تدفعنا صيغة الملكية في قولنا «جسدي» إلى تخيّل مالك يقيم خلف الجسد ويتصرف فيه كما يتصرف في أداة. يتكلم الوعي في هذه الصورة من موضع داخلي مستقل، فيما يظهر الجسد أمامه شيئًا ممتدًا يخضع للحركة والمرض وقوانين الطبيعة. هكذا يتوزع الإنسان بين ذات تفكر وتحس وتريد، وكتلة عضوية تنفذ أوامرها وتحملها عبر العالم. وقد منح الإرث الديكارتي هذا الانقسام صورته الفلسفية الأشد رسوخًا حين جعل الفكر يقين الذات الأول، وترك الجسد في جهة الامتداد. غير أن الخبرة المعاشة تسبق هذا التقسيم وتقاومه. فاليد التي تمتد إلى الأشياء لا تظهر لي ابتداءً كأداة أملكها، والعين لا تحضر كآلة بصرية أستخدمها، والقدم لا تتحول في كل خطوة إلى موضوع للحساب. أحضر إلى العالم بهذه الأعضاء قبل أن أتأملها، وأمارس وجودي عبرها قبل أن أنسبها إلى نفسي بوصفها ممتلكات.
من هنا يحتاج سؤال العلاقة بين الوعي والجسد إلى إعادة بناء. فالسؤال التقليدي «كيف يتصل الوعي بالجسد؟» يفترض سلفًا طرفين مكتملين ثم يبحث عن جسر بينهما. أما التجربة فتدل على تداخل أسبق من كل اتصال لاحق. الوعي البشري ينكشف منذ بدايته كوعي متجسد، والجسد يُعاش كبنية حاملة للمعنى والقصد. لا يوجد أولًا وعي مكتفٍ بذاته ثم يكتسب جسدًا، ولا جسد محايد تنتقل إليه شرارة واعية من خارج تكوينه. ما يظهر هو كائن واحد تتشابك في حضوره الحساسية والحركة والانفعال واللغة والذاكرة، ويصعب فصل أحد مستويات هذا التشابك عن سائرها من دون تحويل الحي إلى بناء نظري جامد.
قدمت الظاهراتية الأدوات الأدق لفهم هذا التشابك. ميّز هوسرل بين الجسد الفيزيائي الذي يمكن قياسه وتشريحه، والجسد الحي الذي أحس به من داخله وأتحرك عبره. ثم دفع ميرلو-بونتي هذا التمييز إلى نتيجته الوجودية، فالجسد المعاش هو موضع انفتاح العالم، ونقطة الصفر التي تنتظم حولها الجهات والمسافات والإمكانات. القريب قريب بقدر ما تستطيع اليد أن تبلغه، والبعيد بعيد تبعًا لقدرة الجسد على الوصول إليه. الأعلى والأسفل، الأمام والخلف، المريح والخطر، كلها معانٍ تنشأ داخل علاقة جسدية بالمكان. العالم لا يُعطى كخريطة هندسية محايدة، وإنما كحقل لإمكانات الفعل: طريق يمكن عبوره، مقعد للجلوس، باب يتيح الخروج، وهاوية تستدعي التراجع.
يظهر هنا الفرق بين الجسد الموضوعي والجسد المعاش. الأول هو ما تكشفه الأشعة وتصفه المختبرات وتفحصه العيادة، وهو مستوى ضروري لفهم البنية العضوية ووظائفها. الثاني هو الجسد كما يجري حضوره قبل الفحص: خفته وثقله، توازنه، إيقاعه، توتره، وألفته الصامتة. لا يتنافسان على حقيقة واحدة، فلكل منهما مستوى من الوصف. يحدث الخطأ حينما يتحول الوصف الطبي إلى تفسير يستنفد التجربة، أو عند اتخاذ الخبرة الذاتية بديلًا عن المعرفة العلمية. الجسد الذي تراه الأشعة والجسد الذي أشعر به يعودان إلى وجود واحد، غير أن طريق ظهورهما يختلف. الصورة تكشف نسيجًا أو عظمًا، بينما يكشف الألم عالمًا ضاق، وزمنًا تباطأ، وحركة فقدت عفويتها.
تتضح أولوية الجسد المعاش في القصدية الحركية. حين أمد يدي إلى فنجان القهوة لا أرسم في ذهني خريطة كاملة للمسافة، ثم أحسب زاوية المرفق، ثم أرسل سلسلة أوامر إلى العضلات. يتحقق الفعل داخل وحدة سابقة على هذا التفصيل بين الإدراك والحركة. الجسد يعرف كيف يبلغ الفنجان معرفة عملية مترسبة في مخططه الحركي. وتشبه هذه المعرفة ما يحدث في الكتابة والعزف والقيادة، إذ تتحول المهارة بالتدرب من سلسلة أفعال مراقبة إلى أسلوب جسدي في التعامل مع المجال. الوعي هنا موزع عبر الفعل، حاضر في دقته واتجاهه، ولا ينحصر في صوت داخلي يصدر التعليمات.
يمنح علم الأعصاب هذا التحليل طبقة تفسيرية إضافية. يتكون الإحساس بالجسد من تفاعل الحس العميق الذي يتتبع وضع الأطراف، والجهاز الدهليزي الذي ينظم التوازن، والاستقبال الداخلي الذي ينقل أحوال القلب والتنفس والأحشاء، إلى جانب اللمس والرؤية والسمع. تدمج الشبكات الدماغية هذه الإشارات في نموذج جسدي متجدد يسمح للكائن بأن يحدد موضعه وحالته وما يستطيع فعله. وتؤدي القشرة الجزيرية ومناطق حزامية وجبهية أدوارًا مهمة في ربط الإشارات الداخلية بالانتباه والانفعال واتخاذ القرار. وفق نماذج المعالجة التنبؤية، لا ينتظر الدماغ بيانات مكتملة من الجسد والعالم، وإنما يبني توقعات مستمرة ويصححها بمقدار ما تقاومها الإشارات الواردة. لذلك يمكن فهم الوعي الجسدي كتفاوض حي بين توقع عصبي ومقاومة حسية، بين ما يستعد الجسد لأن يجده وما يفرضه الموقف عليه.
ومع ذلك تبقى المسافة المنهجية ضرورية بين الآلية والخبرة. تحديد الشبكة العصبية المصاحبة للألم لا يستنفد كيف يُعاش الألم، كما أن وصف الهرمونات المرتبطة بالخوف لا يعادل معنى التهديد لدى شخص بعينه. النشاط العصبي شرط تكويني للخبرة الإنسانية، فيما تتشكل دلالة الخبرة أيضًا عبر التاريخ الشخصي واللغة والعلاقات والثقافة. الخلط بين هذه المستويات ينتج اختزالًا مزدوجًا: علمًا يتعامل مع المعنى كأنه ضوضاء ذاتية، وتأملًا يتجاهل الشروط العضوية التي تمنح المعنى إمكان ظهوره. المقاربة الأخصب تحفظ الفارق وتبحث في الترجمة المتبادلة بين الجسد المعيش والجسد العصبي والجسد الاجتماعي.
يكشف الألم هذه البنية بقوة استثنائية. في العافية يعمل الجسد غالبًا بشفافية، فنقصد الأشياء من خلاله ولا نتوقف عنده. وعندما يشتد الألم تتراجع الأشياء ويحتل الجسد صدارة الوعي. تتقلص المسافة، تثقل الحركة، وينغلق المستقبل حول احتمال استمرار الوجع. الألم لا يضيف إحساسًا منفردًا إلى خبرة مستقرة، فهو يعيد تنظيم الخبرة كلها. الغرفة ذاتها تبدو أضيق، والساعة ذاتها أطول، والكلام الذي كان يسيرًا يصير عبئًا. يكشف المرض عندئذ أن الزمن والانتباه والمكان قدرات جسدية بقدر ما هي صور ذهنية، وأن اختلال الجسد يبدل طريقة ظهور العالم قبل أن يبدل أحكامنا النظرية عليه.
وتؤكد العاطفة وحدة الوعي والجسد. الخوف انقباض في مجال الإمكان، وتسارع في النبض، وتوتر عضلي، وتوجيه حاد للانتباه نحو مصدر التهديد. الحزن هبوط في الطاقة وثقل في الحركة وانكماش في قابلية العالم لأن يدعونا إلى الفعل. أما الطمأنينة فتظهر كاتساع في التنفس، وارتخاء في العضلات، واستعادة للمكان بوصفه قابلًا للسكن. الحب أيضًا يعيد توزيع الحضور الجسدي، فيجعل صوت الآخر ووجهه وقربه مشحونة بقيمة لا تحملها الأشياء المحايدة. العاطفة طريقة يتلون بها العالم عبر الجسد، ولذلك يستحيل ردها إلى فكرة داخلية تضاف إليها أعراض عضوية في مرحلة تالية.
يتجاوز التجسد حدود الفرد إلى المجال المشترك. يظهر الآخر من خلال وجهه ونبرته وإيقاع حركته ومسافته وصمته. أفهم تردده في انكماش خطوته، وغضبه في توتر صوته، وارتياحه في هيئة جلوسه، قبل أن أحول هذه العلامات إلى استدلال واعٍ. التواصل يبدأ كتجاوب بين جسدين ثم تتولى اللغة توسيع معناه وتثبيته أو حجبه. ومن هنا يتكون الوعي بالذات داخل علاقة بين-جسدية، إذ تعيد نظرة الآخر إليّ تنظيم إحساسي بوضعي وبحركتي وبكيفية ظهوري. الخجل مثال كاشف: جسدي الذي كان منفذًا شفافًا نحو العالم يتحول تحت النظرة إلى حضور مرئي يثقل عليّ ويضاعف مراقبتي لنفسي.
الجسد الاجتماعي يحمل كذلك آثار السلطة والمعيار. فطرائق الجلوس والمشي والنظر وضبط الصوت والمسافة لا تنشأ من التشريح وحده، وإنما تتعلمها الأجساد داخل الأسرة والمدرسة والعمل والفضاء العام. تترسب الأوامر والمعايير في الهيئة حتى تبدو طبيعية، ويغدو الجسد أرشيفًا لتاريخ لم يعد صاحبه يستحضره بوضوح. بعض الأجساد تُمنح حرية التمدد والظهور، وأجساد أخرى تتعلم الانكماش والحذر. لذلك يجمع التجسد بين الطبيعة والتاريخ، بين القدرة العضوية والتشكيل الثقافي، ويحول سؤال الوعي إلى سؤال عن العالم الذي يدرب الجسد على أن يشعر ويتحرك ويظهر بطرائق محددة.
حتى الإحساس بأن الجسد «لي» يتبين كإنجاز قابل للاضطراب. يميز علم الأعصاب بين الإحساس بملكية الجسد والإحساس بالفاعلية. الأول يعني أن هذه اليد أو هذه الحركة تنتمي إلى جسدي، والثاني يعني أنني مصدر الفعل الذي يحدث. وقد ينفصلان في بعض الاضطرابات والتجارب. في وهم اليد المطاطية مثلًا، يمكن للتزامن بين اللمس المرئي واللمس المحسوس أن يجعل يدًا صناعية تدخل مؤقتًا في خريطة الجسد. وفي ظاهرة الطرف الشبحي يستمر حضور طرف مفقود داخل الخبرة، وأحيانًا يستمر ألمه أيضًا. تكشف هذه الحالات أن ملكية الجسد ليست معطى ساكنًا تضمنه الحدود التشريحية، وإنما تركيب ديناميكي تبنيه الذاكرة الحسية والتكامل متعدد الحواس والتوقع الحركي.
يتضح عند الاغتراب الجسدي الفرق بين الملكية والسكن. قد يحتفظ الإنسان بجسده بيولوجيًا وقانونيًا، فيما يفقد ألفته معه. المرض المزمن والصدمة وبعض الاضطرابات العصبية أو النفسية والشيخوخة قد تجعل الجسد مقاومة يومية عوض أن يكون طريقًا تلقائيًا إلى الأشياء. يصير العضو موضوعًا يفرض نفسه، وتتحول الحركة إلى مهمة تحتاج إلى مراقبة، ويفقد المكان سابق سهولته. الألم الفلسفي في هذه الحالات نابع من تصدع العلاقة التي كان الجسد عبرها مأوى غير ملحوظ. ما ينهار هو سهولة الوجود في العالم، لا ملكية عضو منفرد وحدها.
لهذه الرؤية أثر مباشر في نقاش الوعي الاصطناعي. السؤال المحوري لا يتوقف عند المادة التي صُنع منها النظام، لحمًا كانت أم سيليكونًا، وإنما يمتد إلى نوع علاقته بعالمه. هل يملك تنظيمًا يحافظ به على ذاته، وحساسية داخلية لأحواله، ودورة إدراك وفعل تغير البيئة وتغيره، ومنظورًا تتفاوت داخله الأشياء بين النافع والضار والقريب والمهدد؟ أم أنه يعالج رموزًا ويولد تقارير لغوية من دون أن ينكشف له عالم ذو قيمة معاشة؟ التجسد البشري لا يقدم برهانًا نهائيًا على استحالة وعي غير عضوي، لكنه يرفع عبء التفسير. فمحاكاة خطاب الوعي وحدها لا تكفي لإثبات حضور ذات تعيش، ما دام الوعي الذي نعرفه قد نشأ داخل كائن يحتاج ويتألم ويتوازن ويتجه ويتعرض للفناء.
يحمل الجسد أخيرًا دلالة أنطولوجية تتجاوز الوظيفة. إنه يمنح الوعي موضعًا وحدودًا ومنظورًا، ويجعله وجودًا متعينًا بدل عقل كلي يطل على الأشياء من كل الجهات. كل رؤية تحجب جوانب، وكل اقتراب يترك وراءه مسافة، وكل قدرة تصاحبها قابلية للعجز. غير أن هذه الحدود نفسها تفتح إمكان التجربة. تستطيع اليد أن تلمس لأنها محدودة بمدى، ويستطيع النظر أن يكتشف لأنه ينطلق من زاوية، وتكتسب اللحظة قيمتها لأن الزمن الجسدي قابل للنفاد. من الجسد تأتي اللذة والهشاشة معًا، الحضور والفقد، الحرية والمقاومة. إنه صيغة انفتاحنا على العالم وصيغة تعرضنا له في آن واحد.
لهذا لا يقف الامتلاك والسكن كخيارين متكافئين. الامتلاك علاقة انعكاسية متأخرة، تظهر حين أجعل جسدي موضوعًا للعناية أو التدريب أو العلاج أو الحكم. أما السكن فهو الطبقة الأسبق التي تمنح تلك العلاقة إمكانها. أنا أستطيع أن أقول «هذا جسدي» لأنني أعيش العالم من خلاله قبل أن أتخذه موضوعًا لي. الجسد طريقة الوعي في الحضور، والوعي كيفية الجسد في أن يصير خبرة ومعنى وزمنًا. وبينهما لا يقوم جسر يصل جوهرين غريبين، وإنما يجري تمايز داخلي داخل حياة واحدة.
نحن إذن نمتلك أجسادنا في مستوى محدود، حين نتأملها وندبرها وننسبها إلينا، إلا أن الحقيقة الأعمق تكمن في أننا نسكن العالم بها. بها نرى ونُرى، نلمس ونُلمس، نرغب ونخاف، نتذكر وننتظر، ونصير عرضة للآخر وللزمن. الجسد هو بلاغة الحضور الأولى، والصيغة التي يتحول بها العالم من موضوع يقع أمامنا إلى موطن ننخرط فيه ويعيد تشكيلنا. وحين نفهم الوعي من هذه الجهة، يغدو سؤال الجسد سؤالًا عن كيفية وجودنا كلها: كيف يصبح العالم قابلًا للإحساس، وكيف تتكون الذات من علاقتها به، وكيف يحملنا الجسد عبر الحياة بقدر ما نحمله.
***
عبد الله الهميلي








