عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كريم الوائلي: صورة الأم في رواية «الغريب» للفيلسوف الوجودي البير كامو

ولد الاديب والفيلسوف الفرنسي البير كامو في الجزائر في 7/ نوفمبر/ 1913م، وعاش فيها حياة فقيرة بائسة يكتنفها قدر كبير من المعاناة، فلقد كان والده مجرد مزارع بسيط يعمل على إعالة أسرته، ولذا عاش كامو مع أمه وأبيه في الأحياء الفقيرة في الجزائر، ثم نكب بمقتل والده في الحرب العالمية الأولى، وقست عليه الحياة كثيرا، وتولت رعايته والدته وكانت مهنتها بسيطة، وحين تقدمت بالعمر، اضطر كامو لاحقا الى وضعها في ملجأ للعاجزين، لأنَّ وضعه المادي لم يسمح له بذلك، وقد تجسَّد ذلك في روايته الغريب، ولعله تحدث عن معاناته فيها.

درس في جامعة الجزائر، وتأثر بفلاسفة الاغريق والرومان، واطلع بوقت مبكر على الفكر الوجودي، وقد اتجه الى العمل بالصحافة والكتابة الأدبية، وأسهم مرض السل الذي أُصيب به في مزيد من معاناته وبلورة افكاره المفعمة بالحديث عن الموت، محاولا تقديم تفسير وجودي للحياة، وظل شبح الموت يطارده في فلسفته وإبداعه الأدبي، كما أنَّ الظروف القاسية زرعت بذرة التمرد لدى كامو منذ طفولته، وبدأت تجليات تمرده تظهر حتى في انتمائه السياسي، فلقد انضم الى الحزب الشيوعي، وبعد سنة تمرد عليه وانفصل عنه، وقام كامو بتغيير عبارة الكوجيتو الديكاريتية« أنا افكر إذن أنا موجود» الى « أنا متمرد إذن أنا موجود».

واقترن التمرد بالعبث، وقدما ـــ التمرد والعبث ـــ تفسيرا للعالم، وعبثية للامعنى في الحياة، إنَّ قضية العبث ــــ هنا ــــ لا ترتبط بالعالم وحده، ولا ترتبط بالإنسان وحده، وانما في طبيعة العلاقة التي تربط العالم بالإنسان.(1) لم يكن العبث لديه حالة مرضية بل هو جزء من فلسفته التي تعنى بالمواجهة بين رغبة الانسان من ناحية والعالم الذي يعيش فيه من ناحية أخرى، وقد تولد من هذه المواجهة حالة من التوتر، وهي حالة لا تدعو لديه الى الانتحار وانما تقوده الى نمط من التمرد.

وقد ألَّفَ كتبا وروايات عدة، وكان كتابه« أسطورة سيزيف » أحد أبرز الكتب الفلسفية الذي تجلت فيه ملامح التمرد والعبث، وأصبحت شخصية سيزيف الأسطورية معبرة عن العبث واللامعنى، وسيزيف شخصية اسطورية أغضب الآلهة فأصدروا عليه حكما بأنْ يعيش حياة أبدية في عمل غير مجدٍ، ألا وهو دحرجة صخرة صعودًا إلى جبل حتى تعود للتدحرج نزولا من جديد، مرارا وتكرارا، وبلا نهاية، وظل سيزيف خاضعا لقدريته دون أنْ يتمرد.

وقد تجلت ملامح هذا الفكر في أعماله الروائية مثل روايتي « الغريب » و« الطاعون » اللتين يحاول فيهنا الإنسان التمرد على اللامعنى في الحياة وتأمله لفلسفة الموت في إطار نزعته في الوجودية العابثة.

لم يعش البير كامو طويلا فلقد مات في حادث سيارة في 4 /يناير/1960م، وعثروا في معطفه على رواية غير مكتملة « الرجل الأول» الذي أراد أنْ يعود فيها إلى جذوره الجزائرية.

2

تمثل رواية الغريب للأديب والفيلسوف الوجودي إلبير كامو أحد أبرز المحطات الأدبية والفلسفية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استقطبت اهتمام الباحثين والنقاد لما تشتمل عليه من رؤى وجودية وعبثية تكشف عن رؤية كامو للعالم والمجتمع والإنسان.

وتحثل صورة الأم مكانة مركزية على الرغم من حضورها المحدود المباشر في السرد، وإنَّ تأمل صورة الأم يقود الى فهم طبيعة السرد وتطوره ونموه، وإنه يسهم في بلورة ملامح شخصية البطل « ميرسو» فإنها تفتح الأبواب مشرعة للإجابة عن الأسئلة العميقة حول الموت والوجود والمعنى واللامعنى واللامبالاة.

تبدا الرواية بجملة سردية مستفزة، وتحمل هذه الجملة مزيجا من اللامبالاة وعدم الاحساس العاطفي يقول بطل الرواية « اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى.الأم توفيت. الدفن غدا. احتراماتنا. وهذا لا يعني شيئا. ربما حدث الأمر أمس. ».(2)

إنَّ الحزن والحداد يمثلان طقسا يرتبط بمشاعر الإنسان ومدى حزنه على فقد عزيز عليه، ولكنه في الرواية ومن أول جملة فيها تدل على أنها مجرد معلومة ليس غير، يكتنفها الإبهام والضجر وعدم الشعور بأي مسؤولية، وتتحول صوة الأم من كونها رمزا إنسانيا عظيما وعاطفيا مليئا بالحب والحنان الى مجرد كونه، مرآة وصدى لبدء المأساة الوجودية العابثة، وعلى الرغم من أنه يؤكد أنَّ« ليس للمرء سوى أُم واحدة » فانه شعر بعدم ارتياح رئيسه حين طلب إجازة لمدة يومين لحضور جنازة أمه فقال لرئيسه: « إنها ليست غلطتي»(3)

إنَّ العلاقة بين « ميرسو» وأمه تفتقر الى العاطفة والحنان، فلقد أرسلها الى دار المسنين، لأنه لم يعد يملك نقودا كي يحتفظ بها ويعنى بها(4)، وإنه لم يعد لديهما ما يقولانه لبعضهما، أو على حد تعبير ميرسو« إني وأمي بلغنا مبلغا ما عاد فيه أحدنا ينتظر شيئا من الآخر، لا بل ما كنا ننتظر شيئا من أحد، وأنَّ كل واحد منها اعتاد حياته الجديدة » (5)فهو لا يكرهها وليس هناك ما يدل على حبها، ولكنه لا يجد ضرورة للبقاء معها والاستمرار في حياتيهما. يقول ميرسو« لا شك إني كنت أُحب أمي كثيرا، لكن هذا الامر لا يعني شيئا، فما من كائن سوي إلا رغب بدرجة او بأخرى في موت من يحبهم »(6)، وأنه أكد أنَّ حاجاته الجسدية عادة ما تشوش عليه عواطفه، فيوم وفاة أمه كان تعبا جدا، وكانت به حاجة الى النوم.

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ وعي ميرسو لا تختفي فيه صورة الأم نهائيا بعد موتها وتشييع جنازتها، إذْ تتكرر صورتها في مخيلته في أثناء سجنه بعد ارتكابه جريمة القتل، تعود بوصفها صوتا داخليا كامنا في أعماق الإنسان وكأنها الحاضر/ الغائب، فهو يستدعي ذكرياته عن أمه وكيف تأقلمت في دار المسنين التي تدل في أحد أبعادها على عزلة حقيقية عن الواقع الإنساني، إنَّ آلامه الحادة هذه تتحول من شخص غائب الى وجود يعبر عن وجدان البطل، وحين يحل وقت اعدامه يسترجع ذكرى أمه ليس بشعور الأسف والأسى والحزن، وإنما بإحساس غريب يقول كانت امي تشعر انها بدأت تعيش من جديد هناك، بعد ان شعرت انها قد ماتت.

إنَّ البير كامو يضفي على صورة الأم معنى وجوديا عابثا وكأنها الانسان الذي يتصالح مع اللامعنى، ومن الجدير بالذكر أنَّ موقف ميرسو من أمه في الجنازة، وفي ألفاظه الدالة على انعدام المشاعر، يُستعمل هذا كله ضده في المحكمة، سأله القاضي هل كان يحب أمه، أجاب: « أجل مثل بقية الناس »، وهذا يعني أنَّ الأم بعد موتها لاحقت ابنها بوصفه عاقا، وكأنها تدينه اجتماعيا.

إنَّ الرواية تعرض عالمين: العالم الاعتيادي الذي يعيشه الناس جميعا، وتجسده المحكمة التي تؤكد المعاني الأخلاقية والوفاء والبر بالوالدين، وعالم ميرسو العابث الصامت الذي يخلو من كل مشاعر إنسانية، إنَّ صورة الأم في هذه الحالة تجسيد رمزي لثنائية الحياة والموت، فهي تخرج عن الإطار الإنساني العاطفي بشكله التقليدي المألوف، ويدخله كامو في مجال التفكير الوجودي العبثي، فالرواية ليست ميدانا للحب والترابط العاطفي الأسري بين الابن وامه، وخصوصا في حالة فقد الأم، بوصفها منبعا للحب والحنان والأمان، بل تتحول لدى كامو الى عزلة وصمت وتأمل في المصير الإنساني.

ويمثل الموت موضوعا مهما في الرواية إذْ يهيمن عليها منذ السطور الأولى حتى لحظات إعدام بطل الرواية« ميرسو»، وفي أثناء ذلك يتكرر صدى والدته وصدى الموت الذي أحاق بها، إنَّ الموت ليس مجرد حدث عابر بل هو علاقة عميقة في جوهر تفكير البير كامو وفي بنائه السردي، ويمثل هذا أساس التفكير الفلسفي الوجودي الذي تشتمل عليه الرواية، إذْ تُفتتح الرواية بالموت وتختتم به، لأنَّ كامو يعد الموت حقيقة مطلقة تكشف عن عبثية العالم، وتضع الانسان أمام امتحان عسير لوجوده.

ويخرج الموت من دلالته الدينية والميتافزيقية الى حقيقة باردة خالية تماما من العزاء، ولا يتجلى فيه أي ملامح للخلود، ولذلك فإنَّ كل ما يرتبط بالموت يعرض بشكل عارٍ ومباشر دون دلالات رمزية أو مجازية، إنَّ الموت لا يثير في بطل الرواية أية أحاسيس أو مشاعر، وإنَّ جنازة الأم لا تثير أي حزن أو دموع، وحين تمر الجنازة فإنها تمر ضمن أجواء الضجر، ويبدو أنَّ ميرسو لا يتفاعل مع الموت بوصفه خسار’ وجود، وإنما بوصفه حدثا حسيا ثقيل الظل.

إنها نظرة أُحادية صامتة لأنَّ إلبير كامو يعرض فلسفته الوجودية العابثة التي تعني ان هناك عالما صامتا من ناحية، وتوق الانسان الى الوصول الى معنى في زمن اختفت فيه المعاني كلها من ناحية أخرى، ولذلك فإنَّ الموت اقسى تجل لهذا الصمت الذي يكتنف العالم ولا ينجو أحد منهم مطلقا.

إنَّ حدوث الموت مجرد حدوثه يعني أنَّ القيم والمعاني كلها قابلة للسقوط والتشظي والتلاشي، ويتحول الانسان الى مجرد دمية أو آلة خالية من الأحاسيس فميرسو لا يبكي على أمه، بل ليس لديه أي احساس إزاء وفاتها، فهو يأكل ويشرب ويذهب للهو في اليوم الثاني لوفاتها مع صديقته، وحين يقتل إنسانا عربيا جزائريا لا يندم على القتل كما انه لا يطلب الصفح من المحكمة، جراء قيامة بهذه الجريمة.

ويشعر ميرسو ـــ أخيرا ـــ ان موته لا يقل اهمية او تفاهة من موت الاخرين، ويعيش ميرسو أيامه الأخيرة دون تذلل او تمرد، ويريد أنْ يوحي كامو أنَّ بطل الرواية إنما هو حر تماما، لأنَّ الحياة لا تحتمل أي معنى، كما أنَّ الاعتراف بعبثيتها يمنحه حرية وجودية مطلقة، وفي ضوء هذا لا يمكن فصل دلالة الموت في الرواية عن بنائها الفلسفي، فهو ليس موتا خاصا لفرد، وانما هو أنموذج يدل على مواقف الانسان أمام عبث الوجود.

***

د. كريم الوائلي

.........................

(1) البير كامو، الانسان الأول، ترجمة لبنى الزيدي، دار الهلال، مصر، ص 9.

(2) إلبير كامو، الغريب، ترجمة: محمد ايت حنا، منشورات الجمل، بيروت، 2014 / ص 7

(3) الرواية، ص 8

(4) الرواية، ص 103.

(5) الرواية، ص 103.

(6) الرواية، ص 77.