إن سبينوزا ليس مجرد فيلسوف من فلاسفة القرن السابع عشر يُمكن إدراجه بسهولة في سردية العقلانية الحديثة، إلى جانب ديكارت ولايبنتز، ثم الانتقال إلى ما بعده وكأن المسألة قد أُغلقت. إن سبينوزا، في تقديري، يُمثل ظاهرة فلسفية كاملة؛ ظاهرة لا تكمن فرادتها في نسقها الميتافيزيقي وحده، ولا في أطروحتها الشهيرة حول وحدة الله والطبيعة، ولا في دفاعها الجريء عن حرية التفلسف، وإنما في الطريقة التي استطاعت بها أن تنقل السؤال الفلسفي من منطقة الخوف إلى منطقة الفهم، ومن سلطان المعجزة إلى انتظام الطبيعة، ومن الإله الذي يتدخل في العالم إلى الإله الذي يتجلى في نظام العالم ذاته. ولعل هذا هو المعنى العميق لما يمكن تسميته هنا بـ«المعجزة السبينوزية» : أن يصبح نفي المعجزة نفسه طريقًا إلى اكتشاف دهشة أعمق، هي دهشة وجود الطبيعة وانتظامها وقدرتها على إنتاج ما لا يكف الإنسان عن تسميته عجيبًا.
لقد ظهر سبينوزا في لحظة تاريخية كان فيها الفكر الأوروبي لا يزال يتلمس طريقه بين إرث لاهوتي كثيف وصعود عقلانية جديدة أخذت تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة والله. ولم يكن الصراع الذي خاضه سبينوزا مجرد صراع بين الإيمان والإلحاد، كما حاولت بعض القراءات المتعجلة أن تصوره، وإنما كان صراعًا على معنى الحقيقة ذاتها: من يمتلك حق تفسيرها؟ ومن يحدد ما هو ممكن وما هو مستحيل؟ وهل ينبغي أن نفسر الطبيعة انطلاقًا من الغاية التي نرغب فيها، أم أن علينا أن نفهمها من داخل ضرورتها الخاصة؟
هنا تبدأ المعجزة السبينوزية.
لا يكتفي سبينوزا بالقول إن الطبيعة تمقت الفراغ، ولا إن الأشياء محكومة بقوانينها الخاصة، بل إنه يقلب البنية التقليدية للبحث الفلسفي رأسًا على عقب. فبالنسبة له، الطبيعة ليست مسرحًا تتدخل عليه قوة خارجية كيفما تشاء، ولا مادة خام تنتظر أمرًا خارجيًا لتتحرك، بل هي نظام الوجود نفسه. لذا، فإن ما نسميه "استثناءً" أو "انتهاكًا" أو "معجزة"، ليس من وجهة نظر سبينوزا إلا اسمًا يُطلق على ظاهرة لم نفهم سببها بعد. فالمعجزة، بهذا المعنى، لا تكمن في الأشياء نفسها بقدر ما تكمن في عجزنا عن تفسيرها.
هنا، تكتسب كلمة "معجزة" دلالة تفسيرية عميقة. لا يكتفي سبينوزا بالسؤال: "هل حدثت المعجزة؟" بل يتساءل بالدرجة الأولى: "كيف يتحول حدث ما إلى معجزة في الوعي الإنساني؟" بعبارة أخرى، كيف يصبح المجهول خارقًا للطبيعة، وكيف يتحول الجهل بالسبب إلى إيمان بسبب خارق للطبيعة؟ بالنسبة لسبينوزا، فإن الانتقال من "لا أعرف" إلى "إنها معجزة" هو انتقال من تواضع المعرفة إلى وهمها. عندما نعجز عن فهم السبب، نملأ فراغ الجهل بإرادة إلهية أو قوة خارقة للطبيعة، محولين بذلك نقص معرفتنا إلى سمة من سمات العالم.
لذا، يمكننا القول إن سبينوزا يمارس شكلاً بدائياً من "تأويل الجهل". فهو لا يفسر المعجزة كحدث خارق للطبيعة، بل بتكوين فكرة المعجزة في الوعي. وهذا تمييز جوهري. فموضوعه الحقيقي ليس المعجزة بحد ذاتها، بل البنى العقلية والنفسية والتاريخية التي تدفع الأفراد إلى إدراك أحداث معينة على أنها انتهاكات للنظام الطبيعي. لاحظ سبينوزا أن الجماهير تميل إلى أن تنسب إلى الله ما لا تفهمه؛ ولذلك، تصبح المعجزة، بطريقة ما، مرآة للبشرية بدلاً من أن تكون نافذة على الله.
لعل هذا ما يجعل سبينوزا أكثر حداثةً مما يبدو عليه. فهو لا يهاجم المعتقدات الشائعة مباشرةً ليسخر منها، بل يسعى إلى كشف آلياتها. فالخوف يولد الخرافات، والجهل يُفضي إلى تفسيراتٍ خارقةٍ للطبيعة، ورغبة الإنسان في السيطرة على المجهول تدفعه إلى إسقاط إرادته على الطبيعة. ونتيجةً لذلك، يبحث من لا يفهمون النظام الطبيعي عن غايةٍ كامنة، عن إرادةٍ تتدخل فيه، عن تصميمٍ يُشبه تصميمهم. وهكذا، تتحول الطبيعة من نظامٍ ضروري إلى سردٍ لإراداتٍ خفية.
يطمح سبينوزا إلى إعادة الطبيعة إلى جوهرها الحقيقي.
تحمل هذه العبارة البسيطة ثورة فلسفية عميقة. فبالنسبة له، لا تُعارض الطبيعة الله، بل تُشكّل المجال الذي يتجلى فيه ما يُسمّيه "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura) . لذا، لا يُمكن أن يكون تجاوز قوانين الطبيعة دليلاً على القدرة الإلهية، لأن هذه القوانين هي التعبير الصريح عن ضرورة الطبيعة الإلهية. فإذا كانت الطبيعة تعبيراً عن الجوهر الإلهي، فكيف يُمكن لله أن يُناقض نفسه؟ وكيف يُمكن أن يشهد تجاوز النظام القائم على وجود خالقه إذا كان النظام نفسه تعبيراً عن الضرورة الإلهية؟
يستنتج سبينوزا من هذا أن قوانين الطبيعة ثابتة وأزلية، وأن كل ما يحدث يتم وفقًا لها. وفي كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يجادل بأن ما نسميه معجزة لا يُظهر قدرة الله بقدر ما يُظهر حدود فهمنا للأسباب الطبيعية. ووفقًا لهذا المنظور، فإن المعجزة ليست "حدثًا غير طبيعي"، بل هي ظاهرة لا نستطيع تفسيرها بالقوانين والأسباب التي اعتدنا عليها .
هذه هي المفارقة الأولى لـ"معجزة سبينوزا": كلما ازداد علمنا بالطبيعة، قلّ إدراكنا للمعجزة، ومع ذلك، يتعمق إحساسنا الفلسفي بالدهشة.فبالنسبة لسبينوزا، لا يقتل العلم الدهشة، بل يحررها من الخرافات. فالذين يفهمون أسباب الأشياء لا يفقدون القدرة على الدهشة، بل يختبرونها بطريقة أكثر عقلانية. لا تكمن الدهشة في توقف الشمس بسبب حدث خارق للطبيعة، بل في امتلاك الكون نظامًا يمكن للعقل اكتشافه. ولا تكمن الدهشة في تجاوز قوانين الطبيعة، بل في وجود القوانين، وفي كون الأشياء قابلة للفهم، وفي قدرة العقل على الربط بين الفكر والوجود.وهنا تبرز إحدى أجمل مفارقات الفلسفة السبينوزية: حين يطرد سبينوزا المعجزة من الطبيعة، فإنه لا يطرد الدهشة منها؛ بل ينقل الدهشة من الخارق إلى العادي، ومن الاستثناء إلى النظام، ومن المعجزة إلى الضرورة.
هذا التغيير ليس بالأمر الهين. فهو يعني أن الفلسفة لم تعد تبحث عن لحظات الخلل في النظام، بل تسعى إلى فهم النظام نفسه. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ عندما نقول: "هذا أمرٌ استثنائي"، بل عندما نسأل أنفسنا: "ما الذي تسبب في ذلك؟". وهكذا، فإن العقل السبينوزي لا يقبل الجهل غايةً في حد ذاته، بل يجعله نقطة انطلاقه.
وهكذا، فإن مقولة سبينوزا الشهيرة بأن الإنسان يعتقد أنه حر لأنه واعٍ لأفعاله ولكنه جاهل بأسبابها، تكشف عن المنطق نفسه الذي يقوم عليه مفهومه للمعجزات. فالإنسان يعتقد أنه حر عندما يجهل الأسباب التي تحدد أفعاله، ويعتقد أن معجزة قد حدثت في الطبيعة عندما يجهل السبب الذي يفسر حدثًا ما. في كلتا الحالتين، نواجه البنية المعرفية نفسها: الجهل بالأسباب يتحول إلى وهم الاستثناء.
هنا، تتلاقى الأنطولوجيا والإبستمولوجيا. لا يكتفي سبينوزا بالتأكيد على أن لكل شيء سبب، بل يسعى أيضًا إلى إعادة بناء علاقتنا بالوجود استنادًا إلى مبدأ ضرورة فهم الأشياء من خلال أسبابها. ويتمثل الانتقال من الخيال إلى العقل، في جوهره، في التحول من إدراك الأشياء كحقائق منفصلة وغامضة إلى إدراك شبكة الضرورة التي تربطها.
هذا ما يجعل كتاب "الأخلاق" أكثر بكثير من مجرد عمل بسيط في الأخلاق بالمعنى التقليدي. إنه مشروع يهدف إلى تحرير البشرية من جهلها بعلاقات السبب والنتيجة. أولئك الذين يعيشون في عالم من المشاعر والآراء الجزئية يرون الأشياء مجزأة، متناقضة، مفاجئة، بل وحتى معجزة. أما أولئك الذين يتقدمون في المعرفة فيبدأون بإدراك الترابط والضرورة بين كل الأشياء. من هذا المنظور، لا تُعدّ المعرفة ترفًا نظريًا، بل تحوّلًا عميقًا في طريقة وجودنا.
في كتابه "الأخلاق"، الذي ترجمه جلال الدين سعيد إلى العربية، يبدأ سبينوزا بمفهوم الجوهر، ومن خلال شبكة دقيقة من التعريفات والقضايا والبراهين، يصل إلى الحرية والنعيم والمحبة الفكرية لله. تُظهر الترجمة العربية أن تعريف الله والجوهر أساسي لتطور النظام السبينوزي؛ إذ يُقدّم سبينوزا الله كجوهر مطلق لا يُمكن تصور وجوده خارج ذاته .
وهكذا، بالنسبة لسبينوزا، لم يعد "الله" كائناً شخصياً خارجياً عن العالم يتدخل فيه، بل أصبح الوجود نفسه لانهائياً. ولهذا السبب، تُعدّ مسألة المعجزة محورية في فلسفته الدينية: فقبول المعجزة باعتبارها انتهاكاً للطبيعة يُؤدي إلى تصوّر الله والطبيعة ككيانين منفصلين، بينما يُفضي النظام السبينوزي إلى وحدة الجوهر والضرورة.
لا ينبغي تفسير العبارة اللاتينية "Deus sive Natura" على أنها مجرد معادلة رياضية بين كلمتين، بل هي تمثل تحولاً جذرياً في فهمنا للمقدس. فالله ليس موجوداً في مكان آخر ليتدخل في العالم، لأن العالم ليس منفصلاً عن الوجود الإلهي. والطبيعة ليست آلة مستقلة تعمل في غياب الله، لأنها في حد ذاتها تعبير عن الجوهر الإلهي.
لذا، فإن السؤال "هل يستطيع الله أن يتجاوز قوانين الطبيعة؟" يستند إلى مفهوم ميتافيزيقي يرفضه سبينوزا رفضًا قاطعًا. فإذا كانت الطبيعة هي التعبير الضروري عن الجوهر، فإن تجاوز قوانينها ليس فعلًا إلهيًا، بل تناقض متأصل في مفهوم الله نفسه.
لذلك، يجادل سبينوزا في كتابه "رسالة لاهوتية سياسية" بأن الإيمان بالمعجزات لا يؤدي إلى معرفة الله، بل يمكن أن يؤدي إلى الشك فيه؛ لأن إثبات حدث يتعارض مع النظام الطبيعي يرقى، وفقًا له، إلى افتراض وجود نظام غير مستقر، وهو ما يتعارض مع كمال الطبيعة الإلهية .
هنا، يمكننا قراءة سبينوزا بطريقة تأويلية تتجاوز المستوى اللاهوتي المباشر. فبالنسبة له، لا تُعدّ المعجزة مجرد مشكلة في فلسفة الدين، بل هي بالأحرى مشكلة في اقتصاد المعنى. فعندما يعجز الإنسان عن فهم حدث ما، لا يستطيع تحمل فراغ المعنى طويلًا، فيسارع إلى ابتكار معنى آخر: إرادة إلهية، عقاب، ثواب، علامة، رسالة، نبوءة. من هذا المنظور، تُعدّ المعجزة محاولةً لسدّ الفجوة بين الحدث وتفسيره.
لكن سبينوزا يدعونا إلى قبول هذه الفجوة.
وفي ذلك تكمن شجاعة فلسفته.
ليس الفيلسوف الحقيقي من يملك إجابة لكل شيء، بل من يعرف كيف يُبقي السؤال مفتوحًا دون أن يُفسده بالخرافات. لهذا السبب، لا يُحارب سبينوزا المجهول في حد ذاته، بل يُحارب الطريقة التي نحوله بها إلى يقين زائف. إنه يُريد أن يكون الجهل مؤقتًا، لا مُتأصلًا.
بالنسبة له، هذا هو المعنى العميق للنور الفطري: العقل ليس أداةً لإلغاء المُقدس، بل أداةً لتحرير البشرية من الخوف الذي يُحجب نظام الوجود. وهكذا، يرتبط نقد سبينوزا للمعجزات ارتباطًا وثيقًا بنقده للخرافات. في مُقدمة كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يُربط الخرافة بالخوف، ويُصبح تحرير البشرية من الخوف شرطًا أساسيًا لتحريرها من الأوهام التي استعبدتها.
إن الخوف هو ما يجعل الطبيعة مصدرًا للرعب.فعندما يخشى الإنسان المستقبل، يبحث عن دلائل؛ وعندما يعجز عن تفسير الأحداث، يبحث عن إرادة؛ وعندما تستنفد قدرته على التحمل، يحوّل ما يبدو مصادفة إلى رسالة. وهكذا، ينظر سبينوزا إلى الخرافة لا كمجرد خطأ فكري، بل كظاهرة إنسانية متجذرة في العاطفة. هذه النقطة جوهرية، لأنها تقرّب فلسفته من قراءة نفسية واجتماعية للإنسانية، حتى قبل أن يصبح علم النفس الاجتماعي فرعًا قائمًا بذاته.
وإذا كانت المعجزة في صورتها الشعبية هي استثناء للطبيعة، فإنها في صورتها السياسية يمكن أن تصبح أداة للسلطة. فحين يعلن رجل الدين أن حادثة ما «معجزة»، فإنه لا يصف فقط حدثًا، بل قد يمنح نفسه سلطة تفسيرية عليه. وحين تصبح المعجزة دليلًا على صدق نبي أو جماعة أو مؤسسة، يتحول الخارق إلى رأسمال رمزي وسياسي. ولذلك فإن نقد المعجزة عند سبينوزا لا ينفصل عن نقد تسييس المقدس.
يُبرز هذا أهمية كتاب سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة". فبالنسبة له، لا يوجد الدين بمعزل عن غيره، بل هو متجذر في علاقة معقدة مع السلطة والخوف والطاعة والتفسير. وتتلخص مسألة المعجزات في جوهرها في تحديد من يملك الحق في تعريفها، ومن يملك سلطة تفسيرها، ومن يستطيع إقناع الناس بأن حدثًا ما قد تجاوز النظام الطبيعي. لذا، يمكن القول إن سبينوزا لم يكن ناقدًا للمعجزات فحسب، بل كان ناقدًا لسياسات المعجزات أيضًا.
إذا كانت المعجزات تستمد قوتها من جهل العامة، فإن الفيلسوف يسعى لهدايتهم من الخوف إلى الفهم. لا يطلب منهم التوقف عن الدهشة، بل يدعوهم إلى التعجب مما هو حق. المعجزة الحقيقية ليست في حدوث ظاهرة منافية للطبيعة، بل في اكتشاف أن ما اعتقدنا أنه مستحيل يمكن فهمه عندما نعيد بناء علاقات السبب والنتيجة.
وهكذا، يصبح سبينوزا نفسه "فيلسوف الظواهر". ليس لأنه أسس الفينومينولوجيا قبل هوسرل -فهذا إسقاط تاريخي غير مشروع -بل لأنه يُجبرنا على العودة من الحدث الغامض إلى كيفية تجليه في الوعي. يتساءل: لماذا يبدو شيء ما معجزة؟ لماذا يبدو الإنسان حراً؟ لماذا يبدو الله متعالياً على الطبيعة؟ لماذا تبدو الأشياء منفصلة عن بعضها؟ لماذا ندرك أنفسنا كذوات مستقلة عن شبكة الأسباب؟
إن فلسفة سبينوزا هي في جوهرها محاولة لتفكيك "الحدس الزائف".
يظن الإنسان نفسه مركز الطبيعة لأنها تبدو وكأنها خُلقت لأجله. ويظن أنه يمتلك إرادة حرة مطلقة لجهله بالأسباب التي تُحدد رغباته. ويظن أن الله يتدخل في الطبيعة لجهله بضرورة هذا التدخل. ويظن أن المعجزات خرقٌ للقانون لجهله بالقانون الذي أوجدها. هكذا يعمل الوهم في أكثر مجالات الوعي وضوحًا.
لعل هذا ما يفسر استمرار أهمية سبينوزا في الفلسفة المعاصرة. فمع التقدم العلمي، لم تتضاءل الحاجة إلى سبينوزا، بل ربما ازدادت. نعيش في عصرٍ باتت فيه قدرتنا على تفسير الظواهر هائلة، ومع ذلك لم يختفِ التفكير الخرافي، وإنما تطورت أشكاله فحسب. لم تعد المعجزات مرتبطة دائمًا بالمقدس التقليدي؛ بل قد تتخذ اليوم شكل مؤامرة، أو تفسير سحري، أو الاعتقاد بأن حدثًا معقدًا لا بد أن يكون وراءه فاعلٌ خفيٌّ واحد. ولا يزال البناء النفسي الذي درسه سبينوزا قائمًا، حتى وإن تطورت مفرداته.
وهكذا، يمكننا اليوم إعادة اكتشاف سبينوزا ليس فقط كفيلسوف تاريخي، بل أيضاً كدرسٍ في الحذر من التأويل المتسرع. ففلسفته تُعلّمنا ألا نحول الغموض إلى يقين، والجهل إلى حقيقة، والخوف إلى ميتافيزيقا.
في هذا السياق، يصبح تأكيده الشهير في كتابه "الأخلاق النيقوماخية" بأن الإنسانية جزء لا يتجزأ من الطبيعة أكثر من مجرد أطروحة وجودية. إنه دعوة إلى التواضع المعرفي. فالإنسانية ليست مملكة داخل مملكة أخرى، ولا كائناً منفصلاً عن الضرورة الكونية. بل هي جزء لا يتجزأ من نسيج الطبيعة، خاضعة لقوانينها كغيرها من الكائنات. لذلك، يتطلب فهم الإنسانية فهم علاقتها بالطبيعة، لا وضعها خارجها .
هذا هو جوهر مشروع سبينوزا: استبدال الوهم بالضرورة، والخوف بالفهم، والعاطفة العمياء بالمعرفة، والعبودية بالحرية. يرى سبينوزا أن الحرية لا تعني التهرب من الضرورة، بل فهمها. فمن يتجاهل الأسباب يبقى أسيراً لها، حتى وإن توهم أنه سيدها. أما من يفهم الضرورة، فينتقل من الخضوع السلبي إلى القدرة على تنظيم علاقته بها. لذا، لا تكمن الحرية في فعل ما يشاء المرء، بل في اكتساب مهارة أكبر في التصرف وفقاً لطبيعة يفهمها.
وهذا يقودنا إلى المفارقة الثانية لـ"معجزة سبينوزا": لا يتحرر الإنسان حين يُحرر نفسه من الضرورة، بل حين يُدرك أنه جزءٌ منها.هذه الفكرة تُقرّب فلسفة سبينوزا من أخلاق الفهم لا أخلاق الهيمنة. فهو لا يقول للإنسان: "قاوم الطبيعة"، بل: "افهمها". ولا يقول: "اهرب من تشابك الأسباب"، فهذا مستحيل، بل: "افهم مكانك فيها". ولا يقول: "اقتل أهوائك"، بل: "انتقل من الانفعال السلبي إلى القوة الفاعلة".
إن «الكونatus» »، أو نزوع كل شيء إلى الاستمرار في الوجود، يصبح هنا مفهومًا مركزيًا لفهم الحياة البشرية. فالبشر ليسوا كيانات منعزلة، بل قوى متغيرة. لذا، فالفرح ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو زيادة في القدرة على الفعل، بينما الحزن هو انخفاض فيها. وعلى هذا المستوى، تتحول الأخلاق إلى فن تنظيم القوى، لا إلى قائمة من الوصايا الخارجية.
وإذا كان سبينوزا قد أحدث ثورة في تاريخ اللاهوت، فليس ذلك فقط من خلال تأكيده على "الله أو الطبيعة"، بل أيضاً لأنه أعاد تعريف مفاهيم مثل الحرية والإرادة والخير والشر والغاية والمعجزة. فقد انتزعها من نطاق الميتافيزيقا الغائية وأعاد إدخالها في منظومة الضرورة الطبيعية.
يساعدنا هذا على فهم سبب كون سبينوزا ظاهرة فلسفية، وليس مجرد فيلسوف. فقد أعاد تعريف العلاقات بين الإنسانية، والله، والطبيعة، والعقل، والسياسة، والدين. ولذلك، استمر تأثيره في الفلسفات اللاحقة، من النقد التاريخي للدين إلى الفكر السياسي الحديث، ومن فلسفة الحياة إلى بعض التيارات المعاصرة التي تعيد اكتشافه كفيلسوف للسلطة، والرغبة، والعلاقات الإنسانية .
بينما نظر القرن السابع عشر إلى سبينوزا باعتباره تهديدًا، اعتبرته القرون اللاحقة أحد أكثر الفلاسفة قدرةً على تحدي الحقائق الراسخة. هذا هو سر "ظاهرة سبينوزا": فيلسوف أُدين ونُبذ في حياته، استطاع بعد مماته أن يصبح نقطة التقاء لفلسفات متنوعة، بل ومتناقضة.
سعى سبينوزا إلى تمكين العقل من فهم العالم دون الهروب منه واللجوء إلى عالم آخر. ولعل هذه هي أعظم جرأته. فهو لا يحتاج إلى عالم خارج العالم لإضفاء معنى على الوجود؛ فالوجود نفسه، إذا فُهم في ضرورته، يصبح هو جوهر المعنى. ومن هنا فإن «المعجزة السبينوزية» ليست معجزة دينية، بل معجزة فلسفية: أن يستطيع العقل أن يعيد الإنسان إلى العالم بعد قرون من النظر إليه باعتباره غريبًا عنه.
لا يُجرّد سبينوزا العالم من طابعه المقدس بقدر ما يُعدّل معناه. لم يعد المقدس يكمن في تجاوز الطبيعة، بل في فهمها؛ لم يعد يكمن في خرق قوانينها، بل في إدراك نظامها؛ لم يعد يكمن في البحث عن إله خارج عن ذاته، بل في إدراك الوجود كتعبير عن ضرورة لا متناهية.
هنا، يندهش الفيلسوف أكثر من صانع المعجزات. لا يحتاج الأول إلى مخالفة القانون ليُذهل؛ يكفيه أن يفهمه. لا يحتاج إلى تعطيل الطبيعة ليجد الله؛ يكفيه أن يدرك في الطبيعة نظامًا لا نهائيًا من العلاقات. لا يحتاج إلى الفرار من العالم لينال الخلاص؛ بل يجده في نوع من المصالحة الفكرية مع ضرورة الوجود .
هذا ما يضفي على إعلان سبينوزا في ختام كتابه "الأخلاق" هذا المعنى العميق، حين يربط السعادة بالحرية والمعرفة ومحبة الله الفكرية. فالمعرفة ليست نهاية مفاجئة للرحلة الفلسفية، بل هي ذروتها، وشكل من أشكال البهجة. انتقل سبينوزا من سؤال "ما الذي يحدث؟" إلى "كيف نفهم ما يحدث؟" ثم إلى السؤال التالي: "كيف يتغير وجودنا حين نفهم؟".
إنه مسار يقود من الحدث إلى المعنى، ومن المعنى إلى القوة، ومن القوة إلى الحرية.
وهكذا، فإن سبينوزا، "الفيلسوف الظاهرة"، ليس مجرد من أكد على الترابط الجوهري بين الله والطبيعة، ولا مجرد المدافع عن هندسة ميتافيزيقية صارمة، بل هو الفيلسوف الذي جعل من الفهم نفسه فعل تحرر.
لذا، بالنسبة لسبينوزا، المعجزة العظمى ليست في أن تتوقف الطبيعة عن كونها طبيعة، بل في أن تتوقف البشرية عن إسقاط خوفها وجهلها عليها.
لا تكمن المعجزة في تجاوز القانون، بل في فهمنا له. لا يتعلق الأمر بانفتاح العالم على ما وراء الطبيعة، بل بانفتاح العقل على العالم.
لا يتعلق الأمر بترك الطبيعة وحدها للوصول إلى الحقيقة، بل باكتشاف أن الحقيقة كانت دائمًا في صميم الطبيعة، وأن ما كنا نبحث عنه في السماء يتطلب قراءة أعمق للأرض.
لكل هذه الأسباب، يمكننا القول إن سبينوزا كان، بحق، فيلسوفًا للظواهر: ظاهرة في تاريخ الفلسفة، وظاهرة في تاريخ العقل الحديث، وظاهرة في تاريخ العلاقة بين الدين والعقل والسياسة، وقبل كل شيء، ظاهرة لقدرة الفلسفة على إعادة صياغة السؤال بدلًا من مجرد الإجابة عليه.
إنها معجزة الفلسفة نفسها: أن يتحول ما كان مصدرًا للخوف إلى موضوع للفهم، وما كان يُعدُّ خرقًا للنظام إلى سؤال عن النظام، وما كان يُفسَّر بالخارق إلى بحث عن العلة، وما كان يقود إلى العبودية الروحية إلى طريق نحو الحرية .
فيما يتعلق بالكتاب المقدس، لم يعتبره سبينوزا نصًا مقدسًا خارجًا عن التاريخ، بل نصًا ينبغي قراءته مع مراعاة نشأته وتكوينه ولغته وسياقه التاريخي. ومن هنا تكمن مفارقة سبينوزا: فاحترام الكتاب المقدس لا يعني تعليق العقل أمامه، بل تحرير قراءته من سلطة التأويلات المسبقة. لفهم
النص، لا بد من وضعه في سياقه التاريخي، وفي اللغة التي كُتب بها، وفي مقاصد مؤلفيه وجمهوره
ولذلك أسّس سبينوزا لما يمكن تسميته هرمينوطيقا تاريخية للكتاب المقدس ؛ جادل سبينوزا بأن فهم النصوص الدينية ينبغي أن يبدأ بالنص نفسه وظروف تأليفه، لا بالعقائد التي تُفرض عليه لاحقًا. من هذا المنظور، لا يفقد الكتاب المقدس قيمته عندما يصبح موضوعًا للدراسة الفكرية؛ بل على العكس، تبدأ قيمته التأويلية تحديدًا عندما نتوقف عن اعتباره نظامًا مغلقًا من المعاني المُسبقة. وهكذا، يواجه سبينوزا سؤالًا معاصرًا سيصبح فيما بعد محوريًا في علم التأويل: كيف لنا أن نفهم نصًا قبل أن نفرض عليه المعنى الذي نرغب في إعطائه إياه؟
لم تكمن جرأة سبينوزا في نقده لليهودية فحسب، بل في تحويله لشروط قراءة النصوص الدينية: من قدسية تمنع أي تساؤل إلى نص يسمح به، ومن سلطة التأويل إلى تاريخ التأويل، ومن إيمان يفرض المعنى على عقل يسعى لفهم شروط تكوينه. ونتيجة لذلك، يمكن اعتبار كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" عملاً تأسيسياً للفكر التأويلي الحديث.
***
بقلم: د. معروفي العيد
.......................
الهوامش:
أ ـــــــ المصادر العربية:
[1] باروخ سبينوزا، رسالة في السياسة، ترجمة، عمر مهيبل، موفم للنشر ــــــ الجزائر ــــ ط1 1995.
[2] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا، بيروت، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2005.،
[3] باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2009.
ب ــــــــ المصادر الفرنسيــة:
[1] Baruch Spinoza, Traité théologico-politique, trad. Charles Appuhn, Paris, Garnier-Fréres, 1965
[2] Baruch Spinoza, Éthique, trad. Charles Appuhn, Paris, Garnier Frères, 1913.
[3] Baruch Spinoza, Éthique, trad. Jules Gustave Prat Prat, recherches et texte établi par Bernard Pautrat, Paris, Éditions Allia, 2020.
2 ــــ المراجع:
أ ــــ المراجع العربية:
[1] فؤاد زكريا، سبينوزا، بيروت، دار التنوير، الطبعة الثانية، 1981.
[2] جلال الدين سعيد، سبينوزا والكتاب المقدس، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى، 2017، ولا سيما مباحث التأويل التاريخي والنقد العقلاني للنص المقدس والمعجزة.
[3] فريدريك لونوار، المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020.








