل الأكثر حصانة للعقلانية التأملية. ففي اللحظة التي كانت فيها أوروبا تغرق في وحشية غير مسبوقة وقفت أصوات قليلة لتسائل برنامج التنوير ذاته متسائلة إن كان هذا البرنامج الذي وعد بتحرير الإنسان عبر العقل، حيث لم يحقق في النهاية سوى أشكال جديدة ومتطورة من العبودية والقهر. لقد كان ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في عملهما المشترك "جدل التنوير" الصادر عام 1947، الأكثر جرأة وتطرفاً في هذا المساءلة إذ لم يكتفيا بنقد مظاهر الحداثة أو تشوهاتها العرضية، بل ذهبا إلى نبش جذور الشر في صميم المنطق العقلاني الذي قامت عليه.
إن المفهوم المحوري الذي أسسه هوركهايمر وأدورنو لهذا النقد هو "العقل الأداتي" أو "العقل الآلي" وهذا المفهوم يختلف جوهرياً عن الفهم السائد للعقل عند ديكارت أو كانط، حيث العقل عند هؤلاء كان يمثل ملكة الحكم والتمييز والتأمل الخالص. أما العقل الأداتي فهو عقل مسلوب القداسة، عقل لم يعد يسأل عن الغايات بل انحصرت وظيفته في حساب الوسائل، عقل فقد قدرته على التفكير في معنى الوجود وقيمته واكتفى باحتساب أنجع الطرق وأكثرها فعالية لبلوغ أهداف لا يستطيع هو نفسه أن يشرعنها أو ينقدها. ومن هذه اللحظة بالذات، لحظة تحول العقل من محكمة عليا للمعنى إلى مجرد أداة حسابية يبدأ مسار الانحدار الذي سيقود البشرية في زعم هوركهايمر وأدورنو، ليس إلى فردوس العقلانية الذي وعد به التنوير بل إلى أسطورة جديدة تزداد فداحة لأنها لا تعترف بنفسها كأسطورة.
لقد رأى الرجلان في أسطورة "أوديسيوس" عند هوميروس أكثر من مجرد قصة شعرية قديمة. ففي رحلة عودة البطل إلى إيثاكا، وجدا النموذج الأولي للذات البرجوازية الحديثة، ذات تتعلم كيف تضحي بلحظتها الحاضرة من أجل مستقبل لا يضمن بقاءها، ذات تكبت غرائزها ورغباتها الفورية لكي تنجو من المخاطر التي تحيط بها. إن مقاومة أوديسيوس لأغنية الحوريات حيث يأمر رجاله بسد آذانهم بالشمع ويطلب منهم أن يربطوه هو نفسه بصاري السفينة، هي صورة بديعة للعلاقة التي يقيمها الإنسان المعاصر مع الطبيعة الخارجية والداخلية معاً. فهو لا يواجه سحر الطبيعة وجاذبيتها بشكل مباشر بل يحايلها ويسمع صوتها لكنه مقيد لا يستطيع الاستجابة، يمر بجوارها ممتطياً صاري العقل الأداتي الذي يحميه منها وفي الوقت نفسه يحرمه من متعتها. ويتحقق "التنوير" الأولي، الإنسان يتعلم السيطرة على الطبيعة عبر كبت نفسه وعبر تحويل قواه الحيوية إلى أدوات في خدمة بقائه البيولوجي والاجتماعي. لكن الثمن الذي يدفعه غالٍ جداً، إنه ثمن اغترابه عن ذاته وتفتيت وحدته الوجودية وتحويل حياته إلى سلسلة من الحسابات الباردة والخيارات الآلية.
عند هذه النقطة يتقاطع نقدهما للحداثة مع تحليل أعمق للعلاقة بين العقل والسلطة. فالعقل الأداتي لا ينشأ في فراغ معرفي محايد بل هو دوماً مقترن بإرادة السيطرة والهيمنة. إن فرانسيس بيكون ذلك النبي الباكر للعلم الحديث لم يكن مخطئاً حين صاغ مقولته الشهيرة "المعرفة قوة". غير أن ما فاته أو ربما تظاهر بغض الطرف عنه هو أن هذه القوة سرعان ما تصبح غاية في ذاتها، وأن المعرفة التي تهدف إلى "تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان" سرعان ما تتحول إلى تقنية تهدف إلى تسخير الإنسان نفسه لخدمة النظام القائم. في هذا السياق تحديداً يقترب فكر هوركهايمر وأدورنو من فكر ميشال فوكيه وإن اختلفا في التفاصيل، فكلاهما يرى في العقل الحديث أداة ضبط وتنظيم لا تقل إرهاقاً عن أقدم أشكال القمع البدائي. لكن فوكو ربما كان أقل تشاؤماً أو لنقل كان أكثر حياداً في تحليله للسلطة، بينما يحتفظ هوركهايمر وأدورنو بإمكانية نقدية غائبة عن البنيوية الفرنسية، إمكانية تقوم على فكرة أن العقل لو عاد إلى ذاته الحقيقية ولو تذكر أنه كان يوماً يملك القدرة على التفكير في الغايات السامية وليس فقط في الوسائل الفعالة، لأمكن إعادة توجيه مسار الحداثة. لكن هذا الأمل نفسه يبدو في كتاباتهما مشوباً باليأس إذ يبدو أن تحول العقل إلى أداة لم يكن حادثاً عابراً أو انحرافاً قابلاً للتصحيح بل كان مصيراً محتوماً في منطق التنوير ذاته.
إن قلب هذه المقاربة الأكثر إثارة للجدل والأكثر إيلاماً ربما يكمن في الادعاء بأن "التنوير هو أسطورة". لقد ظل فلاسفة القرن الثامن عشر من فولتير إلى ديدرو إلى كانط، يرددون أن التنوير هو ذلك الخروج من حالة القصور التي يستحقها الإنسان بذاته، ذلك الخروج من الوصاية التي يمارسها التقليد والدين والخرافة. أما هوركهايمر وأدورنو فيقلبان الطاولة، التنوير في محاولته المتكررة لتطهير العالم من الأساطير والسحر والكائنات الخارقة، لم ينجح في تجاوز البنية الأسطورية للتفكير بل أعاد إنتاجها في صيغة أكثر تحديداً وأشد إكراهاً. فالأسطورة القديمة كانت تجسيداً لخوف الإنسان من المجهول، كانت محاولة لتهدئة الرعب إزاء قوى الطبيعة الجامحة عبر نسبتها إلى آلهة يمكن إرضاؤها أو استرضاؤها بقليل من الطقوس والتضحيات. والعقل الأداتي يفعل نفس الشيء بالضبط ولكن بأدوات مختلفة وأكثر فاعلية، إنه يحول الطبيعة إلى موضوع للقياس والحساب، يحول عدم اليقين إلى احتمالات إحصائية ويحول الخوف الوجودي إلى مخاطر يمكن تأمينها بوثائق وتقنيات هندسية. ولم يتحرر الإنسان قط من الخرافة التي ظن نفسه قد تجاوزها؛ لقد استبدل خرافة الروحانيات بخرافة الأرقام واستبدل سحرة القبائل وعُذّار الكهان بفنيي الإحصاء والمهندسين السلوكيين. وهذا معنى مقولة أدورنو الشهيرة "ليس هناك شعر بعد أوشفيتز" مفهوماً في عمقه الفلسفي، ليس لأن المعاناة تستحيل التعبير عنها بل لأن آلة القتل الصناعية التي أقامها النازيون لم تكن خروجاً على التقاليد الغربية العقلانية بل كانت التطبيق الأكثر إخلاصاً لروح العقل الأداتي، اختزال الإنسان إلى شيء يمكن وزنه وحسابه وتصفيته كأي مادة كيميائية.
لكن ألا يوجد في هذا النقد شيء من المبالغة أو ربما شيء من الانتحار الفلسفي؟ فإذا كان كل ممارسة عقلانية تؤدي في النهاية إلى وحشية فأي طريق يبقى مفتوحاً أمام التفكير؟ هوركهايمر نفسه قد يرد بأنه ليس ضد العقلانية بحد ذاتها بل ضد شكل معين منها، ضد ذلك الشكل الذي قطع صلته بالذاكرة، بالجمال، بالسعادة، بكل ما لا يمكن قياسه وحسابه. إنه يدعو إلى "عقل موضوعي" يعارضه بـ"العقل الذاتي" الأداتي، عقل قادر على التأمل في القيم والمعاني، عقل لا يختزل الوجود إلى مجرد مادة خام يمكن استغلالها.
غير أن المفارقة التي لا تُغفل والمفعمة بالتوتر الخصب، تكمن في أن هذه الدعوة إلى عقل موضوعي قادر على التفكير في الغايات قد تتحول في نظر خصوم هوركهايمر وأدورنو إلى مجرد استرجاع حنيني لماض لم يكن قط بتلك المثالية التي يُتوهم فيها. إنها برأي أولئك النقاد عودة تحت غلالة فلسفية أنيقة إلى ميتافيزيقا القرون الوسطى حيث كان العقل خادماً للاهوت أو إلى المثالية الألمانية حيث كان الروح المطلق يبتلع كل تناقض في هاوية واحدة. أي أن هوركهايمر وأدورنو في لحظة تأملهما الأكثر جرأة قد يكونان يستدعيان - من حيث لا يريدان - أشكالاً من الفكر مارست هي الأخرى قمعها الخاص، لكنها كانت تصوغ ذلك القمع بلغة الله أو الروح أو الجوهر، لا بلغة العقل العلمي والمنفعة والحساب. وتبقى الفلسفة حتى في أشد لحظاتها نقداً ومرارة مهددة بإعادة إنتاج ما تظن أنها تهدمه وهذه هي لعبة المرآة التي لا تنتهي.
وهذا الاعتراض يحمل شيئاً من الجدية لكنه يظل قاصراً عن فهم عمق مساءلة هوركهايمر وأدورنو. فهما لا يطالبان بالعودة إلى ما قبل التنوير لأنهما يعرفان تمام المعرفة أن العودة إلى الماضي مستحيلة كما أن الماضي نفسه لم يكن جنة مفقودة. ما يطالبان به هو أن يتذكر العقل نفسه أن يتذكر أنه كان يملك القدرة على التفكير في معنى الحياة وليس فقط في سبل تحسينها كمياً، أن يتذكر أن السعادة الحقيقية لا يمكن اختصارها في أي إشباع أداتي.
ما يمنح مشروعهما أهميته الاستثنائية اليوم، في زمن توجت فيه العقلانية الأداتية انتصارها الساحق عبر الخوارزميات والبيانات الضخمة ونماذج التعلم الآلي، هو أنهما قدّما تحذيراً فلسفياً لا يقل راهنية عن لحظة صياغته الأولى. نحن نعيش اليوم في ذروة ما تنبأ به الفيلسوفان قبل أكثر من سبعين عاماً، عالم يتحول فيه كل شيء إلى معلومات والإنسان إلى نقطة بيانات بين مليارات النقاط والمشاعر إلى "مؤشرات أداء" يمكن تحسينها عبر تطبيقات وتقنيات تعديل السلوك. العقل الأداتي الذي بدأ بوعد تحرير الإنسان من الجوع والخوف انتهى به المطاف إلى صنع إنسان جديد لا يعرف كيف يرغب خارج ما تسمح به الخوارزميات، لا يعرف كيف يحلم خارج ما يخطط له المهندسون التجاريون، لا يعرف كيف يعاني إلا في إطار يمكن ترجمته إلى إحصاءات ورسوم بيانية.
ولعل السؤال الأكثر إيلاماً الذي يتركه لنا هوركهايمر وأدورنو دون إجابة حاسمة هو كيف يمكن التفكير بشكل مختلف؟ كيف يمكن استعادة قدرة العقل على النقد الذاتي دون الوقوع في فخ نقد العقل بواسطة العقل نفسه، أي دون اعتماد نفس الأدوات التي نرغب في تجاوزها؟ ربما كان أدورنو في كتابه "النظرية الجمالية"، يحاول أن يلمح إلى إجابة من زاوية الفن، ذلك الفن الذي لا يخضع لمنطق العقل الأداتي والذي يحتفظ بالقدرة على قول "لا" للعالم كما هو، القدرة على إظهار المعاناة بأشكال لا تستطيع الإدارة التقنية للوجود أن تختزلها إلى أرقام. لكن الفن نفسه في زمن صناعة الثقافة الذي حلله أدورنو بقسوة لا مثيل لها لم يعد عصياً على تسليع العقل الأداتي. وإذا كان الفن قد استسلم فأي مجال آخر يبقى ليكرس المقاومة؟
فما يقدمه لنا هوركهايمر وأدورنو ليس فلسفة مريحة وليس نظاماً فكرياً منسجماً يقدم حلولاً جاهزة لأزمات العصر. إنهما يقدمان بالأحرى "جهداً للحزن" فلسفياً، محاولة لمواجهة الحقيقة دون رتوش ودون أوهام، حقيقة أن التقدم الذي نفتخر به قد يكون مترافقاً مع تراجع وأن العقل الذي حرّرنا قد يكون هو نفسه الذي قيّدنا وأن التنوير الذي بدأ كتمرد على الأسطورة قد تحول إلى أشد الأساطير فتكاً لأنها لا تعترف بنفسها كأسطورة. وهذه المواجهة مع الحقيقة مهما كانت مؤلمة تبقى الشرط الأول لأي أمل حقيقي بالتغيير. فربما يكمن السبيل الوحيد لاستعادة إنسانيتنا ليس في المزيد من الأدوات والتقنيات بل في وقفة صادقة نعترف فيها بأننا لم نعد نعرف لماذا نريد ما نريد وأن ما نفتقده ليس قوة أكثر ولا سرعة أكثر ولا فعالية أكثر، بل ذلك السؤال البسيط المراوغ الذي كاد العقل الأداتي أن يفقنا إياه إلى الأبد، لماذا كل هذا؟
لماذا كل هذا؟ ذلك السؤال الذي يبدو بريئاً في ظاهره يكشف عن هاوية سحيقة في قلب الحداثة نفسها، هاوية أخذت تتسع كلما اشتد إيمان الإنسان بقدرة العقل الأداتي على تقديم إجابات شاهدة وفورية. فالعقل الذي تحول إلى آلة لحساب الوسائل قد فقد القدرة نهائياً على طرح السؤال عن الغاية لأنه في عالم تقاس فيه كل الأشياء بمعيار الفعالية والنجاعة ويغدو السؤال عن "لماذا" مجرد هدر للطاقة أو ربما نزعة تخريبية تعطل سير العمل. وإذا كان ماكس فيبر قد تحدث عن "تفكك السحر" كسمة أساسية للتحديث فإن هوركهايمر وأدورنو يذهبان إلى أبعد من ذلك بزعمهما أن هذا التفكك لم يحرر العقل من الأسطورة بقدر ما حوّله إلى أسطورة جديدة أكثر عمىً وأشد إكراهاً.
ثمة لحظة بالغة الدلالة في أعمال أدورنو المتأخرة وتحديداً في كتابه "ديالكتيك سلبي" حيث يكتب عبارته الشهيرة "الكل هو الزائف"، ليست هذه العبارة مجرد تشاؤم عبثي بل هي خلاصة رؤية فلسفية كاملة. فالزيف الذي يتحدث عنه أدورنو ليس زيفاً أخلاقياً يمكن تلافيه ببعض النوايا الحسنة بل هو زيف بنيوي، زيف يقع في صميم الطريقة التي نظم بها العقل الأداتي وجودنا. فالنظام الاجتماعي القائم بكل مؤسساته وقوانينه وأسواقه وتقنياته يقدم نفسه كالكل الوحيد الممكن وكالإطار الطبيعي والأبدي للحياة البشرية. لكن هذا الكل بحسب أدورنو لا يقوم على تحقيق رغبات الإنسان الحقيقية وتطلعاته في السعادة والحرية، بل على إنتاج تلك الرغبات ذاتها وتحويلها إلى حاجات مزيفة يمكن إشباعها ضمن ما تسمح به الآلية الاقتصادية والاجتماعية القائمة. "لا حياة حقيقية في الحياة الزائفة"، هذه المقولة الأخرى لأدورنو تكمل الصورة، نحن نعيش حياة ليست حياتنا ونرغب فيما ليس رغباتنا ونختار ما لم نختاره حقا، لأن العقل الأداتي لم يعد يقتصر على تنظيم وسائل الإنتاج وتوزيع السلع بل امتد ليشمل تنظيم أعمق طبقات النفس البشرية.
وتبرز هنا أهمية مفهوم "صناعة الثقافة" الذي طوره هوركهايمر وأدورنو في "جدل التنوير". هذا المفهوم الذي أساء العديد من المثقفين فهمه لاحقاً باعتباره هجوماً خشناً على الفن الجماهيري، هو في الحقيقة أعمق بكثير. فصناعة الثقافة ليست مجرد إنتاج أفلام وأغان ومسلسلات رديئة بل هي الآلية التي يعاد من خلالها إنتاج الوعي نفسه وفق متطلبات العقل الأداتي. إنها تحول الثقافة من مجال نقدي كان يمكن للفن فيه أن يحافظ على مسافة نقدية من الواقع القائم إلى مجرد سلعة تستهلك وتُرمى، سلعة تقدم للإنسان صوراً زائفة عن السعادة تبقيه راضياً بما هو موجود بدلاً من أن يحلم بما يمكن أن يكون. الفرق بين سيمفونية بيتهوفن وأغنية بوب تجارية ليس في التحليل الأخير فرق في المستوى الفني فقط، بل فرق في البنية العقلانية ذاتها، سيمفونية بيتهوفن في تعقيدها وغناها وتناقضاتها الداخلية تحاكي بنية ذات بشرية غير مختزلة، أما أغنية البوب التجارية فتعيد إنتاج نمط من الوعي منقسم على نفسه، وعي يريد الحب والحرية لكنه يريدهما ضمن القوالب الجاهزة التي تقدمها له الصناعة الثقافية.
لكن أليس من الظلم بمكان أن نلصق بآلات الإعلام والثقافة الجماهيرية هذا القدر من الشر؟ أليست هذه الآلات تقدم في النهاية ما يريده الناس؟ هذا الاعتراض على ما فيه من بداهة ظاهرية يصطدم بتحليل أدورنو اللاذع لـ "الحاجة الزائفة". ليس صحيحاً أن الناس يريدون بطبيعتهم الأغاني الرديئة والأفلام السطحية بقدر ما هو صحيح أن صناعة الثقافة هي التي شكلت أذواقهم ورغباتهم وفق احتياجاتها. هنا يكمن عمق المأساة، الإنسان الحديث لا يدرك أنه مسلوب الإرادة لأنه يظن أن كل ما يختاره هو تعبير حر عن ذاته. وهو لا يشعر باغترابه عن نفسه لأنه لم يعد يملك معياراً يقارن به بين ما هو حقيقي وما هو زائف، بين حاجاته الحقيقية وحاجاته المصطنعة. وهذا هو الانتصار النهائي للعقل الأداتي، ليس في أن يفرض سيطرته على الناس رغماً عنهم بل في أن يجعلهم يحبون سيطرته ويسمونها حرية.
إن أي باحث متأمل في كتابات هوركهايمر وأدورنو لا بد أن يلاحظ نبرة من اليأس الأليم تتصاعد تدريجاً كلما تعمقا في تحليلهما. ومع ذلك فمن الخطأ الاعتقاد بأن مشروعهما كان مجرد عزاء يائس أو تصفية حساب شخصية مع العصر الحديث. هناك في ثنايا هذا النقد القاسي بصيص من رجاء غريب، رجاء لا يأتي من التفاؤل الساذج بل من الإصرار على عدم التصالح مع الزيف. فالفعل الفلسفي ذاته عند أدورنو هو فعل مقاومة، أن تواصل التفكير عندما يخبرك الجميع بأن التفكير قد انتهى، أن تواصل طرح السؤال عن الكل عندما يكون الكل مقتنعاً بذاته وأن تواصل الإصرار على أن هناك حقيقة أعمق من الحقائق الجزئية التي تقدمها لنا الإحصائيات والتقنيات. ويتحول الفكر نفسه إلى شكل من أشكال المقاومة، ليس لانتصار قادم بل للحفاظ على إمكانية الانتصار حتى في أسوأ الظروف. وتكمن العلاقة المعقدة هنا بين فكر هوركهايمر وأدورنو وفكر هربرت ماركيوز، ذلك الفيلسوف الثالث من مدرسة فرانكفورت الذي انفصل عن أستاذيه في قضية الأمل الثوري. فبينما ظل ماركيوز يؤمن بإمكانية ثورة تحررية، بأن هناك "قوى اجتماعية" قادرة على قلب النظام القائم، مال هوركهايمر وأدورنو إلى تشاؤم أكبر، معتبرين أن العقل الأداتي قد استولى على كل ركن من أركان الوعي الجماعي بما في ذلك وعي الطبقات التي كان ماركس يضع فيها رهاناته. لم يعد البروليتاري في نظر أدورنو فاعلاً ثورياً محتملاً، بل أصبح جزءاً من النظام يستهلك ما تنتجه صناعة الثقافة ويصوّت للأحزاب التي تدير دفة العقل الأداتي بنفس الكفاءة التي تدير بها المصانع.
ولعل هذا التشاؤم هو ما جعل مشروع هوركهايمر وأدورنو يبدو لعقود غير ذي صلة بالصراعات السياسية الفعلية، بينما كان ماركيوز نجم الشباب الثائر في ستينيات القرن الماضي. لكن الزمن في مفارقته الساخرة أعاد الاعتبار لصاحبَي "جدل التنوير". ففي عصرنا الحالي عصر شبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات التنبؤية واقتصاد الانتباه، بدت تحذيرات هوركهايمر وأدورنو عن صناعة الثقافة والتلاعب بالرغبات وكأنها نبوءات استباقية أكثر منها مجرد تحليلات لمشهد ثقافي في منتصف القرن العشرين. نحن نعيش اليوم في ذروة ما يمكن تسميته "ديكتاتورية العقل الأداتي"، حيث تحولت كل لحظة من حياتنا إلى فرصة للتسويق والمراقبة والتحليل السلوكي، حيث صار من المستحيل تقريباً التمييز بين رغباتنا الحقيقية وما تُنتجه لنا خوارزميات ترى فينا مجرد نقاط بيانات.
وربما كان السؤال الأعمق الذي يتركنا معه هوركهايمر وأدورنو، ذلك السؤال الذي لا يجد إجابة مريحة في أي من كتاباتهما وهو سؤال الفعل في زمن استحالة الفعل. كيف يمكن المقاومة حين تكون آليات القهر متمركزة في أعمق طبقات النفس وحين يكون العقل نفسه هو الأداة والجلاد في آن واحد؟ لا يقدمان لنا وصفة سحرية ولا خطة عمل سياسية ولا برنامجاً للتحرر. ما يقدمانه مع ذلك هو ما يمكن تسميته "أخلاقياً سلبياً": أخلاق تقوم على رفض التصالح مع الزيف ورفض نسيان المعاناة ورفض قبول الواقع كما هو لمجرد أنه واقع. إن هذه الأخلاق السلبية لا تعدنا بالنصر ولا تمنحنا الطمأنينة بل تتركنا في حالة من التوتر الدائم بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون، بين الحقيقة القائمة وإمكانية حقيقة أخرى. وهذا التوتر هذا الألم الفكري هو بالضبط ما يمنع العقل الأداتي من إتمام سيطرته التامة لأنه يبقي فينا شرارة الاستغراب والقدرة على أن نقول "هذا ليس صحيحاً" حتى ولو لم نعرف بالضبط ما هو الصحيح.
مشروع هوركهايمر وأدورنو درس في التواضع الفلسفي النادر، إنهما يذكراننا بأن العقل مهما بلغ من القوة والحساب يظل قاصراً عن الإمساك بكامل الوجود وأن هناك دائماً بقية لا تختزل جزءاً من التجربة الإنسانية يفلت من الشباك المفاهيمية وألماً لا يمكن قياسه وفرحاً لا يمكن حسابه وجمالاً لا يمكن تسويقه. وهذه البقية غير المختزلة هي ما كانت الفلسفة منذ أفلاطون تسميه "الحقيقة"، وحين يتخلى العقل عن السعي وراء هذه الحقيقة حين يرضى بأن يكون مجرد أداة فإنه لا يخون الفلسفة فقط، بل يخون الإنسانية ذاتها.
إن قراءة هوركهايمر وأدورنو اليوم ليست مجرد تمرين أكاديمي في تاريخ الأفكار، بل هي ممارسة مقاومة يومية ضد كل أشكال الاختزال والتسليع التي تهدد بتحويل حياتنا إلى سلسلة لا نهاية لها من الحسابات الباردة. إنها دعوة لأن نتذكر حتى في زمن النسيان الشامل، أن السؤال "لماذا كل هذا؟" لا يزال السؤال الوحيد الذي يستحق أن يطرح وأن الجواب الحقيقي عليه ليس في أي كتاب بل في قدرتنا على مواصلة طرحه مراراً وتكراراً بكل ما نملك من شجاعة ويأس وأمل في آن واحد.
***
د. حمزة مولخنيف







