عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (6)

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

- من المعرفة النظريّة إلى العرفان الصوفي:

لو أنّ القاريء استعرض معي الدراسة التي قدّمناها خلال الأيام الماضية في خمس حلقات متتالية عن "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" كما جرت محاورها قطعاً على النحو التالي:

فائض المعرفة في مقابل فائض القيمة. فائض المعرفة نتيجة لفاعلية منهج القراءة على القراءة.

ثم مفهوم المعرفة الثالثة وتأصيله في الفكر العربي والثقافة الإسلاميّة. ومفهوم المعرفة المُولّدة وتتبّعه في الفكر والواقع، ثم

التوليد باعتباره سر الإبداع وسر النبوغ الأدبي كما تبيّن لنا ممّا كنا تناولناه في المقالات الأخيرة عن "سر النبوغ الأدبيّ وفلسفة التنوير".

أقول إنّ القاريء اذا هو تتبّع مستعرضاً معي ذلك كله، سيجد بعد هذا الاستعراض أنّ ثمة تساؤلاً ميتافيزيقيّاً، أو إنْ شئت قلت: تساؤلاً فلسفيّاً كان ينبغي طرحه، أبعد ممّا كان استعرضه في مقالاتنا السابقة وهو: كيف نوظّف هذا كله، وبخاصّة فكرة التوليد، توظيفاً يخدم في النهاية، قيم المعرفة الإلهيّة تماماً كما يخدم قيم العرفان؟

وللإجابة على هذا التساؤل يمكن أن تنتقل دراستنا (معرفيّاً) من طور معرفي كُنّا بحثناه في السابق، إلى طور معرفي آخر لم يتم تغطيته بعدُ: من كونها نظريّة في توليد المعرفة إلى كونها نظريّة في ارتقاء المعرفة نحو العرفان. وهذه النقلة المعرفيّة، في تقديري، هي أهم ما يمكن أن يُضاف إلى مشروع "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة".

لكن يلزم منذ البداية ضبط مسألة شديدة الحساسية تتعلق بطبيعة المعرفة الإلهيّة وآفاقها الرحبة المتسعة، إذْ المعرفة الإلهيّة لا تُولَّد من المعرفة الإنسانية؛ لأن الله ليس نتيجة معرفيّة لعملية استدلال أو تركيب أو قراءة نظرية تتولد عن قراءة تماثلها وتتمم ما عساه ينتج عنها من استنباط !

وإنمّا الذي يمكن توليده هو المعرفة الإنسانية بالله، بمعنى استعداد الإنسان للمعرفة بالله، وما ينكشف له تباعاً من دلالات الحق وآثاره في الكون والحياة، أو في الأنفس والآفاق.

من ذلك ترى، أن الفكرة المركزية لنظام المعرفة التوليديّة يمكن أن تكون كالآتي:

التوليد لا يصنع المعرفة الإلهيّة، وإنما يصنع في الإنسان شروط الارتقاء من المعرفة المحدودة بحدود الحس أو العقل، إلى العرفان الذي لا يعرف هذه الحدود؛ يعني يصنع في الإنسان همّة التشوّف والتحقيق.

وهذه الجملة، في ظني، يمكن أن تكون مفتاح الانتقال النظري من "فائض القيمة" إلى "فائض المعرفة"، ثم إلى "فائض العرفان".

- من توليد المعرفة إلى تقرير العرفان:

وإذا كنا في السابق؛ بدأنا من استعارة فلسفية: فائض القيمة في الاقتصاد الماركسي، حيث لا تظل قيمة المال في حدود رأس المال الأول، بل يدخل المال في حركة إنتاجية تنتج قيمة زائدة. ثم نقلنا هذا المنطق إلى المعرفة؛ فكانت المعرفة الأولى بالإضافة إلى فعل القراءة عليها تولّد معرفة ثانية ثمّ المعرفة الثانية بالإضافة إلى إعادة القراءة تنتج معرفة ثالثة. وهكذا لا تصبح القراءة استهلاكاً للمعرفة، وإنما تصبح أكثر جدية، فعلاً منتجاً للمعرفة.

فإننا هنا، وفي هذا السياق، يمكن أن نُحْدث النقلة الكبرى؛ فيما لو كانت المعرفة التراكمية تزيد كمّ المعرفة، وكانت المعرفة التوليدية تزيد قدرة المعرفة على إنتاج معرفة جديدة لم تكن من قبل موجودة، فإنّ المعرفة العرفانيّة ينبغي أن تزيد شيئاً آخر يتمثل في قدرة المعرفة على تغيير علاقتها بالوجود، وبالله، وبالإنسان.

بمعنى أن فائض المعرفة لا ينبغي أن يتوقّف عند إنتاج معلومة جديدة، وإلا ظلت النظريّة أبستمولوجية بالمعنى التقني النظري الخالص. وليس هذا هو المطلوب، بل ينبغي أن يصبح فائض المعرفة يؤدي إلى فائض الكشف، وفاض الكشف يقود الى فائض المعنى، وفائض المعنى يفضي بالضرورة إلى التحوّل العرفاني. أي أن المعرفة الزائدة لا تكون غايتها مجرد إضافة معلومة، وإنما تتحوّل إلى كشفٍ عن معنى لم يكن ظاهراً، ثم إلى إدراك أعمق لذلك المعنى، ثم إلى أثر في طريقة حضور الإنسان للمعرفة وفي علاقته بما يعرف.

ففائض المعرفة لا يقف عند حدود إضافة معلومة جديدة، وإنما يتجاوزها إلى كشف ما وراء المعلومة من معنى، ثم إلى تعميق هذا المعنى في الوعي، بحيث ينتهي الأمر إلى تحول في طريقة حضور المعرفة في الذات؛ إذ ذاك تنتقل المعرفة من مجرد الزيادة الكميّة إلى الكشف، ومن الكشف إلى المعنى، ومن المعنى إلى التّحوّل العرفانيّ.

وهذا مهم جدًا؛ لأنك هنا لا تقول إن العرفان انما هو مجرد زيادة معلومات أكثر عن الله، وإنما تقول شيئاً آخر أعمق، هو أن العرفان ليس زيادة في المعلومات التي يمتلكها الإنسان عن الله، وإنما تحول في الكيفية التي تحضر بها المعرفة بالله في وجوده ووعيه وتجربته. وهذا هو المطلوب في نقطة التحول المبدئية من توليد المعرفة إلى تقرير العرفان.

- التوليد المعرفي:

أمّا مسألة التوليد المعرفي؛ فإنّ القارئ لا يكتفي بفهم معرفتين منفصلتين، وإنما يضعهما في علاقة جديدة، ويقرأ إحداهما في ضوء الأخرى، ثم يتجاوز ما هو موجود فيهما إلى نتيجة معرفية جديدة.

يقوم التوليد المعرفي على أن يضع القارئ معرفتين أو أكثر في علاقة جديدة، فيقرأ إحداهما من خلال الأخرى، ويكشف ما بينهما من إمكانات لم تكن ظاهرة في كل واحدة منهما منفردة، ثم يتجاوزهما إلى معرفة ثالثة تتولد من فعل القراءة والتركيب والتجاوز. وهذا أقرب كثيراً إلى مفهومنا نحن حين تحدثنا في منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ لأن المعرفة الثالثة ليست معلومة جاهزة في النَّصين، وإنما تتولد من فعل القارئ بينهما.

أمّا التوليد العرفاني: فهو لا يعني مجرد جمع خمسة أشياء في تجاور وتقارب؛ معرفة، مع تجربة، مع تأمل، مع تهذيب، مع حضور؛ الأمر الذي يؤدي الى انكشاف للمعنى جديد، وإنما يعني أن المعرفة حين تدخل التجربة الإنسانية وتُختبر بالتأمل والتهذيب والحضور، يتغير مستوى إدراكها. فالتوليد العرفاني لا يتولّد من العلاقة بين المعارف وحدها، وإنما ينشأ حين تدخل المعرفة في التجربة، وتمتد إلى التأمل، وتتصل بالتهذيب، وتتحول إلى حضور؛ عندئذٍ لا تكون النتيجة مجرد معرفة جديدة، وإنما تصبح انكشافاً جديداً للمعنى.

فالتوليد المعرفي يولّد معرفة جديدة، أما التوليد العرفاني، فيولّد كيفية جديدة في حضور المعرفة داخل الذات.

ولهذا لا يكون العارف هو من يملك معرفة أكثر، وإنمّا العارف هو من تتحوّل المعرفة في تجربته من موضوع للتفكير إلى حقيقة حاضرة في الوعي والسلوك والوجود.

وكل معرفة لا تُحدث تحولاً في علاقة الإنسان بما يعرف تظل معرفةً واقفة عند حدود النظر، مهما اتّسعت وتنوعت؛ أمّا المعرفة التي تدخل التجربة، وتعيد تشكيل الوعي، وتغير طريقة حضور الإنسان في العالم، وفي علاقته بالله، فهي التي تتجاوز المعرفة النظريّة إلى تحقيق العرفان.

وتتضح السلسلة الفكريّة كلها فيما هو معلوم لدينا دون حاجة إلى مزيد اهتمام؛ فالمعرفة تنتج معرفة، ولكن المعرفة التي تدخل التجربة تنتج كشفاً، والكشف يعيد تشكيل المعنى، وحين يتحوّل المعنى إلى حضور في الذات تبدأ المعرفة في التحول إلى عرفان.

وهذه الفكرة المركزيّة الأخيرة بالذات تصلح أن تكون فكرة تأسيسية في بناء "التوليد العرفاني"؛ لأنها تميز بوضوح بين إنتاج المعرفة، وتحوّل المعرفة في الذات. نعم ! قد تصبح قارئاً ممتازاً، وتتفنن في إجادة منهجية القراءة على القراءة، وتنتج المعرفة وتجيد إنتاجها، ولكن سوف تتوقف عند هذا القدر ما لم تتحول المعرفة فيك إلى حقيقة قائمة بذاتك، تمتزج بها وتختلط بأعصابك.

وعلى كل ما تقدّم؛ يمكن أن يصبح العرفان ليس كميّة إضافية من المعلومات عن الله، وإنما كما سبقت إليه الإشارة هو تحول في نمط حضور المعرفة في الذات. وهنا يظهر الفرق الحاسم بين "التوليد المعرفي" "والتوليد العرفاني". ويمكننا جعل هذه التفرقة مركزية:

في التوليد المعرفي، لدينا معرفتان أو أكثر: فعل قراءة مع تركيب أو تجاوز يؤدي إلى معرفة ثالثة. لكن في التوليد العرفاني لا تكفي العلاقة وحدها قائمة بين المعارف. بل يصبح لدينا معرفة تضاف الى تجربة مع فعل تأمل مع أخلاقيات التهذيب بالإضافة الى الحضور، كل هذا كله، يؤدي إلى انكشاف جديد للمعنى.

العارف لا يعرف الله فقط من خلال تراكم الأقوال في الله، وإنّما يدخل في علاقة وجوديّة مع ما يعرفه. وهذا يفتح لنا باباً بالغ القوة، مفاده أن كل معرفة لا تُحدث بالوقت تحولاً في علاقة الإنسان بالمعلوم، تظل معرفة وصفيّة ظاهريّة لا تتجاوز السطح البرّاني والقشرة الخارجية.

أمّا المعرفة التي يعاد بها تشكيل العارف، فتدخل في أفق العرفان، وفي غمار التجربة وتذوق علوم الحال. وبمثل ذلك نستطيع أن نجعل التوليد ليس مجرد آلية عقلية، وإنما آلية انتقال من المعرفة إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى العرفان.

- من المعرفة الثالثة الى العرفان:

كما يمكن أن تصبح "المعرفة الثالثة" جسراً يُعبَر منه إلى العرفان؛ لأن المعرفة الثالثة عندنا ليست مجرد نتيجة حسابية؛ كأن تقول مثلاً: المعرفة الأولى إذا هي أضيفت إلى المعرفة الثانية تنتج عنهما معرفة ثالثة. إذا نحن فعلنا ذلك، فإنّ هذا سيكون تبسيطاً شديداً لنظريّة المعرفة التوليديّة. أمّا إذا نحن قلنا إن المعرفة الثالثة هي المعنى الذي لم يكن كامناً بصورة مكتملة في أي من المعرفتين السابقتين، وإنما ظهر من فعل القراءة الجديدة للعلاقة بينهما، فإنّ هذا القول هو الأدق فلسفيّاً، وهذا بالضبط هو الموضع الذي يمكن أن يبدأ فيه العرفان.. كيف؟!

خذ مثلاً: تقرأ آية قرآنية، ثم تقرأ تفسيراً لها، ثم تقرأ التجربة الصوفية التي نشأت حولها، ثم تقرأ مفهوم الإنسان في القرآن، ثم تقرأ التجربة الإنسانية المعاصرة.

إذا أنت جمّعت هذه المواد جمعاً مدرسياً، حصلت على تراكم لا على توليد. أمّا إذا جعلت كل معرفة تقرأ في ضوء المعرفة الأخرى، فقد يظهر معنى لم يكن موجوداً بهذه الصورة في أي مصدر منفرد.

وهذا هو التوليد لا التراكم. وهذه أيضاً هي المعرفة الثالثة. لكن إذا تجاوز هذا المعنى مجرد الصياغة النظريّة، إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان بالآية، وبنفسه، وبالعالم، فإنّ المعرفة الثالثة تقترب من التوليد العرفاني.

وإذن؛ فالمعرفة الثالثة هي منطقة العبور من الأبستمولوجيا إلى الأنطولوجيا؛ لأنها لا تضيف إلى ما نعرفه فحسب، وإنما قد تعيد تشكيل الكائن الذي يعرف.

ومن هذه النقطة، يمكن إعادة تعريف "التوليد" نفسه، فلم يعد التوليد مع العرفان يعني "إنتاج معرفة جديدة" فقط، بل يمكن أن تضع له ثلاث درجات:

التوليد الأول: توليد معرفي، إنتاج معنى أو معرفة لم تكن حاضرة في المعرفة السابقة.

التوليد الثاني: توليد مفهومي، وهو إنتاج مفهوم أو رؤية قادرة على إعادة تنظيم عدد من المعارف السابقة في نسق جديد.

التوليد الثالث: توليد عرفاني، وهو أن تؤدي المعرفة المولدة إلى تغيير في كيفية حضور الحقيقة في وعي الإنسان ووجوده وسلوكه.

وهنا يحدث شيء مهم جداً، إذا تصبح المعرفة، خطوة لما بعدها من الآفاق العليا، ولم تعد غاية في ذاتها كما كانت من قبل. بل تصبح المعرفة إذ ذاك وسيلة للارتقاء. وليس للارتقاء نهاية.

هنالك تصبح المعرفة وسيلة للشهود. ولكن أين المعرفة الإلهية في هذه البنية؟

- التوليد الدلالي للمعرفة:

ليس من الدقة الفلسفية ولا اللاهوتية أن نقول هنا: التوليد ينتج معرفة الله؛ لأن هذا يوقع نظريّة المعرفة في مشكلة عميقة؛ إذ يجعل الله موضوعاً معرفياً ينتجه العقل الإنساني؛ بل الأصوب أن نقول: التوليد يحرر المعرفة الإنسانية من صورتها الجامدة، ويجعلها أكثر قدرة على استقبال الدلالة الإلهية.

وهذه نقلة مختلفة تماماً؛ فالقرآن، مثلاً، لا يصبح "نتاجاً" لعملية التوليد. والحقيقة الإلهيّة لا تصبح "نتيجة" للقراءة. وإنمّا القراءة التوليديّة تغير موقع القارئ من النص والحقيقة. أتذكر هنا ما كنا بحثناه من قبل عن "القرآن والتجربة البشريّة"، حتى إذا كان القرآن له بالمباشرة أثرٌ على الإنسان فإنّ كل تجربة عميقة ذات أثر في الإسلام كان للقرآن فضلٌ فيها، بل هو مظهر أساسي من مظاهر مكوناتها. ولوحظ أن التجارب البشرية تتكون في مجرياتها التاريخية بالفاعلية والعمل والمباشرة والتعلق وامتدادات الوجود بمسائل المصير، وهى لا تتكون فارغة غير مُحاطة بالوعي ولا ملآنة بالممارسة، إذْ التجارب الفاعلة والمؤثرة لها بعدٌ رُوحي أعمقٌ من الكلمات.

فالقرآن ثابت في مصدره، لكن تجدد المعرفة به لا ينتهي .. لماذا؟

لأن التوليد لا يقع في النص، وإنما يقع في العلاقة بين النص والقارئ والوجود. وهذه نقطة أرى أنها يمكن أن تكون من أعمق التطبيقات القرآنية لنظريّة المعرفة التوليديّة.

ومن هنا، يمكن أن نجعل منهجيّة القراءة على القراءة طريقاً عرفانيّاً، إذ ليس المقصود أن نقرأ كتاباً ثم كتاباً ثم كتاباً، بل المقصود أن نقرأ النّص في ضوء النّص، ونقرأ الفكرة في ضوء الفكرة، ونقرأ التجربة في ضوء التجربة، ونقرأ الإنسان في ضوء الوحي، ثم نعيد قراءة الوحي في ضوء ما انكشف لنا من الإنسان. وهنا يحدث ما يمكن أن تسميته: التوليد الدلالي للمعرفة. لكن بشرط مهم هو ألا يعني هذا إخضاع الوحي للتجربة البشريّة، وإنما يعني أن التجربة البشرية تصبح مجالاً لانكشاف بعض دلالات الوحي.

ومن هذه النقطة الدقيقة يمكن أن يصبح "العرفان" هو الغاية العليا للتوليد.

- التحول في طبيعة المعرفة:

بين المعرفة والعرفان، هنالك ما يسمى بالتحقق الوجودي، إذْ المعرفة قد تولد معرفة أخرى، ولكنها لا تصبح عرفاناً بمجرد كونها جديدة، فكلما ارتفع فعل القارئ من مجرد استقبال المعرفة إلى إعادة إنتاجها، ثم إلى تحويلها في ذاته، ارتفعت تباعاً درجته في التحقق من العرفان.

ويقتضينا بحث التحول في طبيعة المعرفة أن نسترجع بعض المصطلحات المركزيّة في أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، فـالتراكم هو أن أجمع ما قاله الآخرون. ثم تأتي القراءة: لا أكتفي بجمع المعلومات، وإنمّا أفهم النص وأحلله. ثم تأتي منهجيّة القراءة على القراءة: وهنا يبدأ مشروعنا الحقيقي؛ فأنا لا أقرأ النص وحده، بل أقرأ قراءة الآخرين للنص، وأضع قراءة في مواجهة قراءة، ومفهوماً في مواجهة مفهوم، وتجربة في مواجهة تجربة.

يظهر من ثمّ "فائض المعرفة": أي أن عمليّة المقارنة والتركيب لا تعيد إليَّ المعلومات نفسها، بل تكشف لي شيئاً لم يكن حاضراً بهذه الصورة في أي واحد من المصادر مُنفرداً.

وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى المعرفة الثالثة؛ وهي عندنا ليست معلومة ثالثة تضاف إلى معلومتين، وإنمّا معرفة تتولد من العلاقة الخلّاقة بين معرفتين سابقتين.

ونصل إذ ذاك إلى النقطة المهمة جداً، وهي أن المعرفة الثالثة ليست نهاية الطريق، بل هي بداية التوليد الحقيقي. ثم ما الفرق بين المعرفة الثالثة والمعرفة المولدة؟

التمييز بينهما ضروري قطعاً. المعرفة الثالثة هي ثمرة اللقاء بين معرفتين أو أكثر. أمّا المعرفة المُولدة، فهي المنهج أو القدرة التي تجعل هذا التوليد ممكناً بصورة متكررة. أو بعبارة أخرى: المعرفة الثالثة هي الناتج، أما المعرفة المُولدة فهي القدرة التوليدية. وهذا فرق فلسفي مهم. فإذا قرأت الغزالي وابن عربي، مثلاً، ووضعت مفهوم "الفكر" عند الغزالي في مواجهة مفهوم "الكشف" عند ابن عربي، ثم نشأ من المقارنة فهم جديد للعلاقة بين الفكر والكشف، فهذه ثمرة توليديّة يمكن أن تسميها معرفة ثالثة.

أمّا إذا أصبح عندك من هذا العمل منهج دائم في إنتاج المعنى من العلاقات بين المعارف، فها هنا أنت لم تعد تملك معرفة ثالثة فقط، بل أصبحت تمارس معرفة مولدة. ولنا أن نتساءل: لم لا يصح عندنا أن نقفز مباشرة من "المعرفة المولدة" إلى "العرفان"؟

هنا تحديداً يجيء مصطلح "التحقق الوجودي"Existential Realization وفي سياق الفلسفة العرفانيّة، المقصود به باختصار انتقال المعرفة من كونها فكرةً يدركها العقل إلى حقيقةٍ وجوديّة يعيشها الإنسان في وجوده ووعيه، بحيث تتحوّل المعرفة إلى تحقّقٍ وكشفٍ وتجربةٍ وجودية.

أي أن العارف لا يكتفي بأن يعرف الحقيقة، بل يتحقق بها وجوداً وذوقاً وكشفاً وشهوداً.

على أن المعرفة، بغير هذا التحقق الوجودي، مهما كانت عميقة ومولدة ومبدعة، قد تظل معرفة نظرية. نعم .. ! قد أستطيع أن أتكلم عن المحبة دون أن تتحول المحبة إلى تجربة في فعل وجودي. وقد أستطيع أن أشرح الزهد دون أن يتغير تعلقي بالأشياء.

وقد أستطيع أن أكتب عشرات الصفحات عن التوكل دون أن يتحول التوكل إلى كيفية في الوجود. فالفرق إذن هناك فرقٌ، وفرقٌ كبير بين أن نعرف المعنى، وأن يتحول المعنى إلى وجود فينا خَلاّق. وهذا هو المقصود بـالتحقق الوجودي.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم