عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

غالب المسعودي: هندسة الارتهان

تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمالية في ظل صراع الاستحواذ القطبي الكوني

تعد منطقة الشرق الأوسط نموذجاً مثالياً لدراسة تداخل القوى الجيوسياسية، والأنظمة الاقتصادية، وآليات السيطرة النفسية التي تهدف إلى إبقاء الشعوب في حالة من التبعية الدائمة. إن الجدل القائم حول "استراتيجيات التلاعب العشر" المنسوبة للمفكر نعوم تشومسكي* وعلاقتها بالسياسة الخارجية الأمريكية، يكشف عن منظومة تتجاوز مجرد التحالفات العسكرية لتصل إلى هندسة الوعي المجتمعي وتطويع الهياكل الاقتصادية لخدمة الرأس مال العالمي. ان تحليل الروابط الهيكلية بين هذه الاستراتيجيات، والتحولات النيوليبرالية في المنطقة، والدور الوظيفي للثيوقراطيات والأنظمة السلطوية في تأمين المصالح الإمبريالية، مع استشراف مآلات هذه السياسات في ظل التحولات الاقتصادية العالمية الجديدة.

اذ تتبدّى منطقة الشرق الأوسط في الراهن السياسي بوصفها المختبر الأكثر تعقيداً لدراسة التمفصلات البنيوية بين القوى الجغرافية السياسية، والأنظمة الاقتصادية العابرة للحدود، وآليات الضبط السيكولوجي الممنهج. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطرابات عابرة، بل هو صراع استحواذ بامتياز، حيث تدار المنطقة وفق "هندسة ارتهان" دقيقة، تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي عن القضايا الوجودية عبر تكتيكات الإلهاء السياسي والاقتصادي الممنهجة، لضمان بقائها وقوداً في حريق الحرب العالمية الثالثة المستترة.

نظرية الإلهاء السياسي في إدارة الأزمات

يمثل الإلهاء السياسي الركيزة الأولى في إدارة الأزمات الكبرى؛ حيث لا تهدف القوى المهيمنة إلى حسم الصراعات، بل إلى "تسييلها" وإدارتها بما يخدم استمرار التبعية.

صناعة الأزمات الموازية كستار دخاني

عندما تقرر القوى الدولية تمرير مشروع استحواذ ضخم، كاستبدال مسار طريق تجاري عالمي أو رهن موارد سيادية، يتم افتعال "أزمة موازية" تتصدر العناوين. هذا النوع من الإلهاء يستنزف طاقة المجتمع في نقاشات استقطابية هامشية (دينية أو عرقية)، مما يمنح الفواعل الكبرى "هدوءاً عملياتياً" لإتمام الصفقات الكبرى بعيداً عن الرقابة الشعبية. الإلهاء هنا هو "الفخ" الذي تقع فيه النخب قبل الجماهير، حيث يتم استدراجهم لمعارك جانبية تُستنزف فيها القوة النقدية والسياسية.

التوظيف السياسي للاستقطاب الهوياتي

تعتمد هندسة الارتهان على تفتيش الصراعات الهوياتية كأداة إلهاء دائمة. تحويل الصراع من "شعب ينشد السيادة" إلى "مكونات تتصارع على الوجود" هو ذروة النجاح في إدارة الأزمة عبر الإلهاء، حيث يصبح المجتمع هو الرقيب الذاتي على حركته، وتنسحب القوى الدولية لتؤدي دور "الوسيط النزيه" في أزمة هي من صميم هندستها المسبقة لضمان تفتيت أي كتلة وطنية صلبة.

الإلهاء الاقتصادي والارتهان الهيكلي

يمثل الاقتصاد الميدان الأكثر قسوة لتطبيق نظريات الإلهاء؛ حيث يتم التلاعب بالضرورات المعيشية لضمان الانصياع السياسي الكلي وتحييد القدرة على الاعتراض.

هندسة التضخم وانهيار العملة كأداة للضبط

يُستخدم "الإلهاء النقدي" لكسر إرادة الشعوب. عندما يُقيد المواطن في دوامة البحث اليومي عن السلع الأساسية ويراقب تآكل مدخراته، فإنه يفقد القدرة الذهنية على التفكير في مفاهيم "السيادة النقدية" أو "التحرر من الدولار". الانهيار الاقتصادي المفتعل هو أداة إلهاء وجودية بامتياز؛ فالإنسان القلق على غده المعيشي لا يملك ترف التفكير في "معركة الممرات"، بل يصبح أقصى طموحه هو استعادة استقرار زائف توفره له قوى الاستحواذ مقابل تنازلات سيادية جديدة ترهن ثروات الأجيال القادمة.

سيكولوجيا القروض والمديونية الدائمة

تعمل القروض الدولية كأداة إلهاء اقتصادية بعيدة المدى. يتم تصوير "القرض" إعلامياً كإنجاز ودليل على الثقة الدولية، بينما هو في الحقيقة "أغلال نقدية" تضمن استلاب القرار الوطني. الإلهاء هنا يكمن في حرف الأنظار عن الشروط الهيكلية المرافقة لهذه القروض، والتي تؤدي حتماً إلى تفكيك الصناعة الوطنية وفتح الأسواق المحلية للاستحواذ الأجنبي الكلي تحت ذريعة الإصلاح الاقتصادي.

جيوبوليتيك الممرات وصراع الاستحواذ القطبي

في ظل هذا الضجيج المفتعل من الإلهاء، تدور رحى الحرب العالمية الثالثة حول "عنق الزجاجة" الجغرافي والسيادة المالية العالمية.

طريق الحرير والرد الجيوسياسي الغربي

تمثل مبادرة "الحزام والطريق" الشرقية محاولة جادة لكسر المركزية البحرية الغربية. وفي المقابل، تعتمد القوى الغربية على تكتيك "إحراق المسارات"؛ أي خلق بؤر توتر دائمة في دول العبور الحيوية في الشرق الأوسط. الإلهاء السياسي هنا يتجلى في تصوير هذه النزاعات كخلافات محلية أو ثورات عفوية، بينما الهدف الحقيقي هو تعطيل أي تكامل تجاري قد يخرج المنطقة من دائرة الاستحواذ الغربي المباشر.

السيادة النقدية وسلاح الاستبعاد المالي

إن الاستحواذ على نظام المقاصة والتحويلات العالمي يتيح للأقطاب الكبرى ممارسة "الإعدام المالي" ضد أي كيان يحاول التحرر. الصراع الحالي بين "المركزية الدولارية" والعملات الناشئة هو المحرك الفعلي للأزمات السياسية في المنطقة؛ حيث يتم معاقبة الدول "المتمردة" عبر أدوات الإلهاء الاقتصادي لتصوير فشل التجربة التحررية أمام شعوبها، ودفعها للندم على محاولة الاستقلال.

دور الوسائط المحلية والبرجوازية التابعة

لا يمكن لهذه الهندسة أن تستقر دون وجود "وكلاء" محليين يؤدون أدواراً وظيفية مرسومة بدقة. البرجوازية التابعة والأنظمة السلطوية تتبنى استراتيجيات الإلهاء لحماية امتيازاتها المرتبطة بالمركز الكوني. هؤلاء هم "المقاولون المحليون" لمشروع الاستحواذ، الذين يحولون الأزمات الوطنية إلى فرص لمزيد من الارتهان مقابل ضمانات بالحماية والبقاء في السلطة. إنهم يمارسون "الاستبداد بالوكالة" لضمان عدم خروج الجماهير عن مدارات الهيمنة الدولية.

الاستعمار الرقمي وحروب الخوارزميات

أضيفت "البيانات" كحقل جديد للاستحواذ المادي والمعنوي. تُستخدم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتعزيز تكتيكات الإلهاء عبر الفضاء الرقمي؛ حيث يتم توجيه الرأي العام نحو "أزمات افتراضية" تستهلك الغضب الشعبي وتفرغه في قضايا لا تمس جوهر السلطة أو مصالح الشركات الكبرى. إن هندسة الارتهان اليوم تجري عبر شاشات الهواتف بنفس الفعالية التي تجري بها عبر فوهات المدافع، مما يجعل السيادة الوطنية مفهوماً مستباحاً في عالم رقمي لا يعترف بالحدود.

مآلات الحرب العالمية الثالثة في الشرق الأوسط

إن التوقعات تشير إلى أن المنطقة ستظل ساحة "للاشتباك غير المتناظر". الحرب العالمية الثالثة هنا ليست مواجهة نووية شاملة -حتى الآن- بل هي عملية تفتيت مستمرة للكيانات الوطنية لصالح فواعل دولية جديدة. إن "تسييل الدول" وتحويلها إلى أشباه كيانات هو الهدف الأسمى لصراع الاستحواذ، حيث يسهل نهب الموارد وتأمين الممرات في ظل غياب سلطة وطنية مركزية قوية تمتلك قرارها السيادي.

نحو وعي سيادي ضد التلاعب

إن التحرر من "هندسة الارتهان" يبدأ من إدراك أن كل أزمة (سياسية أو اقتصادية) نعيشها هي تكتيك إلهاء مدروس لتمرير مشروع استحواذ كوني. السيادة الحقيقية لا تستعاد بالشعارات، بل بامتلاك "الدفاع الذاتي المعرفي" الذي يربط بين حركة النقد الدولي وبين لقمة العيش، وبين النزاع الهوياتي المفتعل وبين ضياع السيادة على الأرض والممرات. إنها حرب وعي بامتياز، والانتصار فيها يبدأ من استرداد القدرة على "الانتباه السيادي" لما يحاك في الكواليس الدولية المظلمة.

***

غالب المسعودي

...............................

* هذا النص ليس من تأليف نعوم تشومسكي. يعود أصل هذا النص إلى وثيقة فرنسية نُشرت عام 2002 بعنوان "أسلحة صامتة لحروب هادئة وقد قام كاتب فرنسي يدعى سيليفان تيمسيت بتلخيص هذه الاستراتيجيات في مقال.